بين “الترند” و “الهوية”: أين يقف الشباب العُماني؟

يواجه الشباب العُماني تدفق المصطلحات والأفكار عبر المنصات الرقمية، فيما يدعو مختصون إلى وعي نقدي ومرونة ثقافية تعززان الهوية الوطنية واللغة العربية.

بين “الترند” و “الهوية”: أين يقف الشباب العُماني؟
الشباب العماني
رصد - أثير
يعمل الشباب في سلطنة عُمان على إيجاد مساحة توازن تحافظ على هويتهم الثقافية الوطنية دون أن تعزلهم عن التطور الرقمي، وذلك نظرًا للتسارع التقني الرقمي وتداخل الثقافات عبر وسائل التواصل الاجتماعي، فهم يجدون أنفسهم أمام سيل متواصل من المصطلحات والأفكار وأنماط التعبير الجديدة وبين الانفتاح على العالم والتمسك باللغة الأصلية.
في هذا السياق يتحدث الدكتور زاهر بن بدر الغسيني، أكاديمي مُتخصص في التفاعل الثقافي، عن الوعي النقدي “أمام التنميط العالمي” ومدى قدرة الشباب على التعامل النقدي مع المفاهيم والقيم الثقافية التي تنتشر عبر المصطلحات الرقمية الشائعة لوكالة الأنباء العمانية قائلًا : " أرى أن الشباب العُماني يعيش اليوم أُسوة ببقية شباب العالم مرحلة من إعادة تعريف علاقته بهُويته الوطنية في فضاء مفتوح تتقاطع فيه ثقافات ومفاهيم متعددة تصل إليهم من مصادر مختلفة؛ إذ لم تعد الهُوية تنحصر ممارستها داخل حدود المجتمع فقط، بل أصبحت حاضرة في العالم الرقمي، من خلال ما نكتبه وننشره ونتفاعل معه، والصورة التي نختار أن نُقدمها عن أنفسنا وعن وطننا“.
وأوضح أن أكبر تحدٍ لا ينحصر في انتشار المصطلحات والمفاهيم الجديدة، كون أن الانفتاح على العالم أصبح جزءًا من طبيعة عصر الثورة التقنية، بل في قدرة الشباب العُماني على أن يكون واعيًا بما يتلقاه من خلال منصات التواصل الاجتماعي، وألا يتحوَّل من مستخدم للتقنية إلى مُستهلك للأفكار دون تمحيص، فنحن نشاهد يوميًا توجهات تنتشر بسرعة، مثل الدعوة إلى خوض “الترند” لمجرد الشهرة، أو الترويج لبعض السلوكيات بوصفها تعبيرا عن الحُرية الشخصية لمجرد أنها تحظى بانتشار واسع على المنصات الرقمية، وهنا يستطيع الشاب الواعي أن يتوقف ويسأل: هل هذا السلوك يتوافق فعلًا مع القيم التي أؤمن بها، أم أنني أتبنَّاه فقط لأنه يحظى بالانتشار؟
وأضاف: ينطبق الأمر على المحتوى الرقمي، فالوعي هنا لا يعني رفض الفكاهة، وإنما معرفة الحد الفاصل بين الطرافة والإساءة، وفي المقابل نرى شبابًا عُمانيين يوظفون المنصات الرقمية بصورة مختلفة، إذ يقدمون قصص النجاح العُمانية وتجارب الشباب في ريادة الأعمال والمبادرات التطوعية والمجتمعية بأساليب حديثة من خلال الفيديوهات القصيرة والبودكاست والمحتوى التفاعلي، وهذا يعكس صورة معاصرة للهُوية الوطنية.
وأوضح: أظنُّ أن التعامل مع المفاهيم التي تتعارض مع قيمنا وهُويتنا الوطنية لا ينبغي أن يرتكز على الرفض لمجرد الاختلاف، وإنما يبدأ بفهم المصطلح وسياقه والوقوف على الرسالة التي يحملها ثم مقارنته بقيمنا ومبادئنا، فإذا وجد الشاب أنها تتعارض مع ما يؤمن به فإن التصدي لها لا يعني الدخول في مواجهة أو مهاجمة أصحابها، وإنما في عدم إعادة نشرها وتصحيح المفهوم إذا كان مُضللًا وتقديم بديل إيجابي قادر على جذب الاهتمام نفسه، فالشاب الذي يعرف لماذا يرفض فكرة معينة سيكون أكثر قدرة على مواجهتها بوعي وأقل عُرضة للانجراف خلفها لمجرد أنها تحظى بالانتشار و “الترند”.
