لماذا تصنع بعض الدول الثروة بينما تبقى أخرى فقيرة؟

فجوة الثروة بين أغنى 20% من الدول وأفقر 20% تبلغ نحو 30 ضعفًا، ويربط التحليل التنمية بالحوكمة ورأس المال البشري والتجارة والاستقرار السياسي والاستثمارات طويلة الأمد.

عن الكاتب

ناصر الحارثي
ناصر الحارثي

مهتم بقطاع الأعمال والاقتصاد والمعرفة

لماذا تصنع بعض الدول الثروة بينما تبقى أخرى فقيرة؟
لماذا تصنع بعض الدول الثروة بينما تبقى أخرى فقيرة؟
أثير- ناصر الحارثي
كل البشر يملكون 24 ساعة في اليوم مقتطع ثلها للنوم، وثلث آخر في العمل، وما بعد الثلثين هو ما تبقى لملاحقة ضروريات الحياة، لذلك فإن رهان الدول والأنظمة على تعظيم إنتاج مواطنيها له أثر محدود، وهنا يأتي السؤال الكلاسيكي ما الذي يصنع هذا الفارق الكبير في الناتج المحلي ونصيب الفرد في الدول والأمم؟
هناك العديد من الإجابات المباشرة وغير المباشرة لهذه المعضلة، بناء على الزاوية التي ينظر إليها الباحث والمنهجية أو المدرسة التي يتبناها في الإجابة على هذا السؤال. ومع انتشار العلوم والمعارف في عصر العولمة وانتشار سلاسل التوريد والإنتاج، لا تزال الفجوة كبيرة حيث أن الفروقات بين أغنى 20% من الدول وأفقر 20% تبلغ نحو 30 ضعفًا، وفقا لتقرير لجنة جائزة نوبل في الاقتصاد لعام 2024 عند منحها الجائزة لدارون أسيموغلو وسيمون جونسون وجيمس روبنسون عن أبحاثهم في دور المؤسسات في التنمية الاقتصادية.
ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن نعزي الأمر لسبب واحد، فعلى سبيل المثال يبلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي في إيرلندا حوالي 140 ألف دولار وفي اليمن 400 دولار وفقًا لتقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2025. إن هذا التباين الصارخ والفجوة الكبيرة تعكس وجود عوامل وأسباب متنوعة ويمكن تلخيصها في عدة عوامل رئيسية نرتبها حسب التأثير:
  • جودة المؤسسات وسيادة القانون: تركز الدراسات النيوليبرالية الحديثة على دور المؤسسات في تفسير حجم الفارق الهائل بين الدول، إذ يقول دوغلاس نورث الحائز على جائزة نوبل: “المؤسسات هي قواعد اللعبة في المجتمع، أو هي القيود التي يصنعها البشر وتحدد التفاعلات البشرية.” وأن المؤسسات الشاملة تعزز من الإنتاجية عبر مشاركة أكبر عدد من أفراد المجتمع، وأما المؤسسات الاستخراجية فإنها تحتكر السلطة والثروة في فئة معينة وإن كانت ديموقراطية.
  • الاستثمار في رأس المال البشري: ويقصد هنا جودة التعليم والصحة ودعم مهارات الإنتاج والابتكار، كعوامل تعزز من منظومة الإنتاج، بشرط وجود مؤسسات قوية تستثمر في هذه القدرات وتقلل الهدر عبر هجرة العقول.
  • الإنفتاح التجاري والاستقرار السياسي: يسهم في نقل المعرفة وتوسع الأسواق وإيجاد استثمارت طويلة الأمد، بشرط وجود مؤسسات قوية تستفيد منها.
  • تراكم رأس المال والبنية التحتية: إن وجود بنية تحتية متكاملة يضع الدول وأفرادها في خطوة متقدمة في سباق التنمية العالمي، إلا أن وجودها بكثافة مع مؤسسات ضعيفة يخلق أفيال بيضاء تبهر الزائر ولا يستفيد منها المواطن.
  • الجغرافيا والثقافة: تقلص كثيرًا تأثير هذين العاملين مع ظهور دولة المؤسسات وحرية التجارة، وذلك لأن وسائل النقل صارت متنوعة وأصبح بإمكان الدول الحبيسة مثل سويسرا أو البعيدة عن الامتداد الجغرافي مثل أستراليا الوصول إلى الأسواق الدولية بمختلف أدوات النقل، وكذلك فإن ثقافة الإنتاج ليست محصورة على أخلاق العمل البروستانتية كما يدعي ماكس فيبر، لأن هناك الكثير من الشعوب تغير نمط إنتاجها في فترة جيل إلى جيلين كما رأينا في شرق آسيا مثل الصين وكوريا واليابان.
إن هذه العوامل التي تحاول الإجابة على سؤال صناعة الثروة تسندها العديد من الدراسات الأكاديمية، إلا أن هناك اعتراضات لدى عدد من المفكرين والباحثين حولها والتي تركز في مجملها على ثلاثة عوامل مهمة:
  • الاستعمار: يخلق الاحتلال نمط اقتصادي تنموي مشوه عبر التركيز على استخراج الموارد وتسخير العمالة لأهدافه المؤقتة، وتدمير منظومة المؤسسات المحلية التقليدية واستبدالها بنخبة محدودة العدد مضمونة الولاء إلى حد ما.
  • نظام القطب الواحد: بعد انهيار الاتحاد السوفيتي أصبحت الدول الرأسمالية تتفنن في استخدام أدوات تعزز من هيمنتها مثل العقوبات والقيود الاقتصادية والتعرفة الجمركية والملكية الفكرية، بالإضافة إلى شروط الاقتراض عبر الصندوق الدولي.
  • سيادة الاقتصاد النيوكلاسيكي: تحول الاقتصاد من علم سياسي اجتماعي إلى علم الإدارة والهندسة الاقتصادية، وبالتالي انتقل من الأسئلة الكبرى كعلاقة السلطة بالثروة والعدالة في التوزيع، إلى علم رياضي يركز على أفضل الطرق في إدارة الموارد النادرة، مما يعني أن إجابات الاقتصاديين ترتكز على العوامل الداخلية في إدارة الثروات للدول أكثر من العوامل الخارجية.
في الختام أود الإشارة إلى أن الاتجاهات الاقتصادية الحديثة أصبحت تضع سيادة القانون كأقوى متنبئ للدخل متجاوزًا بذلك الحرية الاقتصادية، وأن المؤسسات التي تتمتع بحوكمة عالية تتجاوز في نجاحاتها المؤسسات التي تركز على رأس المال البشري والبنية التحتية في تحقيق العوائد لأن الحوكمة تضمن الاستدامة الاقتصادية.

شارك هذا الخبر