أثير- أمين بركة
لم تعد المؤتمرات والمعارض بالنسبة إلى سلطنة عُمان مجرد فعاليات تُستضاف في قاعات الفنادق أو مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، بل تحولت إلى أحد مسارات تنويع القطاع السياحي، مع استهداف شريحة من الزوار تختلف في طبيعة إنفاقها عن السائح التقليدي.
وتُعد سياحة المؤتمرات والمعارض أحد الروافد التي تراهن عليها دول عدة لتنشيط الاقتصاد وتنويع مصادر الدخل، وتعزيز النشاط السياحي، وفتح قنوات للتواصل التجاري والاستثماري، ونقل المعرفة والخبرات.

وأتاح الموقع الجغرافي لعُمان، إلى جانب مكانتها السياسية وما تتمتع به من مقومات طبيعية وثقافية، فرصًا لاستضافة المؤتمرات والفعاليات الدولية في مجالات مختلفة، فيما تتركز استراتيجيتها في استقطاب الفعاليات على القطاعات التي تتمتع فيها السلطنة بمقومات وفرص نمو، إلى جانب القطاعات المرتبطة بمستهدفات رؤية عُمان 2040.
ومع التطور المتسارع في صناعة الفعاليات، تتجه عُمان كذلك إلى توظيف الحلول الرقمية والتقنيات الحديثة، بما فيها تطبيقات الذكاء الاصطناعي، في ظل الدور المتنامي للتكنولوجيا في تطوير تجربة المشاركين والمنظمين ورفع كفاءة إدارة الفعاليات.
كيف تحاول سلطنة عُمان الفوز بالمؤتمر؟
المنافسة على المؤتمر الدولي تبدأ قبل وصول أول مشارك بسنوات؛ فالجمعيات المهنية والشركات المنظمة لا تبحث عن قاعة فقط، وإنما عن حزمة متكاملة تشمل الموقع الجغرافي، والرحلات الجوية، والفنادق، والقاعات المجهزة، وسهولة إجراءات التأشيرات، والنقل، والأمن والخدمات اللوجستية، فضلًا عن القدرة على تقديم برنامج سياحي موازٍ للفعالية.
ولهذا أنشأت سلطنة عُمان مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، الذي تتمثل مهمته في الترويج للسلطنة كوجهة لفعاليات الأعمال، واستقطاب المؤتمرات ومجموعات الحوافز، ودعم نمو هذا القطاع.
ولا يقتصر الترويج على السوق المحلية؛ إذ تشارك السلطنة في معارض وملتقيات متخصصة في سياحة الأعمال بهدف الوصول إلى منظمي الفعاليات والجمعيات الدولية وبناء الشراكات.
ففي إحدى المشاركات الدولية، ضم جناح عُمان 17 شركة ومؤسسة وفندقًا من القطاع السياحي، وكان من بين الأهداف المعلنة التواصل مع منظمي المؤتمرات والفعاليات العالميين واستكشاف فرص جذب فعاليات جديدة.
وفي مايو 2026، اتخذ المشغل الوطني للسفر Visit Oman خطوة إضافية بالانضمام إلى الجمعية الدولية للمؤتمرات والاجتماعات ICCA، التي تتيح العضوية فيها الوصول إلى شبكة تضم أكثر من 1,100 منظمة في أكثر من 100 دولة، وإلى قاعدة بيانات تضم أكثر من 220 ألف مؤتمر سنويًا، بحسب Visit Oman.
ويعكس ذلك تحول المنافسة من انتظار المنظم ليبحث عن وجهة، إلى محاولة الوصول إليه في مرحلة مبكرة، عندما يبدأ في مقارنة المدن المرشحة لاستضافة مؤتمره.
البنية التحتية. أساس الاستقطاب
أحد عناصر الجذب الأساسية هو وجود مركز متخصص قادر على التعامل مع الفعاليات الكبيرة، حيث يقع مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض داخل منطقة متكاملة على بُعد أربع كيلومترات من مطار مسقط الدولي.
