أثير – ريما الشيخ
يبدو استخدام الذكاء الاصطناعي بسيطًا إلى حد الخداع، فالسؤال يكتب على الشاشة، وإجابة تظهر خلال ثوانٍ، وصورة تصنع من أمر قصير، ونص يلخص أو يترجم في لحظة. لا يرى المستخدم خلف ذلك سوى خدمة رقمية سريعة، كأنها تعمل في فضاء بلا كلفة.
لكن في مكان ما، بعيدًا عن شاشة المستخدم، تعمل خوادم ضخمة على مدار الساعة، ترتفع حرارتها مع كل عملية حسابية، وتحتاج إلى تبريد مستمر، وتستهلك كهرباء، وتعتمد على رقائق صنعت في مصانع تحتاج إلى مياه فائقة النقاء، هكذا تتحول الإجابة السريعة التي تبدو بلا وزن إلى جزء من بنية مادية كاملة لها أثر على الطاقة والمياه.
هنا تظهر المفارقة: الذكاء الاصطناعي الذي يقدم بوصفه أداة لحل أزمات المناخ والمياه، قد يضيف هو نفسه ضغطًا جديدًا على مورد يزداد ندرة. لذلك لا يكفي أن نسأل: ماذا يستطيع الذكاء الاصطناعي أن يفعل؟ بل : ما الثمن المائي لتشغيله؟ ومن يدفع هذه الكلفة عندما تنتقل الخوارزميات من الاستخدام المحدود إلى البنية اليومية للاقتصاد والتعليم والإعلام والخدمات؟
أين يذهب الماء؟
الذكاء الاصطناعي لا يستهلك الماء مباشرة، لكن البنية التي تشغله تفعل، فالخوادم التي تنفذ ملايين العمليات الحسابية تنتج حرارة عالية، وتحتاج إلى تبريد مستمر حتى تعمل بكفاءة.
يمكن النظر إلى البصمة المائية للذكاء الاصطناعي عبر ثلاث حلقات مترابطة:
الأولى
هي الماء المستخدم داخل مراكز البيانات للتبريد، خصوصًا في الأنظمة التي تعتمد على أبراج التبريد أو التبريد التبخيري.
الثانية
هي الماء غير المباشر المرتبط بتوليد الكهرباء، لأن بعض محطات الطاقة تحتاج إلى المياه في عمليات التبريد والتشغيل.
الثالثة
فتبدأ قبل تشغيل النموذج نفسه، في مصانع أشباه الموصلات التي تستخدم المياه فائقة النقاء لتنظيف رقائق السيليكون خلال مراحل التصنيع الدقيقة.
وهذا يعني أن أثر الذكاء الاصطناعي على المياه لا يبدأ عند سؤال المستخدم فقط، ولا ينتهي عند ظهور الإجابة. إنه يمتد من مصنع الرقائق، إلى مركز البيانات، إلى شبكة الكهرباء، ثم إلى الشاشة التي تبدو أمامنا بلا أثر مادي واضح.
الطلب الصغير حين يصبح عبئًا كبيرًا
المشكلة تبدأ عندما يتحول الاستخدام الفردي إلى سلوك عالمي متكرر: ملايين الأسئلة، وتوليد الصور، وتشغيل روبوتات المحادثة داخل الشركات والمدارس والجهات الحكومية، ومعالجة كميات ضخمة من البيانات يوميًا، فالتكرار لملايين المرات، يتحول إلى حمل كبير على الخوادم، وكل حمل إضافي يعني طاقة أكبر، وتبريدًا أكثر، وبنية تحتية أوسع. لذلك لم يعد الأثر البيئي للذكاء الاصطناعي مرتبطًا بالكهرباء والانبعاثات فقط، بل دخل الماء إلى المعادلة بوصفه موردًا صامتًا خلف كل عملية رقمية.
ولهذا تصبح المفارقة أكثر وضوحًا: التقنية التي تساعد على كشف التسربات وتحسين إدارة المياه والتنبؤ بالجفاف، تحتاج هي نفسها إلى ماء كي تعمل، وبقدر ما يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكون جزءًا من الحل، يمكن أن يتحول إلى جزء من المشكلة إذا توسع دون معايير واضحة للموقع والتبريد والإفصاح.
