أثير - محمد الدغيشي
بعد سنوات من التصريحات والدراسات، وحين بدت فكرة التلفريك العماني كأنها محكوم عليها بالتأجيل، بدأت مطرح الميناء العتيق الذي طالما كان بوابة عمان على العالم ورشة تشييد حقيقية. إذ، بلغت نسبة إنجاز مشروع ”تلفريك مطرح“ 90%، وبات التشغيل التجريبي على موعد مع ديسمبر القادم. لكن الأهم من الموعد هو السؤال الذي يطرحه المشروع على المستثمر العُماني الصغير: هل ثمة مقعد له في هذه العربة؟
لم يكن الطريق إلى هذه اللحظة مفروشًا بالورود، فمنذ 2011، أعلن عن دراسة لإنشاء تلفريك في ثلاث مناطق بما فيها الجبل الأخضر، وفي سنوات لاحقة، جرى الإعلان عن توجه مشابه، لكنها لم تر النور.
ما الذي تغير هذه المرة؟
ثماني عشرة عربة بتصميم من شركة بورش ستوديو، ومنظومة كاملة صممتها شركة سويسرية متخصصة، وثلاث محطات تمتد بين ميناء السلطان قابوس وقمة الجبل المطلة على قلعة مطرح وحديقة الريام، وصولًا إلى حديقة حي الورد. رحلة كاملة في خمس عشرة دقيقة، أو توقف في أي محطة للنزول والاستكشاف.
قمة الجبل وجهة لا ممرًا
في مشاريع التلفريك التقليدية، تكون المحطة الوسطى نقطة عبور فقط. أما في تلفريك مطرح، فقد صممت محطة قمة الجبل لتكون وجهة قائمة بذاتها فريدة بنوعها. وكشف خالد النبهاني، الرئيس التنفيذي لمجموعة ”سبعين“ المشغلة للمشروع في تصريح سابق، عن تفاصيل جعل هذه القمة فضاءً ترفيهيًا متكاملًا: مسرح مفتوح بإطلالة على منطقة الريام، ومدينة للمعالم العمانية تجمع مجسمات أيقونات العمارة الوطنية على غرار تجارب إسطنبول وروتردام وسنغافورة، إضافة إلى زحلوقة ديناميكية ومتحف رقمي تفاعلي يوثق تاريخ مطرح.
ويعكس هذا التصميم توجها واعيا، يتجاوز فكرة نقل الزائر بين نقطتين، ليهيئ له سببًا للبقاء وللعودة. وهو الدور البارز والمساهمة الفاعلة التي تقوم بها هيئة المؤسسات الصغيرة والمتوسطة.
ريادة تبحث عن شركاء: فرصة أم تحد مقنع؟
لا تصف هيئة تنمية المؤسسات الصغيرة والمتوسطة ”ريادة“ دعوتها للمنافسة على الفرص الاستثمارية في تلفريك مطرح بوصفها منحة مجانية؛ بل إنها شراكة تقوم على تقديم قيمة مضافة حقيقية. فالمؤسسات المؤهلة هي التي تمتلك نشاطًا مرخصًا وأفكارًا ابتكارية في ثمانية مجالات وهي: الأرجوحة العملاقة، والشاشات الرقمية الإعلانية، والزحلوقة الجبلية، ومشاريع الدراجات الكهربائية الجبلية، ومحلات تصنيع وبيع الحلوى العمانية، ومحلات بيع الزهور، والأكشاك والمطاعم الخارجية، ومناطق ألعاب الأطفال الداخلية.
كل المزايا المقدمة لا تقتصر على المساحة التجارية؛ بل تشمل دعما في تصميم الهوية البصرية، وتسويقا عبر قنوات المشروع والمنصات الإعلامية المرتبطة به، وجلسات استشارية في التشغيل والتسويق وتطوير الأعمال، فضلًا عن إمكانية الحصول على تمويل من ”ريادة“ يصل إلى 500 ألف ريال عماني وفق اشتراطاتها المعمول بها.
غير أن التجربة تعلم أن الفرصة وحدها لا تكفي. نجاح المؤسسة الصغيرة في بيئة سياحية كهذه يستلزم قدرة على التكيف السريع مع موسمية الحركة السياحية، وعلى الحفاظ على معايير جودة تتناسب مع مشروع يستقطب زوارا من داخل عمان وخارجها. السؤال المميز والذي يبعث روح الإيجابية والذي ينبغي أن يطرحه كل راغب في التقدم ليس ”كيف يمكنني الفوز بهذه الفرصة؟“ بل ”هل أنا مستعد لما بعد الفوز؟“
مطرح والرهان على التجديد
لمن يعرف مطرح، يدرك أن الميناء العتيق يحمل في طياته توترًا قديما بين هوية تاريخية راسخة وضغوط التجديد السياحي. سوقه المسقوف لا يزال يحتفظ بعطوره وفضياته وحركته اليومية، لكن المنافسة السياحية الإقليمية لم تعد تسمح بالاكتفاء بالموروث وحده.
تلفريك مطرح يمثل أداة هامة لإعادة تعريف المدينة في الخريطة السياحية، والتقرير السنوي لرؤية عمان 2040 يضعه ضمن المشروعات السياحية النوعية التي ”تعكس هوية سلطنة عمان وتمنح زوارها تجربة تجمع بين البحر والجبل والمدينة في مشهد واحد“.
أما الرهان الأعمق، فهو أن يثمر هذا المشروع عن بيئة اقتصادية حية تستوعب المؤسسات الصغيرة جنبًا إلى جنب مع المطاعم العالمية والعربات الفارهة. وحين تنطلق العربة الأولى فوق مطرح، لن يقاس النجاح بعدد الزوار، بل بما إذا كانت تلك العربة تحمل معها قصة اقتصادية يستحق العماني الصغير أن يكون شريكًا ناجحًا فيها.
المصادر:
مصدر الصورة: موقع تلفريك مطرح