ويضم المركز مسرحين متدرجين، يتسع أحدهما لـ 3,200 شخص، بينما يتسع الآخر لـ 456 شخصًا، كما تمتد صالات العرض الخمس الخالية من الأعمدة على مساحة 22,396 مترًا مربعًا.
ويضم المركز أيضًا 20 قاعة اجتماعات إضافية معدة لاستقبال وفود تتراوح أعدادها بين 25 و360 شخصًا، بينما تستوعب قاعة المناسبات الكبرى 1,100 ضيف، وقاعة المناسبات الصغرى 540 مقعدًا، إلى جانب 10 أجنحة ضيافة وجناح مخصص لكبار الشخصيات.
وبذلك يوفر المركز أكثر من 55 قاعة للاجتماعات، إضافة إلى مواقف سيارات متعددة الطوابق تتسع لنحو 4,000 مركبة.
ولا تقتصر المنظومة على المركز نفسه؛ إذ يضم المجمع فندق جي دبليو ماريوت من فئة الخمسة نجوم، وفندق كراون بلازا من فئة الأربعة نجوم، كما تحيط بالمركز محمية طبيعية تضم طيورًا نادرة، إلى جانب الحدائق والمرافق الترفيهية.
هذه التركيبة تمنح منظمي الفعاليات إمكانية الجمع بين مكان المؤتمر والإقامة والخدمات المساندة، وهي عناصر تدخل في الحسابات التي تجريها الشركات والجمعيات الدولية عند اختيار الوجهة.
استضافات متتالية
في 2024، استضاف مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض 14 حدثًا دوليًا وإقليميًا رفيع المستوى، إلى جانب الحفاظ على معدله السنوي البالغ قرابة 250 فعالية متنوعة.
وفي العام التالي، شهد المركز أداءً استثنائيًا، إذ استقطب أكثر من 1.9 مليون زائر ومشارك ومستثمر، واستضاف ما يزيد على 250 فعالية متنوعة، شملت 15 مؤتمرًا وحدثًا دوليًا وإقليميًا بارزًا، استقطبت بدورها أكثر من 20 ألف مشارك دولي من نحو 60 دولة.
وبحسب البيانات المنشورة، انعكس ذلك على الاقتصاد المحلي من خلال أثر اقتصادي وإيرادات تشغيلية في عام 2025 بلغت نحو 15 مليون ريال عُماني.
ومن الأمثلة على حجم الفعاليات معرض COMEX 2024 للتقنية، الذي استقطب أكثر من 80 ألف زائر، وشارك فيه 350 كيانًا، بينها 185 شركة تقنية و133 شركة ناشئة، وشهد توقيع أكثر من 60 اتفاقية بقيمة تجاوزت 85 مليون ريال عُماني.

وهذا يوضح أن أثر المعارض لا يتوقف عند غرف الفنادق أو قاعات العرض، فقد يمتد إلى الشركات التقنية، والموردين، وشركات التنظيم، والنقل، والمطاعم، وخدمات الطباعة والتجهيز، والشركات الناشئة والجهات الحكومية.
حين يتحول المعرض إلى منصة للأعمال
يقدم معرض ومؤتمر عُمان للأمن والسلامة والحرائق (OFSEC) نموذجًا آخر على تطور هذا القطاع، إذ لم يعد المعرض مجرد مساحة لعرض المنتجات والحلول، بل تطور خلال عقد من الزمن إلى منصة أعمال بين الشركات، تربط المصنعين والموردين والموزعين والاستشاريين والجهات الحكومية والمستخدمين النهائيين في قطاعات الحريق والسلامة والأمن والصحة والسلامة والبيئة.
ويشير نافنيث كيه، مدير المشاريع في شركة مسقط إكسبو المتخصصة في تنظيم المعارض والمؤتمرات، خلال حديثه لـ“أثير“، إلى أن المعرض تطور منذ نسخته الأولى من معرض يركز على قطاع محدد إلى منصة B2B متكاملة، مع توسع المشاركة الدولية إلى جانب الشركات العُمانية والإقليمية، واتساع نطاق القطاعات المستهدفة ليشمل النفط والغاز، والإنشاءات، والبنية الأساسية، والطيران، والنقل، والتصنيع، والمرافق والقطاعات التجارية.
