لماذا سيصل أسود الأطلس بعيدًا في هذا المونديال؟

لماذا سيصل أسود الأطلس بعيدًا في هذا المونديال؟
مباراة المغرب والبرازيل في كأس العالم 2026
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
لم يعد الحديث عن المنتخب المغربي يقتصر على إنجاز نصف نهائي كأس العالم 2022 أو مواجهة البرازيل بندية في مونديال 2026، بل أصبح يدور حول مشروع كروي متكامل نجح في تحويل المغرب إلى واحدة من أبرز القوى الصاعدة في كرة القدم العالمية.
فخلال سنوات قليلة، حقق المغرب سلسلة من الإنجازات المتراكمة؛ بدءًا من بلوغ المربع الذهبي لمونديال 2022، مرورًا ببرونزية أولمبياد باريس 2024، وصولًا إلى التتويج بكأس العرب 2025 للمرة الثانية في تاريخه، فضلًا عن الحضور المتواصل للمنتخبات السنية والمنتخبات المحلية في مختلف المنافسات القارية والدولية.
هذه النتائج تطرح سؤالًا جوهريًا: هل ما تحقق مجرد نجاحات متفرقة، أم أنه نتاج مشروع طويل المدى أعاد تشكيل كرة القدم المغربية؟
تفكيك الشفرة المغربية
عند تتبع مسار الكرة المغربية خلال العقدين الماضيين، يتضح أن نقطة التحول لم تبدأ مع جيل أشرف حكيمي أو ياسين بونو، ولم تبدأ مع مونديال قطر 2022، بل مع قرار إستراتيجي بإعادة بناء المنظومة الكروية من جذورها.
فبدل التركيز على المنتخب الأول فقط، توجهت الجامعة الملكية المغربية لكرة القدم إلى الاستثمار في البنية التحتية والتكوين واكتشاف المواهب وربط الفئات السنية بالمنتخب الأول ضمن رؤية طويلة الأمد.
أكاديمية محمد السادس ”مصنع المواهب“
شكّل إنشاء أكاديمية محمد السادس لكرة القدم عام 2009 أحد أهم مرتكزات المشروع المغربي، فالأكاديمية لم تُنشأ لإعداد فريق واحد أو جيل واحد، بل لتكون منصة دائمة لإنتاج اللاعبين.
وخلال السنوات اللاحقة، تخرّج منها عدد من اللاعبين الذين شكّلوا أعمدة المنتخبات الوطنية المغربية، من بينهم يوسف النصيري ونايف أكرد وعز الدين أوناحي، ومع مرور الوقت، تحولت الأكاديمية إلى نموذج إقليمي في تطوير المواهب، وأسهمت في توسيع قاعدة اللاعبين المؤهلين للعب على أعلى المستويات.
المغرب لا تصنع منتخبًا، بل تصنع أجيالًا
أحد أبرز الفوارق بين التجربة المغربية وتجارب أخرى في المنطقة يتمثل في القدرة على التجديد، ففي حين ترتبط نجاحات بعض المنتخبات بأجيال محددة، نجحت المغرب في ضخ وجوه جديدة بصورة متواصلة.
وبين كل بطولة وأخرى، تظهر أسماء شابة جديدة دون أن يتأثر المستوى العام للمنتخب، وهذا التدفق المستمر للمواهب جعل المنتخب المغربي أقل عرضة للأزمات المرتبطة باعتزال النجوم أو تراجع مستوياتهم.
”أبناء المهجر“؛ الامتداد الإستراتيجي للمشروع
لم تعتمد المغرب على المواهب المحلية فقط، فوجود جالية مغربية كبيرة في أوروبا منح الاتحاد المغربي فرصة توسيع قاعدة الاختيار، وخلال السنوات الماضية، نجح في استقطاب عدد من اللاعبين الذين تدرجوا في أكاديميات أوروبية كبرى قبل اختيار تمثيل المغرب دوليًا. وبذلك؛ جمع المنتخب بين التكوين الأوروبي والخبرة المحلية، ما عزز من تنوعه الفني والتكتيكي.
عندما يصبح المنتخب الرديف منافسًا على الألقاب
من أبرز مؤشرات قوة أي مشروع رياضي قدرته على تحقيق النتائج حتى في غياب النجوم، وقد ظهر ذلك بوضوح في كأس العرب 2025، عندما تُوّج المنتخب المغربي باللقب للمرة الثانية في تاريخه، رغم عدم مشاركة غالبية نجومه المحترفين في أوروبا.
هذا الإنجاز كشف عن عمق القاعدة البشرية التي تمتلكها الكرة المغربية، وقدرتها على إنتاج أكثر من جيل وأكثر من فريق قادر على المنافسة.
من ”عقدة الكبار“ إلى ”مقارعة الكبار“
لأعوام طويلة كانت مواجهة المنتخبات الكبرى تمثل تحديًا نفسيًا للعديد من المنتخبات الأفريقية، لكن التجربة المغربية أظهرت تحولًا واضحًا في العقلية التنافسية، ففي كأس العالم 2022 أقصى المغرب منتخبات بحجم إسبانيا والبرتغال وبلجيكا، وبلغ نصف النهائي للمرة الأولى عربيًا وأفريقيًا.
وفي مونديال 2026 الحالي، دخل مواجهة البرازيل - صاحبة الرقم القياسي في عدد ألقاب كأس العالم - باعتباره منافسًا حقيقيًا، لا منتخبًا يبحث عن مفاجأة عابرة. وهنا تكمن إحدى أهم نتائج المشروع المغربي: بناء الثقة المؤسسية والرياضية في القدرة على منافسة الأفضل.
ماذا تقول المؤشرات؟
تشير النتائج المتراكمة خلال السنوات الأخيرة إلى أن المغرب لم تعد تعتمد على إنجاز منفرد، بل على منظومة متكاملة، ومن أبرز المؤشرات:
نصف نهائي كأس العالم 2022.
- أول منتخب عربي وأفريقي يبلغ هذا الدور.
- برونزية أولمبياد باريس 2024.
- التتويج بكأس العرب 2025.
- استمرار التأهل إلى البطولات العالمية.
- حضور متصاعد للمنتخبات السنية.
- تدفق مستمر للمواهب الشابة.
- منظومة تكوين تُعد من الأكثر تطورًا في أفريقيا.
ختامًا؛ تكشف التجربة المغربية أن النجاح الكروي لا يبدأ من المنتخب الأول، بل من بناء منظومة قادرة على إنتاج اللاعبين وتطويرهم وإدماجهم ضمن مشروع طويل المدى.
ولعل أبرز ما يميز النموذج المغربي أنه لم يُبنَ حول مدرب أو نجم أو بطولة بعينها، بل حول فكرة الاستدامة.
ولهذا، لم يعد السؤال المطروح اليوم ما إذا كان المغرب قادرًا على منافسة الكبار، بل إلى أي مدى يمكن لهذا المشروع أن يواصل دفع ”أسود الأطلس“ نحو مستويات أعلى في كرة القدم العالمية؟

شارك هذا الخبر