من “طيران الخليج” إلى “السلام” وفكرة المشغل الثالث: كيف تغيرت رحلة الطيران في سلطنة عمان؟


من “طيران الخليج” إلى “السلام” وفكرة المشغل الثالث: كيف تغيرت رحلة الطيران في سلطنة عمان؟

الطيران
أثير – جميلة العبرية
‏‎في خطوة تعكس تحوّلًا إستراتيجيًا في إدارة قطاع الطيران، استحوذت حكومة سلطنة عمان على حصة تصل إلى 90% من شركة “طيران السلام”، ضمن توجه لإعادة هيكلة القطاع وتعزيز كفاءته المالية والتشغيلية، في وقت تتزايد فيه التحديات الإقليمية والمنافسة في سوق الطيران منخفض التكلفة.
صفقة تتجاوز “الملكية” إلى إعادة التشكيل
‏‎لا يُنظر إلى الاستحواذ بوصفه مجرد نقل ملكية، بل جزء من خطة أوسع تهدف إلى بناء منظومة طيران متكاملة؛ فالحكومة تسعى إلى تقليل التداخل بين “الطيران العُماني” و”طيران السلام”، وتحويل العلاقة من تنافس داخلي إلى تكامل وظيفي، يوازن بين الرحلات الاقتصادية والخدمات الكاملة.
‏‎وبحسب ما أُعلن، ستبقى الشركتان مستقلتان من حيث التشغيل والهوية، مع توجيه كل منهما إلى شريحة سوقية مختلفة، وهو نموذج مشابه لتجارب إقليمية ناجحة.
‏‎
لماذا الآن؟
‏‎يأتي هذا التحرك في سياق عدة اعتبارات:
- تحسين الأداء المالي لشركات الطيران الوطنية
- تعزيز الربط الجوي الداخلي والإقليمي
- دعم مستهدفات السياحة ضمن “رؤية عُمان 2040”
- مواجهة المنافسة المتزايدة من شركات الطيران منخفضة التكلفة في المنطقة
كما أن “طيران السلام”، رغم نجاحه في توسيع شبكة وجهاته، ظل يعمل ضمن هيكل استثماري شبه حكومي، ما جعل انتقاله إلى ملكية حكومية مباشرة خطوة منطقية في مرحلة إعادة التنظيم.
نموذج ثنائي: اقتصادي وتقليدي
‏‎تشير المؤشرات إلى أن السلطنة تتجه إلى تبني نموذج مزدوج:
* الطيران العماني: ناقل تقليدي يركز على الرحلات الطويلة والخدمات المتكاملة
* طيران السلام: ناقل اقتصادي يستهدف الرحلات الإقليمية والتكلفة المنخفضة
‏‎هذا التوزيع لا يهدف فقط إلى تنويع الخدمات، بل إلى تعظيم العوائد وتقليل الازدواجية التشغيلية.
‏‎
هل هناك اندماج؟
‏‎رغم الحديث المتكرر، تؤكد الجهات الرسمية أنه لا توجد نية حالية لدمج الشركتين، بل التركيز على التكامل في الشبكات والوجهات وإدارة الموارد.
‏‎الطيران في سلطنة عمان
‏‎لفهم دلالة هذه الخطوة، لا بد من العودة إلى تاريخ الطيران في السلطنة:
‏‎
البدايات: طيران الخليج
‎منذ سبعينيات القرن الماضي وتحديدًا في عام 1978م، كانت سلطنة عمان أحد المساهمين في “طيران الخليج” الذي بدأ باتفاقية تأسيس شركة مساهمة إقليمية تجمع الدول الشركاء في الناقل الإقليمي المشترك باسم (شركة طيران الخليج) مقرها مملكة البحرين وبرأس مال بلغ 28 مليون ريال عماني، يصل سهم كل شريك 7 ملايين والملاك هم مملكة البحرين، وسلطنة عمان، ودولة الإمارات العربية المتحدة ودولة قطر، حينها مثّل هذا النموذج أول تجربة للطيران المدني المنظم في السلطنة، وربطها بالعالم خارجيًا.
التحول: الطيران العُماني
‏‎تأسست شركة الطيران العماني في 1981م وهي من أوائل الشركات التي أدرجت في بورصة مسقط “سوق مسقط للأوراق المالية سابقا”، وأصبحت تحت إدارة الحكومة كإدارة مباشرة. وفي مارس 1993م، سيّر الطيران العُماني رحلته التشغيلية الأولى بين مسقط وصلالة، وبعد 4 أشهر سيّر أول رحلة دولية إلى دبي في يوليو من العام نفسه.
في عام 2007، قررت السلطنة الانسحاب من “طيران الخليج” والتركيز على تطوير “الطيران العُماني” كناقل وطني مستقل ومنذ ذلك الحين، توسعت الشركة تدريجيًا في أسطولها وشبكة وجهاتها، مع التركيز على الجودة والخدمات الكاملة.
‏‎
دخول المنافسة: طيران السلام
‎في عام 2016م، تم الإعلان عن تأسيس أول شركة طيران اقتصادي في سلطنة عُمان تحت اسم “طيران السلام”، التي بدأت عملياتها في عام 2017م. وبلغ رأس المال المدفوع لطيران السلام 15 مليون ريال عماني، وهو ما أشار إليه الرئيس التنفيذي للشركة بقوله: “سوق الطيران الاقتصادي في المنطقة ينمو بشكل كبير حسب الدراسات والأرقام وكان لا بد يكون لنا في السلطنة جزء من هذه السوق ومن هذا المنطلق رأينا ضرورة دخولنا في هذا القطاع”، مستهدفة شريحة المسافرين الباحثين عن أسعار منخفضة، ما أحدث توازنًا في السوق وفتح خيارات جديدة، فهو يُسيّر رحلات إلى أكثر من 44 وجهة في أكثر من 38 وجهات محلية وخارجية بمعدل 80 رحلة يوميًا.
وينطوي طيران السلام تحت شركة مسقط الوطنية للتطوير والاستثمار ’أساس‘، التي أنشأت عام 2014 عبر تعاونٍ مشترك بين 10 مؤسسات حكوميّة آنذاك.
‏‎
ما الذي يتغير الآن؟
‏‎المرحلة الحالية تمثل انتقالًا من “تعدد اللاعبين (المشغلين)” إلى “إدارة موحدة”، حيث تسعى الحكومة إلى:
* ضبط التكاليف التشغيلية
* تحسين استغلال الأسطول
* توجيه كل شركة إلى دور محدد
* رفع كفاءة القطاع ككل
‏‎كما تشير بعض التصاريح الإعلامية لهيئة الطيران المدني إلى طرحت فكرة المشغل الثالث للطيران، وتم اختبار السوق لمعرفة جدواها.
‎الاستحواذ على “طيران السلام” قد يشكل نقطة تحول في مسار الطيران العماني، خاصة إذا نجحت الحكومة في تحقيق التوازن بين الكفاءة المالية والتوسع التشغيلي.
‎ففي عالم الطيران، لم تعد المنافسة تقاس بعدد الطائرات أو الوجهات فقط، بل بقدرة الدول على إدارة منظومة متكاملة تجمع بين التكلفة والجودة، وهو ما يبدو أن السلطنة تسعى لتحقيقه اليوم.

شارك هذا الخبر