ويعد هذا التنوع أمرًا حيويًا؛ لأن متطلبات الإطفاء والسلامة والأمن والصحة والسلامة والبيئة تمثل جزءًا لا يتجزأ من كل صناعة رئيسية ومشروع بنية تحتية.
وتستعد النسخة العاشرة، التي تعقد هذا العام في الفترة من 19 إلى 20 أكتوبر 2026، لجمع أكثر من 75 عارضًا، و25 متحدثًا، وأكثر من 6,000 زائر ومشارك من قطاع الأعمال، مع مشاركة دولية متوقعة من أكثر من 10 دول، إلى جانب حضور من سلطنة عُمان ودول مجلس التعاون والأسواق الإقليمية.
ولا تتوقف أهمية المعرض عند أعداد المشاركين؛ فبحسب كيه، فإن طبيعة المعرض المتخصصة تجعل من الزائر الدولي جزءًا من شبكة اقتصادية أوسع. فالشركات المشاركة تبحث عن لقاء الجهات الحكومية والمطورين والاستشاريين والمقاولين والموزعين والمستخدمين النهائيين، بما يفتح المجال أمام بناء علاقات تجارية، ونقل التكنولوجيا، والوصول إلى السوق، وربما تطوير فرص استثمارية مستقبلية.
كما يتعدى الأثر الاقتصادي خدمات المعرض نفسه، ليشمل الإقامة، والنقل، والمطاعم، والضيافة، والخدمات السياحية الأخرى التي يحتاجها الضيوف خلال فترة إقامتهم.
ويرى كيه في حديثه لـ“أثير” أن جاذبية عُمان بالنسبة إلى الشركات الدولية ترتبط بموقعها الذي يتيح الوصول إلى أسواق الخليج والشرق الأوسط وشبه القارة الهندية والأسواق الإقليمية الأوسع، إلى جانب الاستثمارات المتواصلة في البنية الأساسية والطاقة والخدمات اللوجستية والسياحة والمشروعات الكبرى.
ومن هذه الزاوية، يكشف حديث كيه عن جانب مهم من استراتيجية استقطاب فعاليات الأعمال: فالمؤتمر أو المعرض لا يُنظر إليه كحدث مستقل، وإنما كوسيلة لربط الشركات الدولية بالاقتصاد المحلي.
علاوة على ذلك، فإن سهولة الوصول إلى عُمان، وبنيتها التحتية في مجال الضيافة، والخيارات المتنامية لأماكن الإقامة وخدمات الزوار، تشكل جميعها تكاملًا مع مرافق المركز.
وبالنسبة إلى مدير المشروع، فإن وجود مركز فعاليات حديث في مسقط يعد أمرًا مهمًا؛ لأن العارضين بحاجة إلى مرافق عرض احترافية، بينما يحتاج الوفود الدوليون إلى إقامة مريحة، ووسائل نقل، وخدمات دعم متميزة.
ويختتم حديثه بالقول: “تمتلك سلطنة عُمان إمكانات هائلة لتسيد مكانتها كمركز إقليمي للمعارض والمؤتمرات وفعاليات الأعمال المتخصصة، وتبرز هذه الفرصة بشكل قوي جدًا في القطاعات التي تتوافق مع أولويات التنمية والتنويع الاقتصادي في السلطنة، بما في ذلك الطاقة، واللوجستيات، والتصنيع، والبنية التحتية، والتكنولوجيا، والاستدامة، والسياحة، والرعاية الصحية، والسلامة والأمن”.
وأضاف: “إن استمرار الاستثمار في البنية التحتية للمعارض، وشبكات الربط الجوي الدولي، وقطاع الضيافة، والتسويق السياحي للوجهة، سيساهم بشكل مباشر في تعزيز هذه المكانة”.
وفي الوقت نفسه، فإن زيادة التعاون بين الجهات الحكومية، والجمعيات الصناعية، ومراكز الفعاليات، وشركات الطيران، والفنادق، ومنظمي الفعاليات في القطاع الخاص، من شأنه أن يخلق منظومة متكاملة وأقوى لفعاليات الأعمال.