أرقام تفتح السؤال
تشير تقديرات حديثة إلى أن مراكز البيانات المدفوعة بالذكاء الاصطناعي قد ترفع استهلاك المياه السنوي للتبريد وتوليد الكهرباء إلى نحو 1,068 مليار لتر بحلول عام 2028 في سيناريو أساسي، كما قدّرت دراسة بحثية أن تدريب نموذج ضخم مثل GPT-3 في مراكز بيانات أمريكية متقدمة قد يؤدي مباشرة إلى تبخر نحو 700 ألف لتر من المياه العذبة.
هذه الأرقام لا تعني أن كل استخدام للذكاء الاصطناعي يستهلك الكمية نفسها، لأن الأمر يعتمد على موقع مركز البيانات، ونوع التبريد، ومصدر الكهرباء، وحجم النموذج المستخدم، لكنها تكشف الاتجاه العام: كلما زادت النماذج حجمًا، وزاد استخدامها يوميًا، أصبح الماء جزءًا من فاتورة الذكاء الاصطناعي.
والأهم أن أثر هذه المياه لا يتوزع بالتساوي، فمركز بيانات في منطقة باردة أو غنية بالمياه لا يشبه مركزًا في منطقة حارة أو تعاني من إجهاد مائي، هنا يصبح الموقع قرارًا بيئيًا لا مجرد خيار استثماري أو تقني.
شركات التقنية تحت الضغط
تدرك شركات التكنولوجيا الكبرى أن ملف المياه لم يعد تفصيلًا ثانويًا؛ فعلى سبيل المثال، أعلنت مايكروسوفت تصميمًا جديدًا لمراكز بيانات مخصصة لأعباء الذكاء الاصطناعي، يستهلك صفر مياه للتبريد أثناء التشغيل، بما يقلل الحاجة إلى استخدام أكثر من 125 مليون لتر من المياه سنويًا لكل مركز بيانات.
هذا الإعلان يكشف حجم التحول، فلو لم يكن استهلاك الماء تحديًا حقيقيًا، لما أصبح تقليل الماء عنوانًا في تصميم مراكز البيانات الجديدة. فالشركة لا تتحدث هنا عن تحسين بسيط في الكفاءة، بل عن تغيير في طريقة التبريد نفسها حتى لا يتحول تشغيل الذكاء الاصطناعي إلى عبء مائي مباشر.
أما جوجل، فتتحدث في تقاريرها البيئية عن مشاريع لتعويض المياه، وأعلنت أن مشاريعها في عام 2025 أعادت أو عوضت نحو 7.7 مليار جالون من المياه، بما يعادل نحو 78% من استهلاكها للمياه العذبة في ذلك العام.
لكن هذه الإعلانات لا تنهي الجدل، فالتعويض لا يعني دائمًا أن المياه عادت إلى المجتمع المحلي نفسه أو في الوقت نفسه، لذلك يصبح السؤال الأهم: من أين تسحب المياه؟ وكم يستهلك مركز البيانات فعليًا؟ وهل يقع في منطقة تعاني أصلًا من شح أو ضغط مائي؟
لماذا يهم ذلك سلطنة عُمان والخليج؟
في دول الخليج، لا يبدو هذا السؤال بعيدًا، فالمنطقة حارة وجافة، وتعتمد بدرجات كبيرة على التحلية وإدارة دقيقة للموارد المائية، وفي الوقت نفسه، تتجه دول الخليج بسرعة نحو الاقتصاد الرقمي، ومراكز البيانات، والذكاء الاصطناعي.
وفي سلطنة عُمان، يكتسب الموضوع أهمية إضافية مع التوسع في التحول الرقمي، وإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط، هذا التوجه يحمل فرصًا اقتصادية وتقنية، لكنه يضع سؤال الماء والطاقة في قلب التخطيط: كيف يمكن بناء بنية رقمية متقدمة في بيئة تحتاج أصلًا إلى كل لتر ماء؟
وتزداد حساسية السؤال عندما نربطه بالتحلية، فجزء كبير من مياه الشرب في عُمان ودول خليجية أخرى يأتي من محطات التحلية، والتحلية نفسها تحتاج إلى طاقة وبنية تحتية وكلفة تشغيلية، لذلك فإن أي ضغط إضافي على المياه لا يعني ماءً فقط، بل يعني طاقة أيضًا، وقد يعني ضغطًا أكبر على منظومة مترابطة من الكهرباء والتحلية والتبريد.
فإذا كان مركز البيانات يحتاج إلى تبريد أعلى في المناطق الحارة، وإذا كانت المياه العذبة محدودة أو محلاة بكلفة طاقة مرتفعة، فإن قرار بناء البنية الرقمية لا يعود تقنيًا فقط، بل يصبح قرارًا مائيًا واقتصاديًا أيضًا.
