سلطنة عمان والحكمة الاقتصادية والقرار السيادي

سلطنة عمان والحكمة الاقتصادية والقرار السيادي
سلطنة عمان
ياسر البرعمي - رجل أعمال
في عالم يشهد تقلبات غير مسبوقة، لم تعد أزمات الاقتصاد والصحة والطاقة والحروب أحداثًا عابرة، بل تحوّلت إلى ظواهر كاشفة لمحدودية النظام العالمي، وافتقاره إلى العدالة والقدرة على حماية أعضائه. وفي خضم هذا الواقع المتوتر، تبرز سلطنة عمان كنموذج فريد في التوازن والحكمة، حيث أضحى الاقتصاد الوطني مرآة لنهج سيادي رشيد يتجنب المجازفة ويعلي من قيمة الاستدامة والانضباط.
عاصفة عالمية، لا أزمة عابرة
ما يواجهه العالم اليوم لا يمكن اختزاله في مجرد تقلب اقتصادي، فنحن أمام عاصفة مكتملة الأركان: تضخم عالمي متسارع، وتصاعد في الديون السيادية، واختناقات في سلاسل الإمداد، وتحولات جيوسياسية تعيد تشكيل خارطة التحالفات والنفوذ.
هذه التحديات أظهرت هشاشة النظام العالمي، خصوصًا مع تراجع فعالية العولمة المفرطة التي كانت تبشر بالتكامل الاقتصادي، لكنها تحولت إلى مصدر تبعية ومكامن ضعف.
من التعاون إلى التنافس: تغير دور الاقتصاد عالميًا
لم تعد القوى الكبرى تتعامل مع الاقتصاد كمساحة للتعاون، بل بات أداة صراع، وذلك من التعريفات الجمركية إلى العقوبات، ومن التحكم بالبنى المالية إلى استغلال سلاسل التوريد كسلاح ضغط. وهكذا، لم تعد القوانين الدولية والمؤسسات متعددة الأطراف قادرة على ضمان العدالة الاقتصادية أو حتى الحماية.
عمان: السير في الطريق الأصعب والأكثر حكمة
في هذا المشهد الدولي الصاخب، اختارت سلطنة عمان طريقًا مختلفًا، فهي لم تركض خلف المجازفات ولم تنخرط في سباق القرارات العشوائية. بل تبنّت نهجًا هادئًا قائمًا على الإصلاح التدريجي والانضباط المالي. هذا النهج كان بمثابة طوق نجاة فعلي، ساهم في إخراج الاقتصاد الوطني من الأزمات دون أن يدفع المجتمع الثمن.
هذه المقاربة، وإن لم تكن مثيرة للعناوين العاجلة، إلا أنها تمثل سياسة صلبة تحمي الداخل في عالم مليء بالمفاجآت والمخاطر الخارجية.
بين الاستقلال والعزلة: المفارقة العالمية
اليوم، تتسابق دول العالم نحو “الاستقلال الإستراتيجي” في الغذاء والطاقة والتمويل. وعلى الرغم من أهمية هذا التوجه لضمان الأمن الوطني، إلا أنه ينطوي أيضًا على خطر الانعزال الاقتصادي، مما قد يؤدي إلى بناء “عالم القلاع”: عالم أقل كفاءة وأكثر هشاشة.
وهنا، تتميز سلطنة عمان بعدم انسياقها نحو العزلة، وفي الوقت نفسه بعدم انكشافها على المخاطر العالمية. فقد تبنت نموذجًا متوازنًا يمزج بين الانفتاح المحسوب والسيادة الاقتصادية.
من الإرث السياسي إلى التجديد الاقتصادي
ورث حضرة صاحب الجلالة السلطان هيثم بن طارق المعظم حفظه الله ورعاه إرثًا سياسيًا متينًا من السلطان الراحل قابوس بن سعيد طيب الله ثراه، قوامه سياسة خارجية متوازنة وحياد إيجابي وإحترام دولي. التحدي لم يكن فقط الحفاظ على هذا الإرث، بل تطويره ليتماشى مع التحولات الاقتصادية دون الإخلال بجوهره.
وقد شملت الرؤية الاقتصادية الجديدة إعادة هيكلة الاقتصاد العماني ليصبح أكثر تنظيمًا ومأسسةً، جاذبًا للاستثمار طويل الأمد، وقائمًا على تشريعات دقيقة وحوكمة رصينة، مع تركيز على قطاعات مستدامة بدل المشاريع قصيرة العمر.
تجربة شخصية
في البداية، كنت متحفظًا، إذ اعتدت على قرارات سريعة، وكنت أرى بعض الخطوات حذرة أكثر مما ينبغي في عالم سريع التحول. لكن مع الوقت، والأرقام، والتجربة، تعلّمت درسًا مهمًا: أن عدم المجازفة في لحظات التحول الكبرى ليس ترددًا، بل هو نوع من القيادة الحكيمة.
ما كنت أراه بطئًا، اتضح أنه تبصر، وما اعتقدته تحفظًا، اتضح أنه حماية مدروسة لاقتصاد وطن ومجتمع. ففي زمن تقاس فيه السيادة بمدى القدرة على الصمود تحت الضغط، لا تكفي الشعارات.
المستقبل يصنع بالحكمة لا بالاندفاع
كلما سافرت إلى بلدان أخرى، ازددت اقتناعًا بأن الاقتصادات الناجحة لا تبنى بردود الأفعال، بل برؤية بعيدة المدى وتخطيط هادئ ومتأني. الحمد لله أن بلدي، سلطنة عمان، بقيادة جلالة السلطان، يسير بخطى ثابتة نحو مستقبل حقيقي، لا تغريه الفقاعات ولا تطيح به العواصف.
وأختم بما قاله المتنبي:
الرأي قبل شجاعة الشجعانِ
هو أولٌ وهي المحلُّ الثاني

شارك هذا الخبر