رصد- أثير
نشرت صحيفة واشنطن بوست تقرير حصري يكشف عن تقييم داخلي يجريه البنتاغون لإعادة النظر في حجم وانتشار القوات الأميركية في الخليج بعد انتهاء حرب إيران. وبينت الصحيفة في التقرير الذي رصدته “أثير” أن هذا التقييم لا يعتبر مراجعة رسمية من قبل وزارة الدفاع لكنه يساعد في البت بمسألة ما إذا كان سيتم إعادة بناء القواعد التي دمرتها الضربات الإيرانية، وذلك وفقاً لأشخاص مطلعين على الأمر. ويُقيّم البنتاغون بصمته العسكرية في الشرق الأوسط في دلالة مبكرة على إمكانية أن تؤدي حرب إيران إلى إحداث تحول في الوجود الأمريكي في المنطقة، وفقاً لثمانية أشخاص، تحدثوا إلى صحيفة واشنطن بوست من بينهم مسؤولون وآخرون مطلعون على الأمر.
إعادة تموضع أميركي محتملة في الخليج
من بين المجالات الرئيسية التي تقيّمها وزارة الدفاع الأمريكية هي ما إذا كانت ستسحب قواتها من منطقة الخليج، وقد أتاحت الأضرار التي لحقت بهذه المرافق فرصة نادرة للبنتاغون، لا تتكرر إلا مرة كل جيل، لإعادة النظر في وجوده في المنطقة. وقد أشارت وزارة الدفاع بالفعل إلى أنها قد لا تعيد بناء قواعدها كما كانت عليه قبل الصراع. ويقود هذا التقييم مكتب السياسات في البنتاغون، على الرغم من أن مسؤولاً كبيراً في وزارة الدفاع، تحدث كغيره شريطة عدم الكشف عن هويته لمناقشة هذا التحليل الحساس، قال إن هيئة الأركان المشتركة والقيادة المركزية الأمريكية تدرسان أيضاً هذه المسألة.
وقال المسؤول إن وزير الدفاع بيت هيغسيث لم يأمر بعد بإجراء مراجعة رسمية للوضع الأمريكي في المنطقة. وبدلاً من ذلك، وصف المسؤول التحليل بأنه “تخطيط حذر” يمكن أن يوجه في النهاية كيفية تعامل الإدارة مع مسألة إعادة بناء القواعد المتضررة خلال الحرب.
وتنشر القيادة المركزية الأمريكية، التي تدير العمليات العسكرية الأمريكية في الشرق الأوسط، عادةً حوالي 40 ألف جندي في نحو 20 موقعاً ضمن قوس يمتد لمسافة 1500 ميل بحسب الصحيفة.
وقال أشخاص مطلعون على تحليل البنتاغون إن هذه المسألة من المرجح أن تزيد من حدة النقاش بين المعسكرات داخل الإدارة التي تدعم التدخلات العسكرية وأخرى تجادل بأن على البنتاغون تقليص بعض التزاماته الأمنية لإعادة التركيز على الدفاع عن الوطن الأمريكي أو ردع خصوم أكثر قوة، مثل الصين. وقال مسؤول أمريكي إن المناقشات شملت أيضاً الأدميرال برادلي كوبر، قائد القيادة المركزية الأمريكية، الذي يدعم المداولات حول إمكانية نقل القوات الأمريكية غرباً بعيداً عن الخليج.
وأشارت الصحيفة إلى رفض متحدث باسم القيادة المركزية الأمريكية التعليق على هذا الأمر.
كشفت الحرب هشاشة القواعد الأميركية في الخليج
قبل بداية الحرب في فبراير، أخلت القيادة المركزية الأمريكية العديد من قواعدها، معتبرة أنها معرضة بشدة لهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية بحيث لا يمكنها الحفاظ على مستويات التوظيف العادية. وقال شخص مطلع على هذه التعديلات إن بعض التحولات بالابتعاد عن المنشآت الخليجية الكبرى قد تستمر بعد الحرب.
وأضاف الشخص، الذي رفض تحديد التغييرات: “تعتقد إيران أننا في أماكننا التقليدية، لكننا لسنا كذلك”. يُذكر أن ستة من أفراد الخدمة الأمريكية قُتلوا في هجوم وقع في مارس على ميناء الشعيبة، وهو منشأة عسكرية في الكويت، في حين تضررت أو دُمرت أكثر من 200 منشأة أمريكية خلال الصراع، حسبما ذكرت صحيفة واشنطن بوست في مايو الماضي.
