أثير- أمين بركة
تحت أشعة الشمس الساطعة في ولاية محوت بمحافظة الوسطى في عُمان، تشق شاحنات النقل الثقيل طريقها محملة بأطنان من رمال السيليكا البيضاء، في مشهد يختصر تواصل استغلال مورد طبيعي تتطلع سلطنة عُمان إلى توسيع الاستفادة منه عبر التصنيع المحلي.
وتتجاوز نسبة النقاوة في المشروع 98%، فيما تتجه خططه إلى تطوير معالجة الخام وتهيئته لاستخدامات صناعية أوسع، بالتوازي مع توجهات لإنشاء تجمع للصناعات القائمة على السيليكا في الدقم.
وفي هذا التقرير، ترصد “أثير” واقع السيليكا في عُمان، ومراحل استغلالها، والفرص المرتبطة بتطوير معالجتها وتصنيع منتجاتها محليًا.
ما السيليكا؟
السيليكا، أو ثاني أكسيد السيليكون (SiO₂)، مركب كيميائي يوجد في الطبيعة ضمن معادن عدة، أبرزها الكوارتز، الذي يشكل المكون الرئيس في كثير من رواسب رمال السيليكا.
وتختلف جودة هذه الرمال بحسب نسبة السيليكا فيها ومستويات الشوائب، خصوصًا أكاسيد الحديد والألومنيوم، إضافة إلى حجم الحبيبات وتوزيعها.
وبحسب وزارة الطاقة والمعادن، فإن أهم ما يميز السيليكا في عُمان هو وفرة مخزونها الطبيعي، وتكاملها مع موقع جغرافي ملائم يفتح آفاقًا واسعة للتصدير الإقليمي والدولي.
وتكونت خامات السيليكا في عُمان عبر عمليات تجوية ونقل وترسيب للصخور الغنية بالكوارتز، حيث تقوم الرياح ومجاري الأودية بإعادة تشكيلها وتركيزها في بيئات رملية وساحلية مناسبة.
وتؤدي عمليات الفرز الطبيعي مع الزمن وإعادة الترسيب إلى تقليل الشوائب ورفع نسبة النقاوة، ما ينتج رواسب سيليكا عالية الجودة صالحة للاستخدامات الصناعية المختلفة.
وتوجد السيليكا في الطبيعة بأشكال بلورية وغير بلورية، ويُعد الكوارتز من أبرز أشكالها البلورية، وتؤثر البيئة المعدنية والتركيب الكيميائي ومستويات الشوائب في خصائصها، ومن ثم في الاستخدامات الصناعية التي يمكن توجيهها إليها.
صناعات متقدمة
تُستخدم رمال السيليكا في صناعات متعددة، أبرزها الزجاج بمختلف أنواعه، والسيراميك، ومواد البناء، ووسائط الترشيح، والسبائك المعدنية، وبعض التطبيقات المعدنية والكيميائية.
وتحدد مواصفات الخام ودرجة معالجته الاستخدامات التي يمكن توجيهه إليها؛ فصناعة الزجاج الشمسي، على سبيل المثال، تتطلب ضبطًا دقيقًا لمستويات الشوائب، فيما تحتاج التطبيقات المرتبطة بالسيليكون الإلكتروني إلى مراحل معالجة وتنقية متقدمة.
ويدخل الزجاج المستخلص من رمال السيليكا في تصنيع الأواني الزجاجية وزجاج الكريستال والألواح الزجاجية والألياف الزجاجية وزجاج البصريات وقوالب السباكة، إضافة إلى الزجاج المستخدم في الألواح الشمسية، حيث تُصهر الرمال عالية النقاوة عند درجات حرارة تتجاوز 1700 درجة مئوية لصناعة الزجاج.
كما تدخل السيليكا في صناعة الخزف والطوب والسيراميك والمواد المقاومة للحرارة، ووسائط ترشيح المياه في محطات المعالجة وأحواض السباحة، فضلًا عن استخدامها في بعض تطبيقات الصقل وعمليات التصنيع المعدني.
وتُستخدم السيليكا أيضًا في صناعة الصوف الزجاجي، إذ تُصهر وتُحول إلى ألياف تدخل في العزل الحراري والصوتي.
