أثير- د. محمد بن حمد العريمي
”الكويت في ذاكرة العمانيين“ هو عمل توثيقي-تاريخي عالج من خلاله مؤلفه الباحث عبد العزيز الصوري حضور دولة الكويت في الذاكرة العُمانية عبر مسارات متعددة، مستندًا إلى الشهادات الشفوية، والوثائق، والمواد الصحفية، والرسائل، والصور، بما يجعله مرجعًا مهمًا لدراسة التواصل الخليجي-الخليجي خارج الإطار السياسي الرسمي.

الإهداء
يهدي الصوري كتابه ”إلى من عادوا إلى عُمان، وهم يحملون في قلوبهم ذكرى الكويت، وماتركته فيهم من إثرٍ لا يُنسى“، وهو يقصد الجيل الذي عاش تجربة الاغتراب والعمل والتعليم، وهذا ما يضع الكتاب منذ الصفحة الأولى في إطار اجتماعي إنساني لا رسمي، حيث يعكس إهداء عبدالعزيز الصوري توجهًا واضحًا نحو قراءة التجربة العُمانية في الكويت من زاوية إنسانية، حيث تتحول الكويت من فضاء جغرافي إلى ذاكرة جمعية راسخة، يحملها العائدونمعهم بوصفها أثرًا وجدانيًا وثقافيًا لا يُمحى، وهو ما يؤكد طبيعة العلاقة التاريخية بين المجتمعين بعيدًا عن السرد الرسمي التقليدي.
فكرة الكتاب
يذكر المؤلف عبد العزيز الصوري، في لقاءٍ مع مُعدّ التقرير، أن فكرة كتاب ”الكويت في ذاكرة العمانيين“ انبثقت من ملاحظة متكرّرة خلال مقابلاته مع عددٍ كبير من العُمانيين الذين عملوا في دولة الكويت؛ إذ كان ذكر الكويت حاضرًا بقوة في أحاديثهم، ومقترنًا بذكريات شخصية وتجارب إنسانية عميقة؛ ما جعله يشعر بأن هناك قصصًا غير مكتوبة تستحق أن تُروى وتُحفظ من النسيان.
ويضيف الصوري أن دافعًا آخر لبلورة فكرة الكتاب ارتبط بتجربة شخصية عابرة ذات دلالة؛ فعندما كان يقضي إجازته في باريس، استوقفه منظر سفينة خشبية معروضة بالقرب من نافورة أمام برج إيفل، وبسؤاله عن الأمر، تبيّن له وجود معرضٍ خاص بالتاريخ البحري العُماني، وهو ما أيقظ لديه رغبة أعمق في استكشاف جوانب التاريخ العُماني خارج حدوده الجغرافية، ولا سيما في ظل وجود قواسم تاريخية مشتركة بين عُمان والكويت، وبالأخص في مجال التاريخ الملاحي والبحري.
ومن هنا تبلورت فكرة الكتاب بوصفه مشروعًا لتوثيق الذاكرة، يجمع بين الشهادة الإنسانية والتاريخ المشترك، ويسعى إلى إعادة قراءة حضور الكويت في الوجدان العُماني، ضمن سياقٍ أوسع من التفاعل الخليجي القائم على التنقّل، والعمل، والثقافة، والبحر.
موضوعات الكتاب ومحاوره
احتوى الكتاب على عشرة فصول متنوعة تناولت جوانب عديدة تتعلق بدوافع هجرة العمانيين إلى الكويت منتصف القرن الماضي والأسباب الاقتصادية والاجتماعية التي دفعت العُمانيين إلى الهجرة نحو الكويت، في ظل محدودية فرص العمل داخل عُمان آنذاك، مقابل الحراك الاقتصادي المتنامي في الكويت، ورحلة الوصول إليها حيث وثّق المؤلف مسارات السفر، وصعوبات الرحلة، وظروف الوصول الأولى، وكيفية الاندماج في المجتمع الكويتي، بما يعكس جانبًا مهمًا من تاريخ التنقل الخليجي.