وأثناء الدفاع عن أفراده في المنطقة، استهلك الجيش الأمريكي أيضاً أكثر من 1000 صاروخ اعتراضي متطور للدفاع الجوي، مما استنزف مخزون البنتاغون من صواريخ “باتريوت” ومنظومة الدفاع الجوي الصاروخي عالي الارتفاع (ثاد)، حسبما ذكرت صحيفة واشنطن بوست في مارس.
هل يمكن لواشنطن أن توازن بين خفض القوات وإبقاء الشراكات الأمنية ؟
أثبتت إيران بالفعل قدرتها على ضرب أهداف بعيدة في الأردن وإسرائيل. ففي الشهر الماضي، أسفر هجوم إيراني على الأردن عن مقتل أربعة من أفراد الخدمة الأمريكية بحسب واشنطن بوست.
وأدت الهجمات التي شنتها طهران على قواعد في الخليج إلى إغراق المنطقة في أزمة، مما أثار إحباط الحلفاء الأساسيين للولايات المتحدة هناك، الذين يشعرون أن إدارة ترامب لم تتشاور معهم بشكل كافٍ قبل بدء الحرب.
وقالت أليسون مينور، التي عملت خلال إدارة ترامب الأولى كمديرة لشؤون شبه الجزيرة العربية في مجلس الأمن القومي، إن دول الخليج يمكن أن تحافظ على عناصر من شراكتها الأمنية مع الولايات المتحدة، مثل مبيعات الأسلحة وتبادل المعلومات الاستخباراتية، في ظل استضافة عدد أقل من القوات. وأضافت: “لكنك بحاجة إلى مناقشة كل هذه الأمور بشكل شامل، وليس مجرد مناقشة مسألة عدد القوات”.
وقد قدر البنتاغون علناً أن تكلفة الحرب ستصل إلى حوالي 37.5 مليار دولار بحلول نهاية سبتمبر، لكن هذا المبلغ لا يضع في الحسبان الأموال التي ستكون مطلوبة لإعادة بناء القواعد في المنطقة.
وقال جولز هيرست الثالث، المراقب المالي لوزارة الدفاع، أمام مجلس الشيوخ في مايو إنه تم استبعاد تكاليف إعادة الإعمار لأن الإدارة لم تقرر بعد كيف تريد إعادة البناء بعد الأضرار. وفي أبريل، قدر معهد أمريكان إنتربرايز (American Enterprise Institute) -المنتمي ليمين الوسط- أن إصلاح القواعد الأمريكية المستهدفة سيكلف 5 مليارات دولار.
وحذر العديد من الأشخاص المطلعين على تحليل البنتاغون من أن أي تغييرات دائمة في التواجد العسكري الأمريكي لا تزال بعيدة المنال وستتطلب موافقة كبار مسؤولي الإدارة.
إعادة تموضع أم انسحاب ؟
دعا مقترح سياسي حديث صادر عن “أولويات الدفاع” (Defense Priorities)، وهو مركز أبحاث يدعو إلى ضبط النفس العسكري، إلى إغلاق القواعد الأمريكية التي تقع في مرمى نيران الصواريخ والطائرات المسيرة الإيرانية،. كما يدعو المقترح إلى نقل القوات إلى منشآت أكثر أماناً.
وسعت أصوات أكثر تشدداً في واشنطن إلى التأثير على تخطيط البنتاغون من خلال اقتراح نقل القوات الأمريكية في المنطقة إلى إسرائيل. ودعا تقرير صادر عن المعهد اليهودي للأمن القومي الأمريكي (JINSA) -الموالي لإسرائيل- في مارس إلى نقل المزيد من الأصول العسكرية الأمريكية إلى قاعدة “عوفدا” الجوية الإسرائيلية.
وفي هذا الشتاء، وفي الفترة التي سبقت “عملية الغضب الملحمي” (Operation Epic Fury)، أرسلت واشنطن طائرات مقاتلة من طراز (F-22 Raptor) إلى القاعدة في إشارة إلى تعميق العلاقات العسكرية الأمريكية الإسرائيلية.
بينما يوجد خلاف داخل إدارة ترامب بشأن هذه التوصية، نظراً للمخاوف من أن التواجد الأمريكي الموسع هناك قد يشكل ثغرة في مكافحة التجسس وسط قلق البنتاغون المتزايد بشأن عمليات التجسس الإسرائيلية.
كما أطلق مكتب وكيل وزارة الدفاع للسياسات، إلبريدج كولبي، مراجعة عامة للوجود العسكري الأمريكي في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، بعد أن أعلنت إدارة ترامب أنها ستسحب آلاف القوات من ألمانيا وبولندا، ومن المقرر أن تنتهي هذه الدراسة في ديسمبر.