ويتيح تطوير معالجة السيليكا محليًا توفير خامات بمواصفات مناسبة للمصانع، ويفتح المجال أمام التوسع في تصنيع المنتجات الزجاجية بدلًا من الاكتفاء بتوريد المادة الخام.
وبحسب بيانات وزارة الطاقة والمعادن، بلغ إنتاج خامات الرمل الزجاجي والكوارتز والسيليكا في عُمان نحو 200 ألف طن خلال عام 2025.
تواصل الإنتاج في محوت
تشير بيانات منصة “WITS” التابعة للبنك الدولي إلى أن عُمان استوردت نحو 81.7 ألف طن من رمال السيليكا ورمال الكوارتز في عام 2024، بقيمة بلغت 6.14 مليون دولار.
ولتقليل الاعتماد على استيراد رمال السيليكا وتلبية الطلب المحلي المتنامي، خطت سلطنة عُمان خطوة استراتيجية في أكتوبر 2024، تمثلت في توقيع وزارة الطاقة والمعادن اتفاقية لإنتاج رمال السيليكا في منطقة الامتياز F51 بولاية محوت في محافظة الوسطى.
وبعد نحو عام، بدأت عمليات الإنتاج في المشروع الذي تُقدر احتياطاته المؤكدة بنحو 47 مليون طن، فيما تبلغ الطاقة الإنتاجية الأولية للمشروع 100 ألف طن سنويًا، بنسبة نقاوة تتجاوز 98%، ويمتد المشروع على مساحة تبلغ 5 كم².
ولاحقًا، صدرت عُمان رمال السيليكا إلى أسواق إقليمية عدة في محاولة لتلبية الطلب المتنامي عليها، إلى جانب تعزيز حضور السلطنة في هذا السوق.
وتتجه خطط المشروع في المراحل المقبلة إلى تنفيذ معالجة أولية لخام السيليكا لرفع جودته، بما يهيئ فرصًا لاستقطاب صناعات متقدمة تشمل الزجاج والصناعات الكيميائية والمعدنية.
ويتولى مركز استشارات علوم الأرض مسؤولية تشغيل المشروع وتطويره، بما في ذلك الجوانب الاستثمارية والتشغيلية، فيما تتولى شركة تنمية معادن عُمان دور المشرف العام عليه.
وفي أبريل 2026، وقعت موانئ أسياد والمناطق الحرة اتفاقية استراتيجية مع مركز استشارات علوم الأرض لتصدير رمال السيليكا عبر ميناء الدقم، بهدف تسهيل وصول الخام إلى الأسواق العالمية وتعزيز مكانة سلطنة عُمان كمركز إقليمي لموارد المعادن.
وتتيح الاتفاقية الاستفادة من البنية التحتية والمرافق اللوجستية في ميناء الدقم لربط الإنتاج بسلاسل الإمداد العالمية بكفاءة أعلى.
مخطط لإنشاء تجمع صناعي للسيليكا
لا تقتصر الخطط المتعلقة بالسيليكا على موقع الاستخراج في محوت؛ فقد برزت المنطقة الاقتصادية بالدقم ضمن التوجهات الرامية إلى تطوير منظومة صناعية تستفيد من هذا المركب الكيميائي، ففي منتصف 2026، تحدثت الهيئة العامة للمناطق الاقتصادية الخاصة والمناطق الحرة عن توجه لإنشاء تجمع للصناعات القائمة على السيليكا في الدقم.
ويُتوقع أن يتيح المشروع، في حال تنفيذه، أن يكون قاعدة لتطوير صناعات تحويلية تعتمد على السيليكا، للمساعدة في رفع القيمة المضافة للموارد المعدنية وتوسيع الصناعات المرتبطة بالطاقة النظيفة.
وتشمل الصناعات المطروحة إنتاج الزجاج الشمسي والزجاج المتخصص، وألواح الطاقة الشمسية، والفيروسيليكون، ومواد قائمة على السيليكون تدخل في تطبيقات صناعية مختلفة.
الخلاصة
تواصل سلطنة عُمان بخطى واثقة جهودها لإنتاج الصناعات القائمة على رمال السيليكا بدلًا من تصديرها كمادة خام، بهدف خلق قيمة مضافة ودعم الصناعات التقنية، تماشيًا مع أهداف التنويع الاقتصادي ضمن مستهدفات رؤية عُمان 2040.