ماذا يعني ذلك للمواطن وصانع القرار؟
بالنسبة للمواطن، لا يظهر أثر الذكاء الاصطناعي في فاتورة الماء مباشرة، فهو لا يرى مركز البيانات، ولا يعرف أين يعمل النموذج الذي استخدمه، ولا كمية التبريد التي احتاج إليها، لكن الأثر قد يظهر لاحقًا في ضغط أكبر على الطاقة والتحلية والبنية التحتية،
خصوصًا إذا توسعت مراكز البيانات دون معايير واضحة للترخيص والإفصاح.
أما صانع القرار، فالمعادلة أكثر حساسية، فالمطلوب ليس إيقاف الذكاء الاصطناعي، بل منع تحوله إلى مستهلك صامت للمياه. وهذا يتطلب أن تُعامل مراكز البيانات مثل أي مشروع صناعي مؤثر: تُدرس مواقعها، ومصادر مياهها، ونوع التبريد، وأثرها على الشبكة الكهربائية، ومدى اعتمادها على مياه معالجة أو معاد تدويرها بدل المياه العذبة.
هذه الأسئلة ليست تقنية فقط، بل سياسية واقتصادية؛ لأنها تتعلق بتوزيع الكلفة بين الابتكار والموارد العامة.
الحل ليس رفض التقنية
يمكن للذكاء الاصطناعي أن يساعد في إدارة المياه، ورصد التسربات، وتحسين كفاءة التحلية، والتنبؤ بالجفاف، وتنظيم استهلاك الطاقة. لكنه لا يكون جزءًا من الحل إذا تجاهل كلفته الخاصة.
لذلك تبدأ المعالجة من الشفافية. يجب أن تفصح الشركات عن استهلاك المياه كما تفصح عن استهلاك الكهرباء والانبعاثات، ويجب أن تكون بيانات مراكز البيانات محلية ومحددة، لا أرقامًا عامة في تقارير عالمية؛ لأن استهلاك الماء في منطقة جافة ليس كاستهلاكه في منطقة ذات موارد مائية أوسع.
كما يمكن تقليل الأثر عبر استخدام أنظمة التبريد المغلقة أو الجافة، والاعتماد على المياه المعالجة، واختيار مواقع أقل إجهادًا مائيًا، وربط التراخيص بتقييم أثر مائي واضح، وتطوير نماذج أصغر وأكثر كفاءة بدل استخدام نماذج ضخمة لكل مهمة.
وفي البيئات الحارة والجافة، ينبغي ألا تقاس جدوى مراكز البيانات بحجم الاستثمار فقط، بل أيضًا بكلفة الماء والطاقة، وبقدرتها على العمل دون منافسة الاستخدامات الأساسية للمياه.
اختبار الحقيقة
الذكاء الاصطناعي لا يبدو عطشانًا على الشاشة، لكنه قد يكون كذلك في الواقع، خلف كل إجابة رقمية مركز بيانات، وخلف كل مركز بيانات طاقة وتبريد، وخلف كل شريحة إلكترونية مصانع تستخدم ماءً فائق النقاء.
فالختام يمكن القول أن الذكاء الاصطناعي لن يكون مستدامًا لأنه ذكي فقط، بل عندما تحسب كلفته كاملة: الكهرباء، والانبعاثات، والمياه، ومكان التشغيل، وأثره على المجتمعات التي تستضيف بنيته التحتية.
لذلك، فإن السؤال الأهم اليوم ليس هل نستخدم الذكاء الاصطناعي أم لا، بل هل نستطيع بناء ذكاء اصطناعي لا يستنزف الماء بصمت؟ فالمستقبل الرقمي لن يكون مستدامًا إذا ظل يستهلك موردًا أساسيًا مثل الماء من دون أن يظهر أثره في الصورة.
المصادر:
- وكالة البيئة الأوروبية – الذكاء الاصطناعي والاستهلاك المستدام.
- University of California, Riverside – Making AI Less Thirsty.
- Microsoft – تقنيات تبريد مراكز البيانات دون استهلاك مياه تشغيلية.
- Google – التقرير البيئي وبرامج تعويض المياه.
- المرسوم السلطاني 50/2026 بإنشاء منطقة الذكاء الاصطناعي الخاصة في محافظة مسقط.
- تقارير حديثة حول اعتماد دول الخليج على التحلية.
- دراسات وتقارير حول استهلاك المياه في صناعة أشباه الموصلات ومراكز البيانات.






