د. عبدالعزيز بن سعيد الغريبي
في عالمٍ تشتد فيه الاستقطابات وتتزاحم فيه السرديات، تبرز السيادة الفكرية كأثمن ما تملكه الأمم. فهي ليست مجرد قرار سياسي، بل حالة من اليقظة الذهنية التي تجعل المجتمع قادرًا على إدراك ذاته وصون هويته من المؤثرات العابرة. إن الوعي الوطني هو خط الدفاع الأول لأنه يفلتر الأفكار قبل دخولها، وهو خط الدفاع الأخير لأنه الجوهر الذي يبقى صامداً حين تتبدل الظروف.
فالسيادة الفكرية في التجربة العمانية لم تُصنع في لحظة سياسية عابرة، بل تشكلت عبر قرون من الانفتاح البحري والتفاعل الحضاري مع الشرق والغرب.
ولعل أقرب مثال لفهم هذا الوعي هو عقلية الملاح العماني عبر التاريخ. فالملاح في عرض المحيط لا يعتمد على قوة سفينته فحسب، بل على وعيه الشامل بالنجوم والرياح وتيارات البحر. هذا الوعي ليس حالة درامية من الصراع، بل هو هدوء إستراتيجي ومعرفة عميقة بالمسار. وعندما يمتلك الإنسان هذه البوصلة الداخلية فإنه لا ينجرف خلف العواصف العابرة، بل يظل متمسكًا بوجهته؛ فالأمان الحقيقي يكمن في إدراك الصورة الكلية لا في الانفعال بجزئيات اللحظة، وفي فهم المسار العام لا في الارتهان لتقلبات الأحداث العابرة.
ومن هنا تتضح خصوصية التجربة العمانية؛ فسيادتها الفكرية لم تتشكل في اتجاه واحد، بل في حراك متوازن يتبادل فيه المجتمع وقيادته أثر الوعي وصياغة الرؤية. فقد تَخَلَّق هذا الوعي في وجدان الناس وتاريخهم، حتى غدا جزءًا من إدراكهم لذاتهم وموقعهم في العالم، لتجد فيه القيادة الرشيدة أساسًا راسخًا تُبنى عليه مواقف الدولة وتوجهاتها. وفي المقابل، تعود سياسات الدولة ومواقفها لتغذي هذا الوعي وتعززه، في دورة مستمرة من الفهم المتبادل والثقة المتبادلة.
بهذا المعنى، لا يُفرض الوعي من الأعلى، ولا يبقى حبيس القاعدة؛ بل يتبلور في مساحة مشتركة تتلاقى فيها حكمة المجتمع مع رؤية القيادة. ومن هذا التلاقي تتكرس السيادة الفكرية بوصفها وعيًا جمعيًا يحفظ توازن المسار، ويمنح المجتمع القدرة على قراءة المشهد بصفاء حتى حين تختلط الرؤى عند الآخرين.
غير أن بعض القراءات القاصرة قد ترى في التفرد العماني نوعًا من العزلة. لكن التاريخ يكشف العكس تمامًا. فالعقل العماني لم يكن يومًا منغلقًا في دائرة إقليمية ضيقة، بل امتدت رؤيته عبر البحار والطرق التجارية والثقافية التي ربطت عمان بالعالم. هذا الامتداد التاريخي منح التجربة العمانية مدى رؤيويًا أوسع؛ فالنظر إلى الجوار لم يكن يومًا محكومًا بثنائية “مع” أو “ضد”، بل بفهم أعمق لتعقيد المشهد الإقليمي وتوازناته. ومن هنا فإن استقلالية القرار العماني ليست انقطاعًا عن العالم، بل هي في حقيقتها اتصال ذكي بالحقائق الكبرى، يجنّب البلاد الانجرار خلف الاصطفافات الضيقة أو الأجندات التي تسعى إلى إعادة تشكيل المنطقة وفق مصالح لا تعبر عن شعوبها ولا عن تاريخها.
وفي زمن تتسارع فيه أدوات التأثير، تفرض السيادة الفكرية على المجتمعات أن تكون أكثر حذرًا من تأجير عقولها لسرديات خارجية، مهما تزينت بعبارات وحدوية براقة أو شعارات عاطفية مؤدلجة. ففي عصر التضليل الرقمي وتدفق المعلومات غير المنضبط، تتزايد المحاولات الرامية إلى إقناع المجتمعات بأن قوتها تكمن في تبعيتها لمواقف الآخرين أو في التخلي عن ثوابتها. غير أن الوعي العميق يدرك أن قوة التجربة العمانية لم تنبع يوماً من تقليد الآخرين، بل من رسوخ قيمها العربية والإسلامية والإنسانية، ومن قدرتها على التمييز بين الضجيج العابر والمصالح الحقيقية طويلة الأمد.
وفي نهاية المطاف، تبقى السيادة الفكرية مسألة تبدأ من الداخل؛ من عقل لا يقبل التضليل، ومن قلب مؤمن بعمق أصالته وثابت على مبادئه.
إن وعينا هو ميزاننا، ووحدتنا خلف بوصلة القيادة الحكيمة لسلطاننا هيثم بن طارق المعظم حفظه الله هي انعكاس لحكمة شعب أدرك عبر التاريخ أن الاتزان قوة، وأن الاستقلال في الرؤية هو أساس الاستقرار. فلنحافظ على هذه السيادة الفكرية بوصفها أثمن ما نملك، ولتبقَ عُمان دائمًا بوصلة للاتزان، تمتلك شجاعة الاختيار، ورحابة الأفق، وحصانة الفكر.