وأكد على أهمية وجود سفراء شباب للوعي الرقمي داخل المؤسسات التعليمية والمجتمعية، تكون مهمتهم فتح الحوار مع أقرانهم حول الظواهر والمفاهيم الجديدة، والأهم من ذلك هو إيجاد مساحات حوار تمنح الشباب فرصة السؤال والنقاش والاختلاف دون فرض مواقف أو أحكام جاهزة عليهم؛ لأن الهدف ليس أن نضع للشباب قائمة حصرية بما يُقبل وما يُرفض، بل أن نمنحهم الأدوات التي تُمكنهم من اتخاذ موقفهم بأنفسهم فالهُوية العُمانية في العصر الرقمي لن تحافظ على حضورها بالابتعاد عن العالم وإنما حين يكون للشباب حضور فاعل فيه فينفتحون على الجديد، ويميزون ما يتوافق مع قيمهم ويعيدون تقديم هُويتهم بلُغة العصر الرقمي.
ومن جانبها تحدثت رقية بنت سيف البريدي مدير مساعد قطاع التعليم والشباب والثقافة بمجلس الشورى عن التعامل الواعي مع اللغة اليومية وما إذا ما كانت هذه المصطلحات الأجنبية مجرد وسيلة عملية عابرة، أم أنها بدأت تؤثر فعليًا في طريقة تفكير الشباب وبناء لغتهم، وقالت: “أعتقد أن من مميزات اللغة العربية أنها مرنة ومنفتحة على التحولات التي تفرضها طبيعة الحياة المتسارعة في النمو والاتساع، فما نسمعه ونلفظه اليوم من زخم المصطلحات الدخيلة عليها يعدّ استجابة طبيعيّة لخصائص اللغة، فهي كائن حيّ يتفاعل مع كل المستجدات الفكريّة، والثقافيّة والسياسيّة، والاجتماعيّة، والاقتصاديّة، وتستقي مفرداتها من الواقع أو الوسط الذي تعيش فيه”.
وأشارت أن استخدام الشباب لتلك المصطلحات الأجنبية والرقمية لا يمكن تفسيره بالبعد عن اللغة والهويّة؛ إنما هو حاجة للتعبير عن مفاهيم حديثة ومتخصصة أصبحت سائدة بحكم التداول، وسهولة إيصال الفكرة، والمعلوم أنّ التواصل والاتصال بالآخر من وظائف اللغة الأساس وأداء هذه الوظيفة يتطلب تسخير المفردات بُغية التواصل الإيجابي الفاعل.
وأوضحت أن فكرة التنقية الواعية للغة تستدعيها المواقف والسياقات التي تُستخدم فيها اللغة، وتتطلب وعيا من الشباب وتمييزا للمواقف التي تسمح باستخدام المصطلح الأجنبي، وبين المواقف التي يجب فيها التمسك بالمفردة العربية أو المحلية بحكم أنها ستضيف قيمة لشخصه وانتمائه، وتعزّز هويّته فنحن لا نريد عزل اللغة العربية عن التطور، ولكن نحرص على الاستفادة الواعية دون المساس بسيادة لغتنا وثرائها، وما تتميز به من خصائص وظيفية تجعل التواصل أفقا لا منقطع.
وترى أن ظاهرة الاقتراض اللغوي في كل اللغات على امتداد العصور، وتعد أمرا طبيعيا، ولكن الجدير بالدراسة والبحث هو تأثير المصطلحات الأجنبية على التفكير وأساليب الحياة، ولاسيما عندما تسيطر المصطلحات الأجنبية الدخيلة على اللسان العربي، وتخلق نمطا لغويـا قد يصبح سائدا في الاستخدام وهذا يعني خطر الوقوع في فخ التفكير بلغة الآخر وهنا قد تحدث فجوة بين المرء وهويته؛ لذلك يجب الحذر في انتقاء المفردات والوعي بأهميّة فهم المواقف وأبعادها السياسيّة والفكريّة قبل اختيار المفردة اللغويّة.
وترى أن المرونة اللغوية لا تتعارض مع قيمة الاعتزاز بالهوية، كما أنّ تعزيز حضور اللغة العربية بجماليتها وثرائها اللغوي في التعليم والإعلام، ووسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية جمعيّة، ولا يجب بناؤها على مبدأ رفض الآخر وتجنب كل ما هو جديد وإنما يبنى على فكرة أن اللغة العربية قادرة على احتضان الآخر ومواكبة الاتساع المعرفي والتطورات التقنية بما يخدم الحياة الواقعية ويبني علاقات واعية مع اللغات الأخرى تُمكن الشباب من الانفتاح والوصول إلى العالم حاملين في قلوبِهم هويتَهم وتاريخهم وثقافتهم الأصيلة.
وفيما يتعلق بصناعة الهوية المضادة كون الشباب لم يعودوا مجرد متلقّين للمصطلحات الوافدة، بل منتجين يفرضون مفرداتهم وتراثهم في الفضاء الرقمي، ويقدّمون هويتهم المحلية بروح جديدة وبأسلوب بصري حديث يناسب العصر، قال محمد بن عيسى العزري ، مصمم في المؤثرات البصرية: إن أجمل ما حدث مع وسائل التواصل الاجتماعي هو أنها لم تعد مساحة تستقبل منها ثقافات الآخرين فقط، بل أصبحت مساحة يستطيع الفرد أن يصُدّر من خلالها ثقافته أيضًا.
