أثير- الركابي حسن يعقوب
ضمن سيل تصريحاته التي تزايدت معدلاتها الأسبوع الماضي وتركزت على قضية الحرب والسلام مع إيران، قال الرئيس ترامب في تصريحات لموقع أكسيوس أنه أصيب بالدهشة وهو يرى تدفق حشود الإيرانيين وبكاءهم في جنازة المرشد الإيراني الراحل علي خامنئي، ومصدر دهشة الرئيس ترامب بحسب ما عبر عنه أنه كان يعتقد أن الإيرانيين كانوا يكرهون خامنئي!
ورغم أن العالم اعتاد على تصريحات ترامب غير المألوفة والغريبة والخارجة عن الأطر الدبلوماسية والمتناقضة في معظمها، والتي تتراوح بين الإساءة والبذاءة والسخرية والتنمر والعنف اللفظي، إلا أن هذا التصريح الأخير للرئيس ترامب عن بكاء الإيرانيين على مرشدهم الراحل كان لافتاََ للانتباه و مثيراََ للجدل بشكل خاص.
ولو أن تصريحات ترامب تخضع للضوابط الصارمة التي تحددها المؤسسات الدستورية والقوانين الإدارية وسياسات الأمن القومي الأمريكية، والتي تمنع الرئيس من الإدلاء بمعلومات ذات علاقة بسياسات الدولة بطريقة عشوائية وتفرض عليه قيوداََ لتجنب الإضرار بالأمن القومي، كما أنه ووفقاََ للضوابط الحاكمة لتصريحات الرئيس في القضايا السياسية المحلية والخارجية فإنه لا يسمح للرئيس بالتحدث في الشؤون السياسية من فراغ ودون التنسيق مع الجهات المختصة، لو أن هذه الضوابط مفعلة ومعمول بها مع الرئيس ترامب لما كان قد أطلق هذا التصريح الذي يبدو لأول وهلة أنه جاء عفو الخاطر وتعبيراََ عن دهشة فرضها المشهد الماثل أمام الرئيس ترامب وهو يتابع مراسم تشييع المرشد علي خامنئي.
الرئيس ترامب من حيث لا يقصد، اعترف بفشله في تحقيق أحد أهم أهداف حربه على إيران وهو تغيير النظام، اعتماداََ على فرضية أن النظام الذي على رأسه المرشد الراحل لا يحظَ بتأييد من الإيرانيين، وأن الشعب الإيراني يكن كراهية خاصة لهذا النظام بحيث أنه سينتفض ويثور ضده عقب اغتيال المرشد خامنئي، وجاء تصريحه المبني على ما رآه رأي العين شاهداََ على خطأ حسابات الرئيس وسوء تقديره، بل أكثر من ذلك فإن هذه الدهشة التي عبر عنها الرئيس ترامب تشير بقوة إلى أن المعلومات الصحيحة عن النظام في إيران غائبة عنه، أو ربما هناك جهة داخل البيت الأبيض تعمدت تضليل الرئيس ترامب عن حقيقة الوضع في إيران وتصويره على أنه هش ومعزول شعبياََ، وذلك بهدف دفع الرئيس ترامب لاتخاذ قرار الحرب باعتبارها مجرد “عملية” أمنية خاطفة الغرض منها حماية الأمن القومي الأمريكي.
وفي الحقيقة أن دهشة الرئيس ترامب وشعوره بالمفاجأة لمشهد نحيب وبكاء الإيرانيين وحزنهم على المرشد الراحل، هي دهشة ومفاجأة تتجاوز المشهد نفسه وتنصرف إلى ما هو أعمق من مجرد الدهشة والشعور بالمفاجأة بسبب أن النتيجة جاءت عكس ما أريد لها أن تأتي، والأعمق من مجرد الدهشة هو البحث عن إجابة لسؤال بدهي وتلقائي، مفاده كيف ولماذا تم تضليل الرئيس ترامب بمعلومات خاطئة؟ جرته إلى التورط في حرب لم تحقق أياََ من أهدافها، بل خسر فيها حلفاء اقليميين وتراجعت شعبيته هو وحزبه داخلياََ بسببها وكلفت الخزانة الأمريكية أموالاََ طائلة بلا جدوى ولا مقابل، وتسبب بها في إغلاق مضيق هرمز وما ترتب على ذلك من أزمة إمداد في الطاقة تأثر بها الداخل الأمريكي بصورة مباشرة.