تجربة ثانية.. ماذا يبحث عنه منظمو الفعاليات؟
بدوره، أكد زيهب يوسف، المدير التنفيذي لشركة إنديغو لتنظيم الفعاليات والمؤتمرات في عُمان، أن السلطنة تمتاز كوجهة جاذبة للمؤتمرات الدولية والفعاليات التجارية بفضل موقعها الجغرافي الذي يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وبيئتها الآمنة والمستقرة، وإرثها الثقافي، بالإضافة إلى بنيتها التحتية الحديثة.
ويشير يوسف في حديثه لـ“أثير” إلى أن عُمان تقدم مزيجًا من التجارب الثقافية الأصيلة، والطبيعة التي تجمع بين الجبال والبحر والرمال، ومستوى من الضيافة، وهو ما يضيف إلى تجربة المشاركين خارج قاعة المؤتمر.
وبين يوسف أن منظمي الفعاليات الدولية يركزون بالدرجة الأولى عند اختيار الوجهة على سهولة الوصول، وجودة مراكز الفعاليات، وتوفر خيارات الإقامة، ومستويات الأمان، وكفاءة خدمات الفعاليات المحلية.
ويضيف أن عُمان تتميز، في مجالي الأمان والضيافة، مع وجود استثمارات مستمرة لتعزيز الربط الجوي، وتطوير مرافق المؤتمرات، والدعم اللوجستي، مما يدعم قدرتها على المنافسة في المنطقة.

وينبه إلى أن جودة وتنوع مراكز المؤتمرات في عُمان، مثل مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض المزود بالتقنيات الحديثة، إلى جانب الفنادق، تلعب دورًا محوريًا في استقطاب الفعاليات الكبرى.
وأشار إلى أن استضافة المؤتمرات والمعارض الدولية تساهم في تحقيق عوائد اقتصادية لعدة قطاعات؛ ويشمل ذلك رفع نسب الإشغال والإيرادات للفنادق، وزيادة أعداد المسافرين لشركات الطيران، وارتفاع الطلب على خدمات النقل واللوجستيات.
كما تشهد المطاعم المحلية، وقطاعات التجزئة، ومزودو الخدمات حركة إضافية خلال فترة الفعالية، بما يوسع الأثر الاقتصادي خارج موقع المؤتمر.
وإلى جانب الإنفاق المباشر للزوار، تجني عُمان منافع على المدى الطويل من استضافة فعاليات الأعمال الدولية، من بينها جذب الاستثمارات الأجنبية، وبناء الشراكات التجارية والمشاريع المشتركة، وتسهيل نقل المعرفة والابتكار، وتعزيز حضور السلطنة كمركز للتجارة والصناعة في المنطقة.
وأضاف: “تحظى المؤتمرات في قطاعات مثل الطاقة، والسياحة، والرعاية الصحية، والتعليم، والتكنولوجيا بأهمية خاصة في توليد قيمة اقتصادية عالية، نظرًا لأنها تستقطب وفودًا ذات معدلات إنفاق مرتفعة، كما تساهم في بناء منظومات أعمال حيوية تتوافق مع الأهداف الاستراتيجية للتنمية في سلطنة عُمان”.
ولتوسيع نطاق استضافة الفعاليات، أكد يوسف ضرورة “تطوير برامج تحفيزية للجمعيات والاتحادات الدولية، وصقل الخبرات المحلية في مجال الإنتاج وإدارة الفعاليات، وتقديم باقات مخصصة، مع الحفاظ على مستويات ثابتة من الجودة والابتكار في تجارب الفعاليات، لضمان وجود أسباب قوية تدفع الوفود للعودة بانتظام”.
الطيران جزء من معادلة استقطاب المؤتمرات
لا يمكن لمدينة أن تنافس على مؤتمر دولي كبير إذا كان الوصول إليها معقدًا أو مكلفًا، وهنا تأتي شبكة الطيران كعنصر أساسي في المعادلة.
وفي 2025، نقل الطيران العُماني نحو 5.8 مليون مسافر، بزيادة 8% عن 2024، وكان 64% من المسافرين من فئة القادمين مباشرة إلى السلطنة، وهي فئة ارتفعت بنسبة 34% خلال عام واحد. كما عزز الناقل شبكته بإضافة وجهات وترددات جديدة، وانضم إلى تحالف عالم واحد في منتصف 2025.
