أثير – ريما الشيخ
لم تعد منصات التواصل الاجتماعي مجرد مساحة للترفيه أو التواصل، بل أصبحت جزءًا من حياتنا اليومية، ووسيلة يصنع من خلالها البعض شهرتهم عبر البث المباشر والمقاطع القصيرة والتفاعل المستمر مع الجمهور، ومع هذا الانتشار، يبرز سؤال مهم: إلى أي مدى يمكن أن تمتد حرية التعبير؟ ومتى تبدأ مسؤولية صاحب المحتوى أمام المجتمع والقانون؟
في سلطنة عُمان، لا يمكن فصل هذا النقاش عن القيم التي يقوم عليها المجتمع العماني، مثل احترام الذوق العام، وصون الكلمة، وحفظ خصوصية الآخرين، خصوصًا عندما تتحول الشهرة أو الرغبة في كسب المال إلى سبب لتقديم محتوى مسيء أو لا ينسجم مع الأخلاق والعادات.
وما نشاهده أحيانًا في بعض بثوث ”تيك توك“ وغيرها من المنصات لم يعد مجرد تصرف فردي يمر وينتهي، فهذه المنصات يشاهدها الصغار والكبار، وقد تنتشر فيها مقاطع خلال دقائق لتصل إلى آلاف الأشخاص، وهو ما يجعل تأثيرها أبعد من حدود الحساب الشخصي لصاحبها.
ألفاظ وتصرفات لا تشبه المجتمع
في بعض البثوث المباشرة، لا يقتصر المحتوى على الحديث العفوي أو الترفيه، بل يصل أحيانًا إلى ألفاظ غير لائقة ومشادات وإيحاءات وتصرفات هدفها لفت الانتباه وزيادة المشاهدات، وهذا النوع من المحتوى لا يقتصر على فئة معينة، بل يظهر لدى بعض الشباب والفتيات على حد سواء.
ولا يمكن اعتبار هذه البثوث ممثلة لأخلاق المجتمع العماني أو عاداته، لكنها مع كثرة تداولها قد تعطي صورة غير صحيحة، خصوصًا عندما يشاهدها الأطفال والمراهقون بصورة متكررة، وقد يتعامل بعضهم معها على أنها أسلوب طبيعي للظهور أو الوصول إلى الشهرة.
المشكلة هنا ليست في المنصة نفسها، وإنما في الطريقة التي يستخدمها بها البعض، حين يتحول البث إلى مساحة للإساءة أو الإسفاف أو تجاوز الذوق العام من أجل جذب المتابعين.
كما أن للجانب المادي دورًا في بعض هذه البثوث، إذ يستطيع المشاهدون إرسال هدايا رقمية لصاحب البث، وهو ما قد يشجع البعض على زيادة الإثارة أو الدخول في مشادات وتصرفات لافتة، بهدف إبقاء الجمهور لأطول وقت ممكن وزيادة التفاعل والهدايا.
تيك توك في سلطنة عُمان.. أرقام لافتة
بحسب تقرير DataReportal لعام 2026م تشير بيانات أدوات الإعلانات في تيك توك إلى أن المنصة كان لديها نحو 2.73 مليون مستخدم من عمر 18 عامًا فأكثر في سلطنة عُمان في أواخر عام 2025م.
كما أوضح التقرير أن إعلانات تيك توك تصل لـ 68.4% من البالغين في سلطنة عُمان، و51.7% من مستخدمي الإنترنت، مع التنبيه إلى أن هذه الأرقام تعكس الوصول الإعلاني وليست بالضرورة عدد المستخدمين النشطين شهريًا.
وتشير البيانات نفسها إلى أن الجمهور الإعلاني البالغ كان يتوزع بنسبة 34.9% للإناث و65.1% للذكور، وأن الوصول الإعلاني المحتمل زاد بمقدار 805 آلاف بين نهاية 2024 وأواخر 2025.
ماذا تقول الدراسات العالمية؟
أشار تقرير لمنظمة الصحة العالمية في أوروبا لعام 2024م إلى ارتفاع الاستخدام الإشكالي لوسائل التواصل الاجتماعي بين المراهقين من 7% عام 2018 إلى 11% عام 2022، بناءً على دراسة شملت نحو 280 ألف شاب وشابة في 44 دولة ومنطقة.
وتعرف المنظمة الاستخدام الإشكالي بأنه نمط يشبه أعراض الإدمان، مثل صعوبة السيطرة على الاستخدام وإهمال أنشطة أخرى وظهور آثار سلبية في الحياة اليومية.
وفي مراجعة علمية تناولت أثر تيك توك على الصحة النفسية للمراهقين، شملت 20 دراسة و 17,336 مشاركًا من 10 دول، خلصت إلى أن المنصة قد توفر فرصًا للتعبير والتواصل، لكنها تثير مخاوف تتعلق بالاستخدام الإشكالي، وصورة الجسد، وتقدير الذات، وبعض الأعراض المرتبطة بالصحة النفسية.
وهذا لا يعني أن كل استخدام لتيك توك ضار، لكنه يؤكد الحاجة إلى وعي أكبر، خصوصًا لدى الأطفال والمراهقين والشباب.