إن دهشة الرئيس ترامب من حزن الإيرانيين على المرشد الراحل، وقد كان يظن أن لا بواكي له تؤكد أن لدى ترامب فجوة “معلوماتية” وأخرى “معرفية” حالت بينه وبين بناء قرار الحرب على أساس سليم وصحيح، وربما إذا كان يمتلك ولو نذراََ يسيراََ من المعرفة والمعلومات بحقيقة النظام الإيراني ومدى شعبيته، لما راهن على كراهية الشعب الإيراني له كعامل مساعد على تغيير النظام، والأمر الأكثر خطورة هو أن هذه الفجوة قد لا تكون قصرًا على إيران وحدها، وإنما يمتد نطاقها ليشمل المنطقة بأسرها .
إن دهشة الرئيس ترامب أسبغت مزيدًا من الشرعية على النظام الإيراني، وأعطته دفعة قوية في وقت هو أحوج فيه إلى هذه الدفعة وتحولت مراسم التشييع إلى تظاهرة وطنية شعبية مؤيدة للنظام ولسياساته ومواقفه يتابعها العالم كله لحظة بلحظة.
وحينما يعبر رئيس أقوى دولة في العالم مرّ على تأسيسها 250 عاماً عن دهشته، وهو يرى النتائج على الأرض تخالف ما خطط له وحشد له من موارد عسكرية وسياسية ودعائية واقتصادية بسبب قصور في المعرفة والمعلومات، فإن ذلك دليل على أن هناك خلل كبير حادث ليس فقط في سياسات إدارة الرئيس ترامب الحالية وحدها، وإنما في بنية النظام السياسي الأمريكي ككل، وإدارة ترامب الحالية هي مظهر من مظاهر هذا الخلل البنيوي الذي تقول كل المؤشرات أنه متجذر وعميق وليس عارضاََ وأنه نتاج تراكمي لإخفاقات سابقة ارتكبتها الإدارات المتعاقبة بدرجات متفاوتة، لكن الجديد أن إدارة ترامب الثانية وأسلوب ترامب وطريقته الجامحة في التعاطي مع الشأن الداخلي والخارجي، ستكون بمثابة القشة التي حتماً لو استمرت على ذات النهج ستقصم ظهر الدولة العظمى جرياََ على سَنَن التاريخ البعيد منه والقريب.
ولقد أدركت قيادات دول الخليج هذا الخلل من خلال سياسات إدارة ترامب تجاه قضايا المنطقة حتى من قبل الحرب، وهي سياسات ظلت تفتقد إلى البعد الاستراتيجي وتقوم على التعاطي التكتيكي مع تغليب وتقديم مصالح إسرائيل على مصالح حلفاء أمريكا الآخرين بالمنطقة، بالرغم من أن المصالح الاقتصادية المشتركة بين دول الخليج وأمريكا أكبر بكثير من تلك التي بينها وبين إسرائيل، ولكن يتم تغليب مصالح إسرائيل حتى تلك التي تتعارض مع المصالح الأمريكية، وقد أظهرت الحرب على إيران كيف أن ترامب لم يأبه بحلفائه الخليجيين كثيرًا وهم يتلقون الهجمات بسبب حربه التي لم يتشاور معهم بشأنها ولو فعل لكانت النتائج مختلفة، لذلك فإن الأصوات المنادية بمراجعة العلاقات الخليجية مع أمريكا بعد الحرب هي دعوات منطقية وضرورية بغرض أخذ الدروس والعبر، ومن ثم إعادة ضبط بوصلتها وتوجيهها صوب الوجهة الصحيحة واستصحاب قضايا المنطقة والإقليم ككل لتفادي نتائج وأثر نظرية كرة الثلج المتدحرجة من الأعلى نحو الأسفل والتي يزداد حجمها كبرا مع تدحرجها وتأخذ معها في طريقها كل ما تجده ولا أحد يستطيع إيقافها.