كما أطلقت الشركة في 2025 رحلات مباشرة بين مسقط وأمستردام بمعدل أربع رحلات أسبوعية في البداية، ما عزز الربط مع إحدى الأسواق الأوروبية.
وفي 2026 استمرت السلطنة في توسيع الربط الجوي، مع إطلاق خطوط مباشرة إلى سنغافورة وسوتشي وميدان، ضمن جهود تستهدف الوصول إلى أسواق سياحية جديدة.
وبالنسبة إلى منظمي المؤتمرات، لا يمثل الطيران مجرد وسيلة نقل، بل أحد العوامل التي تحدد سهولة الوصول إلى الوجهة، وبالتالي قدرتها على جذب المشاركين من دول مختلفة.
وفي هذا الصدد، يشير يوسف في حديثه لـ“أثير” إلى أن البنية الأساسية لقطاع النقل وشبكة الطيران الدولي في عُمان تعد من العوامل الحاسمة التي تسهل وصول الحاضرين وتنقلهم، مما يعزز جاذبية عُمان كوجهة للفعاليات.
القيمة الاقتصادية لا تتوقف عند رسوم القاعة
المشارك الدولي في المؤتمرات يحتاج إلى تذكرة طيران، وفندق، ونقل من وإلى المطار، وتنقلات داخلية، ومطاعم، وخدمات تنظيم واتصالات وتقنية، إلى جانب التسوق والترفيه والرحلات السياحية. وهذا يجعل أثر زائر المؤتمر موزعًا على قطاعات متعددة.
ويبرز المؤتمر العالمي للكلية المهنية لأطباء النساء والتوليد مثالًا على ذلك؛ إذ استضافه مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض بين 15 و17 أكتوبر 2024، بالتعاون بين الكلية الملكية البريطانية لأطباء النساء والولادة والجمعية العُمانية لأمراض النساء والولادة، وكان أول انعقاد له في الشرق الأوسط.
وشارك في المؤتمر أكثر من 2,100 طبيب وخبير من 76 دولة، فيما قدرت وزارة التراث والسياحة العائد الاقتصادي للمؤتمر بنحو 1.86 مليون ريال عُماني، مقابل دعم وتسهيلات لوجستية قدرت في عرض آخر بنحو 75 ألف ريال.
ولا يعني رقم العائد الاقتصادي أنه يمثل إيرادًا مباشرًا للجهات الحكومية، وإنما يعكس الأثر الاقتصادي المقدر للإنفاق المرتبط بالفعالية.
كما استضافت عُمان المؤتمر الدولي لطب وجراحة العيون، الذي بلغ عدد المشاركين فيه نحو 2,300 مشارك، وقدرت وزارة التراث والسياحة في عرض للقطاع العائد الاقتصادي بنحو 1.86 مليون ريال، مع دعم وتسهيلات تقدر بنحو 46 ألف ريال.
وتوضح هذه النماذج أن الإنفاق الناتج عن المؤتمر لا يبقى داخل قاعة المؤتمر، وإنما يتوزع على قطاعات أخرى لها علاقة بالفعالية.
مجموعات الحوافز.. سياحة الأعمال
ولا تعني سياحة الأعمال المؤتمرات العلمية فقط، إذ تشمل أيضًا سياحة الحوافز، حيث تأتي شركة بمجموعة من موظفيها أو وكلائها إلى السلطنة باعتبار الرحلة مكافأة أو حافزًا، وهي تتماشى مع رؤية عُمان 2040 لتنمية المحافظات من خلال تنويع الفعاليات وتوزيعها جغرافيًا.
ومن الحالات المنشورة مجموعة ELEAD من الصين، التي ضمت نحو 1,600 مشارك، وقدرت تكلفة التسهيلات اللوجستية بنحو 8 آلاف ريال، مقابل عائد اقتصادي مقدر بنحو 3.314 مليون ريال.
