بالصور والمعلومات: أماكن بها ذاكرة عُمانية في زنجبار

جمعت جولات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني بين مؤسسة البث ومجمع الاستقامة ومنزل السيدة فاطمة بنت علي وستون تاون، لتوثق امتداد الروابط بين عُمان وزنجبار.

عن الكاتب

د.محمد بن حمد العريمي
د.محمد بن حمد العريمي

باحث ومختص في التاريخ العماني

بالصور والمعلومات: أماكن بها ذاكرة عُمانية في زنجبار
أماكن بها ذاكرة عُمانية في زنجبار
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
لم تقتصر فعاليات الملتقى الصحفي العُماني التنزاني في زنجبار على الجلسات الحوارية واللقاءات المهنية، بل امتدت إلى جولاتٍ ميدانية أتاحت لوفد جمعية الصحفيين العُمانية الاقتراب من جوانب مختلفة من ذاكرة الجزيرة وحاضرها؛ بدءًا من المؤسسات الإعلامية التي توثق مسيرة الإذاعة والتلفزيون في زنجبار، مرورًا بالمؤسسات التعليمية ذات الصلات العُمانية، ووصولًا إلى البيوت والمباني التاريخية في المدينة الحجرية التي ما تزال شاهدة على قرون من التواصل بين عُمان وشرق أفريقيا.
وحملت هذه الزيارات بعدًا يتجاوز التعرف إلى المؤسسات والمواقع؛ إذ وضعت المشاركين أمام مشهد يجمع بين الإعلام والتعليم والتاريخ والعمارة، ويكشف عن مساحات من الحضور العُماني في زنجبار، وعن التحولات التي شهدتها الجزيرة خلال أكثر من قرن.
من “صوت زنجبار” إلى مؤسسة البث الحديثة
كان من أبرز محطات الجولة زيارة مؤسسة زنجبار للإذاعة والتلفزيون ZBC، حيث تعرف أعضاء الوفد إلى جانب من واقع العمل الإعلامي المعاصر، وشاهدوا غرف التحكم والبث والاستوديوهات والتجهيزات الفنية المستخدمة في إنتاج البرامج ونقلها.
مبنى التلفزيون
مبنى التلفزيون
وتكشف المعلومات التاريخية المنشورة من المؤسسة أن البث الإذاعي في زنجبار يمتلك تاريخًا يمتد إلى أكثر من سبعة عقود؛ إذ انطلق “صوت زنجبار” في عام 1951م بإمكانات فنية محدودة، شملت جهاز غرامافون وميكروفونًا ومعدات مزج مرتبطة بجهاز تضخيم صوتي قديم، وكان البث في أيامه الأولى يستمر ساعة واحدة يوميًا، من الخامسة حتى السادسة مساء، وعمل في المحطة آنذاك ثمانية صحفيين إذاعيين وخمسة فنيين.
مبنى الإذاعة القديمة
مبنى الإذاعة القديمة
مبنى الإذاعة القديمة
مبنى الإذاعة القديمة
وفي النصف الأول من عام 1956م بدأت تجارب لنقل برامج من محطات مجاورة ومن الخدمة العربية لهيئة الإذاعة البريطانية، قبل أن يتغير اسم المحطة بعد اتحاد تنجانيقا وزنجبار إلى “صوت تنزانيا زنجبار” (STZ)، وشهدت المحطة منذ عام 1966م توسعًا وتطويرًا في تجهيزاتها، ومن بينها تجديد المبنى القديم في منطقة راهاليو، وتطوير قدراتها على البث إلى مناطق أبعد.
أما مؤسسة زنجبار للإذاعة والتلفزيون ZBC بصورتها المؤسسية الحالية فقد أُنشئت رسميًا في عام 2013م بموجب القانون رقم 4 لسنة 2013، لتتولى تقديم الخدمات الإخبارية والتعليمية والترفيهية في زنجبار.
وخلال الجولة شاهد الوفد التطور الذي طرأ على العمل التلفزيوني، من المباني والمعدات القديمة إلى غرف البث الرقمية الحديثة وشاشات المتابعة وأنظمة المونتاج والتحكم، في صورة تختصر التحول التقني الكبير الذي شهده الإعلام في الجزيرة.
زنجبار.. وريادة مبكرة في التلفزيون الملون
تحمل تجربة التلفزيون في زنجبار أهمية خاصة في تاريخ الإعلام الأفريقي، فبحسب السجل التاريخي المنشور لمؤسسة ZBC، بدأت الحكومة في أغسطس 1971م التفكير في إنشاء محطة تلفزيونية لدعم الجهود الإعلامية والتعليمية، قبل التعاقد مع شركة PYE TVT ومقرها لندن لتوفير المعدات والتجهيزات اللازمة.
