رصد- أثير
تفرض الانتخابات الداخلية في كل من أمريكا وإسرائيل أجندتها على سياسة كل من البلدين، فتصبح الأزمات الدولية صدى لتلك الحسابات الداخلية حتى أن هناك قاعدة باتت من المسلمات في السياسة الدولية أنه في إسرائيل لا توجد سياسة خارجية وإنما فقط سياسة داخلية، ويبدو اليوم أن حسابات السياسة الداخلية في كل من أمريكا وإسرائيل تدفع ترامب ونتنياهو باتجاهين متعاكسين.
ناقشت صحيفة واشنطن بوست هذه المسألة في مقالٍ لها “رصدته أثير”، جاء فيه، حين يتباهى نتنياهو باستعداده لتحدي الولايات المتحدة بشأن غزة، يحتاج الرئيس الأمريكي إلى إظهار تقدم في التعقيدات الخارجية التي تؤثر سلباً على معدلات تأييده.
من يحتاج الآخر للبقاء؟
وجه نتنياهو، على غير العادة، توبيخاً علنياً وصريحاً للبيت الأبيض، رافضاً خطة وافقت عليها الولايات المتحدة لتنفيذ المرحلة التالية من مقترح ترامب للسلام في غزة.
وفي حديثه يوم الأحد خلال الاجتماع الحكومي، قدم نتنياهو نفسه على أنه شخص قادر على قول “لا” للرئيس الأمريكي. وقال إن العملية غير مقبولة، ولن يكون هناك انسحاب إسرائيلي حتى يتم تسليم كل سلاح ونفق لحماس أولاً. وقال نتنياهو: “نستطيع ونعرف كيف نقف بثبات على موقفنا، حتى في مواجهة أفضل أصدقائنا عند الضرورة”.
بينما يواجه ترامب، الذي أشاد بإطار نزع السلاح ووصفه بأنه اختراق تاريخي، ضغوطاً سياسية متزايدة لإظهار تقدم في ظل تزايد الاستياء العام من إدارته للشؤون الدولية، بما في ذلك الحرب مع إيران التي تزداد شعبيتها بالتراجع. يبدو أن ترامب يحتاج إلى إظهار إنجازات قبل انتخابات التجديد النصفي، لا سيما في ظل غياب التقدم مع إيران وأوكرانيا“.
يمثل هذا الخلاف عرضاً علنياً غير معتاد للتوترات التي كانت تعتمل منذ فترة طويلة بين إسرائيل والولايات المتحدة بشأن مستقبل غزة، ومؤخراً، الحرب في إيران.
وقال آرون ديفيد ميلر، الذي عمل مفاوضاً لشؤون الشرق الأوسط خلال عدة إدارات ديمقراطية وجمهورية ويعمل حالياً في مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي، إنه لم ير قط العلاقات الأمريكية الإسرائيلية “تحت ضغط أكبر” من هذا، حيث يلعب كلاهما على وتر ناخبيهما في الداخل. لكنه أضاف أن ترامب ونتنياهو هما “سياسيان بارعان جداً في فن الخداع، ولا يزالان بحاجة إلى بعضهما البعض ونتنياهو بالتأكيد يحتاج إلى ترامب أكثر”.
هل يخفي الأداء الاستعراضي تصدع جدار التحالف؟
لم يرد البيت الأبيض علناً على تصريحات نتنياهو يوم الأحد. وقال مسؤول أمريكي، تحدث شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشته أموراً حساسة، إن ترامب “يتمتع بعلاقة قوية” مع نتنياهو، مضيفاً أن إسرائيل “كانت دائماً حليفاً رائعاً للولايات المتحدة”.
وأوضح المسؤول أن “خارطة الطريق هي بين مجلس السلام (Board of Peace) وحركة حماس، والمناقشات مع إسرائيل مستمرة”. وأضاف: “لا يُطلب من إسرائيل الاعتماد على الثقة أو اتخاذ خطوات لا رجعة فيها قبل اتخاذ خطوات تم التحقق منها على الأرض. لا يزال الهدف هو نزع السلاح بالكامل وضمان ألا تشكل غزة مرة أخرى نوع التهديد الذي واجهته إسرائيل في 7 أكتوبر”، عندما خلف هجوم لحماس أكثر من 1200 قتيل إسرائيلي واقتياد العشرات إلى داخل غزة كرهائن، على حد قوله.
وأضاف برايان كاتوليس، الذي شغل عدداً من المناصب الحكومية في الدفاع والسياسة الخارجية ويعمل الآن في معهد الشرق الأوسط: “كلا الزعيمين من الشخصيات المتلونة المتعطشة للسلطة التي ترغب في البقاء في الحكم، وأعتقد أنهما سيتأقلمان وفقاً للظروف”.
كما وصف السفير الأمريكي السابق لدى إسرائيل توم نايدز الوضع الحالي في المنطقة بأنه لا يزال في مرحلة ما أسماه “الأداء الاستعراضي “، والذي لم يؤثر بعد على أساسيات العلاقات الأمريكية الإسرائيلية. لكن ممكن لهذا الوضع أن يتغير، حيث تظهر بوادر التوتر في العلاقة، بشأن غزة وحرب إيران.