كما استقبلت عُمان مجموعة Mutika من إيطاليا بنحو 750 مشاركًا، وقدرت التسهيلات بنحو 9 آلاف ريال والعائد الاقتصادي بنحو 450 ألف ريال.
وتكشف هذه التجارب عن طبيعة مختلفة للإنفاق السياحي؛ فالمجموعة الكبيرة لا تستخدم خدمات الفندق فقط، وإنما تحتاج إلى النقل الجماعي، والمطاعم، والبرامج السياحية، والمرشدين، وتنظيم الأنشطة والتجارب.
من الزائر الدولي إلى المؤسسة الصغيرة
وإذا كان الزائر الدولي هو نقطة البداية، فإن الأثر الاقتصادي يظهر بصورة أوضح عندما ينتقل الإنفاق إلى الشركات المحلية الصغيرة والمتوسطة.
وبحسب مركز عُمان للمؤتمرات والمعارض، فإنه تعامل في 2024 مع أكثر من 100 مؤسسة صغيرة ومتوسطة محلية.
وفي 2026، وسعت منصة “Visit Oman” نموذجًا لربط المشاركين بالشركات المحلية، من خلال شراكات مع منظمي معارض ليكون شريك تجربة السفر الرسمي لعدد من الفعاليات، ويقدم للمشارك منصة واحدة لحجز الرحلات الجوية والفنادق والتنقلات والتأشيرات والتجارب السياحية والخدمات الإضافية.
وتربط المنظومة الرقمية الزائر بأكثر من 200 مزود سياحي محلي وتجربة سياحية، 80% منها مؤسسات صغيرة ومتوسطة، إضافة إلى أكثر من 100 خيار للإقامة وأكثر من 80 شركة طيران دولية.
وهنا تتحول الفعالية من حدث يستفيد منه المركز أو الفندق إلى حركة اقتصادية أوسع تصل إلى شركات محلية متعددة.
من المؤتمر إلى الإجازة
أحد الأهداف المهمة في سياحة المؤتمرات هو إطالة مدة إقامة الزائر. فالمشارك الذي يأتي إلى عُمان لحضور مؤتمر لثلاثة أيام يمكن أن يمدد إقامته أيامًا إضافية في مسقط أو نزوى أو الجبل الأخضر أو رمال الشرقية أو صلالة.
وتوفر “Visit Oman” حزمًا سياحية وتجارب مصممة للزوار، إلى جانب خدمات التأشيرات والنقل والحجوزات المرتبطة بالفعاليات، إضافة إلى حزم تمتد عدة أيام وتجمع مسقط مع وجهات سياحية مختلفة، ما يوفر البنية التجارية لتحويل رحلة العمل إلى رحلة سياحية أطول.
وهذا يضيف بعدًا آخر إلى اقتصاد المؤتمرات: فالمؤتمر قد يكون نقطة الدخول، بينما تصبح الإقامة الإضافية والتجارب السياحية مصدرًا إضافيًا للإنفاق.
ما الذي يميز اقتصاد المؤتمرات عن السياحة العادية؟
وفق وزارة التراث والسياحة، يقدر الأثر الاقتصادي للسياحة القائمة على المؤتمرات والحوافز بأنه أعلى بثلاث إلى خمس مرات من منتجات سياحية أخرى، بسبب ارتفاع إنفاق مسافر الأعمال على الإقامة والنقل والخدمات المتخصصة.
ويمكن تفسير ذلك بثلاثة عوامل رئيسية:
أولًا: الإقامة الأعلى قيمة: مندوب المؤتمر يحتاج عادة إلى فندق قريب من مكان الفعالية، وقد تمتد إقامته لعدة ليالٍ.
ثانيًا: النقل والخدمات: الوفود الكبيرة تحتاج إلى نقل جماعي وتنظيم واستقبال وخدمات لوجستية.
ثالثًا: الإنفاق المرتبط بالفعالية: المطاعم، والاجتماعات، والتقنيات، والفعاليات الجانبية، والهدايا، والرحلات والتسوق.
ويؤكد د. محمد سليمان، أستاذ التسويق بجامعة السلطان قابوس، أن سلطنة عُمان تتمتع بمقومات وإمكانات يمكن أن تدعم تطوير سياحة المؤتمرات والمعارض.