وبعد معاينة المنشآت المتاحة وقع الاختيار على مبنى البلدية، الذي عُرف لاحقًا باسم Karume House، ليكون مقرًا للمركز التلفزيوني، وفي عام 1973م جرى تجهيزه بمعدات بث حديثة بمقاييس ذلك الوقت، ومن بينها جهاز إرسال بقدرة خمسة كيلوواط. وتصف مؤسسة ZBC تلفزيون زنجبار بأنه أول تلفزيون ملون في أفريقيا.
وتمنح زيارة هذه المواقع القديمة أهمية إضافية للجولة، فالمباني التي تبدو اليوم متقادمة، وما بقي فيها من تفاصيل معمارية وممرات وشرفات ونوافذ، كانت يومًا جزءًا من البنية التي انطلقت منها واحدة من التجارب الإعلامية المبكرة في المنطقة.
زيارة مؤسسة صحفية والاطلاع على المطبوعات الزنجبارية
شملت الجولة كذلك زيارة إحدى المؤسسات الصحفية الحكومية في زنجبار، حيث التقى وفد جمعية الصحفيين العُمانية بالقائمين عليها، واطلع على طبيعة العمل الصحفي فيها ومراحل إعداد المواد للنشر، إلى جانب التعرف إلى جانب من واقع الصحافة المحلية والقضايا التي تحظى باهتمام القارئ الزنجباري. كما استعرض القائمون على المؤسسة عددًا من الصحف والمطبوعات الصادرة في زنجبار، وتبادل الجانبان الحديث حول تطور الصحافة المطبوعة والتحديات التي تواجهها في ظل التحول المتسارع نحو المنصات الرقمية ووسائل التواصل الحديثة.
مجمع الاستقامة.. امتداد عُماني في ميدان التعليم
من الإعلام انتقل الوفد إلى التعليم، بزيارة معهد الاستقامة بزنجبار، حيث التقى القائمين على المؤسسة وعددًا من الطلبة، واطلع على مرافقها والبرامج التعليمية التي تقدمها.
وتكشف المصادر المنشورة عن امتداد النشاط التعليمي لجمعية الاستقامة في زنجبار لثلاثة عقود تقريبًا، إذ بدأ من حلقات محدودة لتعليم القرآن الكريم، ثم اتسع تدريجيًا ليأخذ صورة مؤسسات تعليمية أكثر تكاملًا تجمع بين التعليم القرآني واللغة العربية والعلوم والمعارف المختلفة.
وتشير جمعية الاستقامة الخيرية الإسلامية العالمية إلى وجود مشروعات تعليمية متعددة لها في زنجبار، من بينها مدرسة الاستقامة ومختبراتها، إلى جانب توسعها في إنشاء مدارس لتعليم القرآن الكريم. وفي سبتمبر 2026م افتتحت الجمعية مدرسة الإمام جابر بن زيد التي تتسع لنحو ألف طالب وطالبة، وأوضحت أن نشاطها في زنجبار يشمل 28 مدرسة ونحو عشرة آلاف طالب وطالبة.
وهكذا مثّلت زيارة المجمع للوفد الصحفي فرصة لمشاهدة وجه آخر للعلاقات العُمانية الزنجبارية؛ فبعد أن كانت الروابط التاريخية تقوم إلى حد كبير على التجارة والهجرة والملاحة والعلاقات الاجتماعية، تواصل حضورها اليوم عبر مجالات التعليم والعمل الخيري وبناء المؤسسات وتنمية الإنسان.
بيت السيدة فاطمة بنت علي.. منزل يعيد الحكاية إلى الأسرة البوسعيدية
من أكثر محطات الجولة ارتباطًا بالتاريخ العُماني زيارة منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم بن ثويني البوسعيدية، وهو منزل يرتبط بشخصية كان لها حضور مهم في تاريخ الأسرة البوسعيدية في عُمان وزنجبار.
ولدت السيدة فاطمة في زنجبار عام 1308هـ/1891م، وهي ابنة السيد علي بن سالم بن ثويني بن سعيد بن سلطان بن أحمد بن سعيد البوسعيدي، ونشأت في بيئة ارتبطت بالأسرة البوسعيدية وبالحياة العلمية والثقافية التي عُرفت بها زنجبار أواخر القرن التاسع عشر.
أمام منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم
أمام منزل السيدة فاطمة بنت علي بن سالم