كما استعرض الكتاب أنماط الأعمال التي اشتغل بها العُمانيون في الكويت، وظروفهم المعيشية، والعلاقات الاجتماعية التي نشأت بينهم وبين المجتمع المضيف.

وأفرد الباحث فصلًا لدور الكويت في تعليم العُمانيين، سواء عبر المدارس أم البعثات، وتأثير ذلك في تكوين جيل متعلم أسهم لاحقًا في بناء الدولة الحديثة في عُمان.

وناقش الباحث في كتابه دوافع عودة العمانيين من الكويت، وتوقيتاتها، وما حمله العائدون من خبرات وتجارب مهنية وثقافية انعكست على المجتمع العُماني. كما حلّل أشكال التأثر الثقافي، من خلال الأدب، والمسرح، والصحافة، وأساليب الحياة، ودورها في توسيع الأفق الثقافي للعُمانيين.
كما سلّط الباحث الضوء على ممارسة كرة القدم بين العُمانيين في الكويت، ودورها في تشكيل الوعي الرياضي الذي انتقل لاحقًا إلى سلطنة عُمان وأسهم في تأسيس الحركة الرياضية الحديثة.

وتناول الباحث علاقة الصحافة الكويتية ببدايات النهضة العُمانية، من حيث التغطيات الإعلامية، والدعم المعنوي، وإبراز التحولات السياسية والتنموية في عُمان.

واعتمد الكتاب على روايات شخصية تعكس تفاصيل الحياة اليومية، والعادات، والتجربة المعيشية للعُمانيين في الكويت، كما استعرض الكتاب مواد صحفية ومراسلات وصور نادرة تُضيء زوايا غير مطروقة في تاريخ العلاقات.
مؤلف الكتاب:
أما مؤلف الكتاب فهو الباحث عبد العزيز الصوري حاصل على درجتي البكالوريوس والماجستير في الآداب تخصص الصحافة من دبلن بجمهورية إيرلندا، ويعمل موظفًا في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب بدولة الكويت، وهو محرر بمجلة ”العربي“ وله عدّة مقالات واستطلاعات صحفيّة.
كما صدر له كتاب حول الجالية الإيرلندية في دول الخليج العربي، وقد شارك مؤخرًا بورقة عمل بحثية بعنوان; الأسر الصورية في الكويت في مؤتمر ”البعد التاريخي والحضاري لولاية صور“ الذي انعقد في ولاية صور خلال الفترة من 7-9 ديسمبر 2025م.

أهمية الكتاب:
تكمن أهمية كتاب ”الكويت في ذاكرة العمانيين“ في كونه محاولة جادّة ومنهجية لتوثيق الذاكرة الشفوية المتصلة بالعلاقات العُمانية–الكويتية، من خلال مزج الروايات الشفوية بالوثائق المكتوبة، والصحافة، والصور، بما يقدّم سردًا تاريخيًا متكاملًا يتجاوز الإطار الرسمي إلى البعد الإنساني والاجتماعي.
ويمثّل الكتاب مرجعًا مهمًا للباحثين في مجالات دراسات الهجرة الخليجية، والهوية، والتاريخ الاجتماعي، إذ يضيء جانبًا من أنماط التنقّل والعمل والتعليم بين دول الخليج خلال منتصف القرن العشرين، ويوثّق أثر تلك التجارب في تشكيل الوعي الفردي والجمعي للعُمانيين.
كما يسهم الكتاب في تعزيز العلاقات الخليجية المشتركة عبر إبراز عمق التفاعل العُماني–الكويتي تاريخيًا وثقافيًا، مؤكّدًا أن هذه العلاقات لم تكن طارئة أو محصورة في الأطر السياسية، بل تأسست على تجارب إنسانية متراكمة، وروابط اجتماعية وثقافية راسخة، أسهمت في بناء جسور التواصل بين المجتمعين.