هل يجب حظر تيك توك؟
يظهر هذا السؤال كلما تصاعد الجدل حول محتواه، لكن الحظر الكامل ليس بالضرورة الحل الأول أو الأكثر فاعلية، لأن المشكلة لا تتعلق بتطبيق واحد فقط، بل بثقافة استخدام رقمية قد تنتقل إلى منصة أخرى.
وقد حذرت اليونيسف في ديسمبر 2025 من أن القيود العمرية أو الحظر وحدهما لا يكفيان لحماية الأطفال، وقد يدفعانهم إلى منصات أقل تنظيمًا. وأكدت أهمية التصميم الآمن والتثقيف الرقمي للأسر.
إذًا، كيف نضبط المحتوى المخالف؟ وكيف نفعّل البلاغات والمساءلة؟ وكيف نحمي القصر؟ وكيف نضمن أن من يحول حسابه إلى نشاط إعلامي أو تجاري مؤثر يعمل ضمن الضوابط القانونية؟
قد يكون الحظر خيارًا استثنائيًا، لكن المعالجة الأقوى تبدأ من تطبيق القانون على المحتوى المخالف وتنظيم الحسابات المؤثرة ورفع الوعي الأسري.
القانون حاضر في الفضاء الرقمي
صدر قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الجديد بالمرسوم السلطاني رقم 61/2026، ليحل محل القانون السابق الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 12/2011، ومن أبرز ما يتصل بهذا الموضوع أن المادة 20 تعاقب كل من استخدم موقعًا إلكترونيًا أو نظامًا معلوماتيًا أو وسيلة تقنية معلومات في إنتاج أو تخزين أو بث أو إرسال أو نشر أو إعادة نشر ما من شأنه الإخلال بالنظام العام أو الآداب العامة، أو الشائعات والمعلومات المضللة.
كما يتناول القانون أفعالًا أخرى قد تظهر في بعض البثوث أو المقاطع، مثل الاعتداء على حرمة الحياة الخاصة أو العائلية من خلال التسجيل أو النقل أو البث أو الإفشاء، أو السب والقذف عبر وسائل تقنية المعلومات.
وبذلك، فإن البث المباشر ليس مساحة خارج القانون، فما يقال أو يعرض أمام الجمهور قد ينتج مسؤولية قانونية إذا تجاوز حدود النقد أو الترفيه إلى الإساءة أو انتهاك الخصوصية أو الإخلال بالآداب العامة.
وماذا عن قانون الإعلام؟
يجب التمييز بين الاستخدام الشخصي العادي لمنصات التواصل، وبين ممارسة نشاط إعلامي أو احترافي منظم، فالأول يبقى خاضعًا للمسؤولية العامة عند المخالفة، أما الثاني فقد يدخل ضمن نطاق الترخيص والتنظيم وفق قانون الإعلام ولائحته التنفيذية.
صدر قانون الإعلام بالمرسوم السلطاني رقم 58/2024، الذي يشمل النشر أو البث عبر وسائل الإعلام السمعي أو المرئي أو الإلكتروني وغيرها من الوسائل التي تصل إلى الجمهور.
كما صدرت اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام بالقرار الوزاري رقم 165/2025، وتضمنت تنظيمًا للأنشطة الإعلامية عبر منصات التواصل الاجتماعي، ومن بينها نشاط صانع المحتوى الإلكتروني والناشط في مواقع التواصل الاجتماعي.
البلاغ بدل التداول
من الأخطاء التي تتكرر مع المحتوى المثير للجدل أن يتحول انتقاده إلى سبب في انتشاره أكثر، فإعادة نشر المقطع، حتى بهدف الاعتراض عليه، قد تمنحه مشاهدات إضافية وتوسع دائرة وصوله، وقد تترتب على ذلك مسؤولية إذا كان يتضمن إساءة أو انتهاكًا أو محتوى مخالفًا.
ولهذا، فإن التعامل الأفضل مع هذا النوع من المحتوى هو عدم إعادة تداوله، واستخدام أدوات الإبلاغ الموجودة داخل المنصة، وإذا كان المحتوى يتضمن ما قد يشكل جريمة، فيمكن تقديم شكوى جزائية إلكترونيًا عبر خدمات الادعاء العام، أو التوجه إلى أحد مراكز شرطة عُمان السلطانية.
فليس كل محتوى مستفز يحتاج إلى مزيد من التداول، وأحيانًا يكون تجاهله والإبلاغ عنه أكثر تأثيرًا من إعادة نشره والتعليق عليه.
وهنا تصبح المسؤولية مشتركة، على صانع المحتوى أن يعرف حدود ما ينشره، وعلى المتابع ألا يكافئ المحتوى الهابط بالمشاهدة والتداول، فيما يبقى القانون حاضرًا عندما يتجاوز الأمر حدود الذوق إلى المخالفة.
المصادر:
- DataReportal – Digital 2026: Oman
- منظمة الصحة العالمية – تقرير 2024 حول المراهقين والشاشات والصحة النفسية
- مراجعة علمية منشورة حول تيك توك والصحة النفسية للمراهقين
- اليونيسف – القيود العمرية وحدها لا تكفي لحماية الأطفال على الإنترنت
- قانون مكافحة جرائم تقنية المعلومات الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 61/2026
- قانون الإعلام الصادر بالمرسوم السلطاني رقم 58/2024
- اللائحة التنفيذية لقانون الإعلام الصادرة بالقرار الوزاري رقم 165/2025