وعادت وهي طفلة إلى عُمان بعد انتقال والدها من زنجبار إلى مسقط، ثم تزوجت السلطان تيمور بن فيصل، وكانت زوجته الأولى، وأنجبت السلطان سعيد بن تيمور؛ لتصبح بذلك جدة السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه-، وتذكر المصادر أنها أدت دورًا مؤثرًا داخل الأسرة خلال عهدي زوجها السلطان تيمور وابنها السلطان سعيد، وظلت حاضرة في المشهد الأسري والسياسي حتى وفاتها في سنة 1967م.
وتكتسب زيارة المنزل أهمية إضافية في ضوء ما ذكره الباحث في تاريخ شرق أفريقيا الشيخ سالم بن محمد الخنجري خلال تغطية الملتقى، من أن المنزل اشتراه السلطان قابوس بن سعيد -طيّب الله ثراه- وأنه سيخضع للترميم.
وتظهر الصور التي التقطت خلال الزيارة مبنى تاريخيًا واسعًا يحمل ملامح العمارة الزنجبارية القديمة، وقد ترك الزمن والرطوبة آثارهما الواضحة على واجهاته وجدرانه ونوافذه الخشبية، بينما لا تزال بعض تفاصيله المعمارية قائمة، بما فيها الشرفات والفتحات المقوسة والممرات الداخلية.
وهنا لا يبدو المنزل مجرد بناء قديم، بل شاهدًا على مرحلة انتقلت فيها الأسر بين مسقط وزنجبار، وتشابكت فيها الروابط العائلية والسياسية والاجتماعية عبر ضفتي المحيط الهندي.
ستون تاون.. التاريخ العُماني حاضر في الحجر
اختتمت جوانب من الجولة بالتجول في مدينة زنجبار الحجرية، أو ستون تاون، حيث يصبح التاريخ أكثر حضورًا في الأزقة الضيقة والمنازل المتلاصقة والأبواب الخشبية والشرفات المطلة على الطرق والممرات.
وأدرجت منظمة اليونسكو المدينة الحجرية على قائمة التراث العالمي عام 2000م، ووصفتها بأنها مثال بارز للمدن التجارية السواحلية على ساحل شرق أفريقيا، وأن مبانيها ونسيجها العمراني يعكسان تفاعلًا طويلًا بين الثقافات الأفريقية والعربية والهندية والأوروبية.
أحد أزقة المدينة الحجرية
أحد أزقة المدينة الحجرية
وللحضور العُماني أثر واضح في هذا المشهد العمراني؛ إذ تشير اليونسكو إلى أن العمارة العُمانية أسهمت في انتشار نمط المباني متعددة الطوابق المبنية بالحجر المرجاني والملاط، مع الأسطح المستوية والأفنية الداخلية التي تحقق الخصوصية والتهوية، إلى جانب الأبواب الخشبية المزخرفة التي أصبحت لاحقًا من أشهر السمات البصرية لزنجبار.
كما تضم المدينة مجموعة من أشهر المباني التاريخية التي تعود إلى القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، ومن بينها القلعة القديمة وبيت العجائب الذي شيده السلطان برغش بن سعيد، والحمامات الفارسية، إلى جانب المساجد والقصور والمنازل والأسواق التي تكشف مجتمعةً طبيعة المجتمع المتعدد الذي نشأ حول تجارة المحيط الهندي.
جانب من بيت الساحل
جانب من بيت الساحل
زيارة تتجاوز المكان
تكشف هذه المحطات التي زارها وفد جمعية الصحفيين العُمانية أن العلاقة بين عُمان وزنجبار لا يمكن اختزالها في صفحة سياسية من الماضي؛ فهي حاضرة في بيت تاريخي، ومدرسة، ومؤسسة إعلامية، وعمارة مدينة كاملة.
ففي مبنى الإذاعة القديمة تتحدث الجدران عن البدايات الأولى للصوت المسموع في الجزيرة، وفي مؤسسة البث الحديثة يظهر التحول إلى الإعلام الرقمي، وفي مجمع الاستقامة يتواصل جانب من الحضور العُماني عبر التعليم، بينما يعيد منزل السيدة فاطمة بنت علي الذاكرة إلى روابط الأسرة البوسعيدية بزنجبار، قبل أن تجمع ستون تاون هذه الخيوط كلها في فضاء عمراني ظل، رغم تغير الأزمنة، محتفظًا بجزء كبير من شخصيته التاريخية.
وبذلك أضافت الجولات الميدانية للملتقى الصحفي العُماني التنزاني بعدًا مختلفًا؛ إذ أتاحت للصحفيين أن يقرأوا العلاقات العُمانية الزنجبارية خارج الوثائق والكتب، وأن يشاهدوها في الأماكن التي صنعت جانبًا من تلك الذاكرة وما تزال تحمل آثارها إلى اليوم.

شارك هذا الخبر