ويشير في حديثه لـ“أثير” إلى أن السلطنة تمتلك بنية تحتية في عدد من المحافظات والمدن الرئيسية، ومنها مسقط وصلالة ونزوى وصور، إلى جانب شبكة طيران دولية وفنادق وخدمات سياحية، فضلًا عن الاستقرار السياسي والاجتماعي والتراث الثقافي والمقومات الطبيعية.
ويرى سليمان أن منظمي المؤتمرات الدوليين يراعون عند اختيار الوجهة مجموعة من العوامل، من بينها سعة وجودة المرافق، وسهولة الوصول إليها، وشبكة الطيران، والإقامة، والتكاليف، والبنية الأساسية، وخدمات تنظيم الفعاليات، والتقنيات، وإجراءات التأشيرات، والاستدامة، وجاذبية الوجهة للمشاركين ومرافقيهم.
كما يلفت إلى أن المقومات السياحية والطبيعية والثقافية في السلطنة يمكن أن تكون جزءًا من تجربة المؤتمر، بما في ذلك المواقع الأثرية، ومواقع التراث العالمي لليونسكو، والجبال والشواطئ والصحاري والمتاحف والقلاع والحصون والأفلاج والمتنزهات.
ويقترح سليمان توظيف اختلاف المواسم بين المحافظات في تسويق سياحة المؤتمرات، مثل تنظيم المؤتمرات والمعارض في مسقط ونزوى خلال فصل الشتاء، وصلالة خلال فصل الصيف، مع قياس الأداء من خلال مؤشرات قابلة للقياس ومقارنتها سنويًا بالوجهات المنافسة.
إلى أين يمكن أن تتجه المنافسة؟
تُظهر تجربة معرض ومؤتمر عُمان للأمن والسلامة والحرائق (OFSEC) أن المنافسة على فعاليات الأعمال لا ترتبط فقط بقدرة الدولة على توفير قاعة كبيرة، وإنما بقدرتها على بناء منظومة تربط المكان بالسوق، والفعالية بالشركات، والزائر بالتجربة السياحية.
وتشير الشركة المنظمة للمعرض إلى أن الفرص المستقبلية أمام عُمان تتركز في القطاعات المرتبطة بالتنويع الاقتصادي، مثل الطاقة، والخدمات اللوجستية، والتصنيع، والبنية الأساسية، والتكنولوجيا، والاستدامة، والسياحة، والرعاية الصحية، والسلامة والأمن.
كما ترى أن استمرار الاستثمار في البنية الأساسية للمعارض، والربط الدولي، والضيافة، والترويج للسلطنة، إلى جانب التعاون بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص والجمعيات المتخصصة وشركات الطيران والفنادق ومنظمي الفعاليات، يمكن أن يعزز منظومة فعاليات الأعمال.
وهذا يعني أن اختيار نوعية المؤتمرات والمعارض قد يكون مهمًا بقدر زيادة عددها؛ فالمعرض المتخصص في الطاقة أو الخدمات اللوجستية أو التكنولوجيا، مثلًا، يستطيع استقطاب مشاركين يرتبطون مباشرة بالقطاعات التي تستهدف السلطنة تنميتها.
الخلاصة
في النهاية، تقدم التجارب التي شهدتها عُمان، من المؤتمرات الطبية الدولية إلى المعارض التقنية ومجموعات الحوافز، وصولًا إلى معرض ومؤتمر عُمان للأمن والسلامة والحرائق ، صورة عن منظومة تتوسع تدريجيًا من استضافة الفعالية إلى إحداث أثر في معظم القطاعات الاستراتيجية.
وبذلك، تصبح المعادلة أوسع من سؤال: كم شخصًا حضر المؤتمر؟ إذ تمتد إلى أسئلة أخرى: كم ليلة فندقية نتجت؟ كم شركة محلية استفادت؟ ما حجم الإنفاق الذي وصل إلى المطاعم والنقل والخدمات؟ كم علاقة تجارية تأسست؟ وهل عاد بعض المشاركين لاحقًا إلى السلطنة كسياح أو شركاء أعمال؟