وبيّن أنه في بدايات المنصات الرقمية كان التأثير يسير غالبًا في اتجاه واحد؛ نتابع المحتوى العالمي، نستخدم مصطلحاته، نقلد أساليبه البصرية، ونتأثر بما يصنعه الآخرون. لكن اليوم تغير المشهد بشكل واضح والشاب العُماني لم يعد مجرد متلق، بل أصبح منتجًا للمحتوى وقادرًا على أخذ شيء محلي جدًا وتحويله إلى مادة يفهمها ويتفاعل معها جمهور أوسع.
وأكد على أن الحفاظ على التراث لا يعني بالضرورة أن يُقدم بالطريقة نفسها التي كان يقُدّم بها قبل عشرات السنين، لكل جيل لغته البصرية وطريقته في استهلاك المعلومات، وإذا أردنا أن تبقى الهوية حاضرة لدى الأجيال الجديدة، فعلينا أن نجعلها قادرة على العيش داخل الأدوات والمنصات التي يستخدمونها اليوم.
وحول الحديث عن (المرونة الثقافية) أو ما يمكن أن نطلق عليه دراسة مدى قدرة الشباب على التكيف اللغوي والثقافي بين بيئتين قالت الباحثة في علم الاجتماع وطفه بنت مسعود الفارسي، أن الانتشار الثقافي قائم منذ بدء تكوين المجتمعات، والحضارات ولذلك وجدنا آثارًا مادية وأخرى غير مادية تؤكد هذه المسألة ورأينا تأثيرًا في أسلوب العمارة، ونقلًا لمنتجات وبضائع انتشر استخدامها من موطنها الأصلي لمناطق تجاورها، والأمر نفسه فيما يخص اللغات واللهجات، الموسيقى وحتى أصناف الطعام. إذن هو من طبيعة صيرورة الحياة أن يتبادل الناس أسلوب المعيشة، ويعرفون طرقًا مختلفة للعيش ربما لا تشبه طريقتهم“.
وأضافت : اليوم نحن نعيش هذا الانتشار بوتيرة أوسع وأسرع، بسبب توافر أدوات اختصرت الوقت والجهد وتصل إلى معظم الناس وبين أيديهم. وربما هذا ما يثير القلق من مسائل طمس الهوية، أو الانسلاخ من الثقافة الأم. ببساطة لا يمكن وقف أمر طبيعي الحدوث مثل الانتشار الثقافي، لا سيما متى ما توافرت الأدوات. وإدراك منافع هذا الأمر ومساوئه أيضًا جلية واضحة لمن يعي ذلك. لكن يمكن التعامل معه من خلال ما يسمى بالمرونة الثقافية ونعني بها القدرة على استيعاب المتغيرات الثقافية المتسارعة دون مقاومة أو انغماس. وأرى أن التعددية الثقافية تعد من ميزات هذا العصر لكنها يجب ألا تنسينا أننا نملك شيئا قيّما لا يقل عما لدى الآخر.
وبينت أن المرونة الثقافية تؤدي كذلك لمرونة نفسية واجتماعية وفكرية لأنك تقبل التنوع واختلاف الآخر دون إقرار وتوافق على ما هو عليه، المهم أن نكون أذكياء وقادرين على توظيفها التوظيف الصحيح في المواقف المناسبة، فالمرونة الثقافية لا تعني التسليم المطلق أو الاستقبال المفتوح بل تشمل الوعي الثقافي والمقدرة على التكيف إلى جانب امتلاك المهارات الاجتماعية اللازمة لذلك، وقد تعكس المرونة الثقافية مرونة مجتمعية بشكل عام في المجتمعات التي اعتادت وجود تنوع ثقافي داخلها.
وأكدت دراسة علمية محكّمة نُشرت في مجلة الآداب والعلوم الاجتماعية الصادرة عن جامعة السلطان قابوس العدد رقم 16 (2025)، واطلعت عليها ”أثير“، تحت عنوان ”الهُوية الوطنية العُمانية ودورها في حفظ مقدرات الوطن“، بأن الهوية الوطنية العُمانية ركيزة أساسية للحفاظ على مقدرات الوطن ومكتسباته وضمان تماسك نسيجه الاجتماعي.
وعدّ الباحثان د.نهى بنت حمد الصبحية وأ.د. محمد بن ناصر الصقري. أن الهوية الوطنية العُمانية اتسمت عبر العصور المختلفة بالوسطية والانفتاح على المجتمعات بمختلف أنواعها، وهي تواجه اليوم تحديات كبيرة تتعلق بحفاظها على خصوصيتها وتميزها في ظل التحولات، إذ أسهمت العولمة في نشر قيم ومفاهيم عالمية جديدة وذوبان الهويات الوطنية، وهدفت الدراسة إلى بحث تأثير الهوية الوطنية العمانية في حماية مقدرات الوطن ومكتسباته وتحديد مدى تأثيرها في تعزيز الانتماء الوطني، بالإضافة إلى تحديد العوامل التي تساعد في تعزيزها والحفاظ عليها.

شارك هذا الخبر