ماذا يفعل الضغط الشعبي والاقتصادي في دهاليز السياسة
في مكالمة هاتفية تخللتها ألفاظ نابية يوم 1 يونيو مع نتنياهو، أوردها موقع أكسيوس وأكدها ترامب لاحقاً، وصف ترامب رئيس الوزراء بأنه “مجنون” وانتقد الضربات العسكرية الإسرائيلية في لبنان باعتبارها تهديداً للمفاوضات مع طهران. وقال ترامب عن نتنياهو في مكالمة أخرى مع هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): “إذا طلبت منه أن يفعل شيئاً، فإنه يفعله”.
وقد ضغط نتنياهو على ترامب لتوسيع الهجمات ضد إيران، لكن “ترامب أخبره، إنها لم تعد حربك بعد الآن”، بحسب ما قاله ميلر. وأضاف: “أعتقد أن ترامب قد اكتفى الآن باستراتيجية اقتصادية، والتي إن استمرت ستة أو ثمانية أشهر، فربما تحطم الاقتصاد الإيراني”.
ومع انخفاض مستوى التأييد المحلي لترامب وتزايد خيبة أمل الجمهور الأمريكي تجاه إسرائيل، أصبحت الحكومات العربية الحليفة أكثر تشككاً في براعة الرئيس في السياسة الخارجية. فهناك انطباع في جميع أنحاء الشرق الأوسط، بأن ترامب لا يستطيع في الواقع إنجاز الأمور، ويرجع ذلك جزئياً إلى السمة التي يفتخر بها وهي عدم القدرة على التنبؤ بمواقفه.
ويرغب العديد من ناخبي ترامب في رؤيته يتبع أجندة “أمريكا أولاً” في الخارج، ويشعرون بالاستياء من أنه بدأ صراعاً في إيران بعد ترشحه بوعود إبقاء الولايات المتحدة خارج الحروب الأجنبية، وقال برنت بوكانان، رئيس ومؤسس شركة الاستطلاعات الجمهورية “سيجنال”: “لا يكاد يوجد أحد في أمريكا يريد منا أن نوجه طاقتنا نحو القضايا الخارجية في الوقت الحالي”، مضيفاً أن الناخبين مهتمون أكثر بكثير بالقدرة على تحمل التكاليف المعيشية والاقتصاد.
حسابات النجاة لنتنياهو قبل معركة الكنيست
ينظر العديد من الإسرائيليين إلى انتخابات أكتوبر، وهي الأولى منذ الهجوم الذي قادته حماس عام 2023، كلحظة محورية. وإذا كانت نتائج الانتخابات تعكس استطلاعات الرأي الأخيرة في وسائل الإعلام الإسرائيلية أو تفاقمت بالنسبة لنتنياهو، فلن يكون قادراً على تشكيل الائتلاف القادم. ولا يزال العديد من الناخبين الإسرائيليين غاضبين من تهرب نتنياهو من قبول المسؤولية الشخصية الكاملة عن هجوم حماس، وسعيه لإبعاد نفسه عن الفشل العسكري في منع الهجوم. ويهدد منافسوه الرئيسيون، بمن فيهم رئيس الأركان السابق غادي آيزنكوت ورئيس الوزراء السابق نفتالي بينيت، قبضته على السلطة. وتظهر استطلاعات الرأي أن أحزاب المعارضة لديها فرصة أقوى لجمع 61 مقعداً اللازمة للسيطرة على الكنيست المكون من 120 مقعداً.
يواجه نتنياهو ضغوطاً شديدة من اليمين المتطرف في ائتلافه. فمباشرة بعد إشادة ترامب بالخطة الجديدة لغزة، هاجمها العديد من الوزراء البارزين في حكومة نتنياهو. وفي رسالة موجهة إلى رئيس الوزراء، وصف وزير المالية بتسلئيل سموتريتش الخطة بأنها “خطيرة على إسرائيل”، قائلاً إن نزع السلاح الكامل من حماس يجب أن يتحقق قبل أي انسحاب إسرائيلي من القطاع.
وقالت جايل تالشير، أستاذة العلوم السياسية في الجامعة العبرية: “الشخص الذي يرسم سياسة نتنياهو فعلياً هو سموتريتش والمشرعون المستوطنون من اليمين المتطرف”. وأضافت: “نتنياهو ممزق بين الوعود التي قطعها لترامب وسياسة اليمين المتطرف، الذي يرفض الانسحاب ولو إلى الخط الأصفر”، وهو الخط الفاصل بين القوات الإسرائيلية المحتلة والأراضي الخاضعة لسيطرة حماس في غزة.
ويقدّر ميلشتاين، وهو أيضاً مستشار سابق للجيش الإسرائيلي للشؤون الفلسطينية، أن الانسحاب إلى “الخط الأصفر” الأصلي والبدء في إعادة إعمار غزة يمكن أن يبدأ دون النزع الكامل لسلاح حماس. وقال: “ هذه المرة بدأ صبر ترامب ينفذ... حيث تحتفظ إسرائيل بالخط الأصفر، وتستمر في الضربات، وتفشل في التقدم" إلى المرحلة التالية من اتفاق السلام. “سيحاول نتنياهو إقناع ترامب بمناقشة الانسحاب فقط بعد الانتخابات. والسؤال الرئيسي هو ما إذا كان ترامب سيوافق على ذلك”.




