خاص- أثير
في عالم العلاقات الدولية، حيث تتصادم القوة الغاشمة مع العقائد الراسخة، يبرز “البقاء” كالاختبار الأكثر قسوة للأنظمة السياسية. واليوم، في مارس 2026، يتجلى مشهد دراماتيكي يعيد صياغة مفاهيم الصراع؛ وفي قراءة تحليلية معمقة، تبحث “أثير” في مآلات المواجهة العسكرية الأخيرة بين واشنطن وطهران، وترصد كيف تحولت استراتيجية “قطع الرأس” التي تبناها الرئيس دونالد ترمب إلى فخ سياسي واقتصادي هز أركان الداخل الأمريكي. فبينما راهن ترمب على سقوط طهران عبر استراتيجية عسكرية خاطفة، وجد نفسه يواجه “انقلاب السحر على الساحر”؛ حيث صمدت طهران بعقيدتها، بينما اشتعلت واشنطن باحتجاجاتها.
بنية النظام الإيراني.. مؤسسات لا أفراد
يتطلب فهم قدرة النظام الإيراني على الاستمرار تفكيك بنيته الداخلية العميقة، فهي بنيةٌ تتجاوز كاريزما الفرد لتستند إلى شبكة معقدة من المؤسسات الدينية، والعسكرية، والسياسية. يعرف بـ “عقيدة البقاء” لدى طهران بأنها مجموعة مبادئ تضع استمرار الدولة كهدف أسمى يُشرعن أي خيار استراتيجي مهما بلغت كلفته، حيث يُعد بقاء هيكل الدولة هو الهدف الأسمى الذي تذوب أمامه كافة التضحيات.
هذه العقيدة ليست وليدة اللحظة، بل تمتد جذورها إلى تجربة الحرب العراقية-الإيرانية (1980-1988)، حيث تحول منع الانهيار في حد ذاته إلى نصر إستراتيجي. لقد استوعبت طهران دروس التاريخ، فأنشأت نظاماً قادراً على امتصاص الصدمات عبر اللامركزية وخطط الطوارئ التي تضمن استمرارية القرار حتى في أحلك الظروف.
“الإيمان السيادي”.. المجتمع الذي لا ينقلب على نفسه
إلى جانب الهيكل المؤسسي، يستند النظام الإيراني إلى نسيج ثقافي وعقائدي يُسمى “الإيمان السيادي”؛ وهو مزيج فريد بين الهوية القومية والكرامة الإسلامية. لقد نجح النظام على مدار أربعة عقود في ترسيخ قناعة جمعية بأن أي تهديد للنظام هو تهديد للوجود الشيعي والكرامة الوطنية في قلب الشرق الأوسط.
هذا التلاحم العقائدي أوجد كتلة صلبة من المجتمع ترى في التدخل الخارجي امتداداً لقرون من محاولات السيطرة الغربية. لذا، فإن المراهنة على انقسام الشعب الإيراني تحت وطأة القصف أثبتت فشلها؛ فالعقيدة التي نُسجت بالدم في الجبهات جعلت من الصمود جهاداً وجودياً، وأحالت فكرة الانهيار السريع إلى وهم سياسي يصطدم بواقع التماسك الداخلي.
وهم “قطع الرأس”، و عقيدة الصمود الوجودي
عندما بدأ دونالد ترمب تحركاته العسكرية بالتنسيق مع بنيامين نتنياهو، كان الرهان قائماً على استراتيجية “قطع الرأس” (Decapitation Strategy)؛ أي استهداف الهرم القيادي لإحداث فراغ شللي يؤدي إلى انهيار المنظومة من الداخل. إلا أن ما غاب عن حسابات واشنطن هو هيكلية البدائل التي تتبناها طهران، حيث تعتمد خطط طوارئ تقضي بتعيين ما بين ثلاثة إلى سبعة بدلاء جاهزين لكل منصب سيادي حسّاس ، مع انتقال فوري وآلي إلى نمط القيادة اللامركزية.
ولكن، أبعد من الترتيبات الإدارية، كان الصمود الشعبي هو المفاجأة الأكبر؛ فبدلاً من الانقلاب على النظام، حدث تلاحم عضوي فريد. يعود هذا التماسك إلى ما يُعرف بـ “عقيدة الصمود الوجودي”، وهي مزيج معقد من الهوية القومية والعقيدة المذهبية التي ترى في مواجهة العدو الخارجي واجباً مقدساً يتجاوز الخلافات السياسية الداخلية.
هذه العقيدة حولت المجتمع الإيراني إلى كتلة صلبة لا تقبل الانكسار تحت القصف؛ حيث نُظر إلى استهداف القيادات ليس كضربة للنظام، بل كإهانة للسيادة الوطنية وجزء من استهداف شامل للهوية. ونتيجة لذلك، توحدت الجبهة الداخلية بشكل غير مسبوق، وتلاشت النزعات الانفصالية والعرقية أمام الشعور بالخطر الوجودي، ليبرز خطاب المقاومة السيادية كخيار وحيد لا بديل عنه، مما أثبت أن الشعوب التي تمتلك عقيدة متجذرة لا تسقط بمجرد غياب رؤوسها القيادية.
انقلاب السحر.. زلزال “لا ملوك” في الداخل الأمريكي
بينما فشل ترمب في هز استقرار طهران، ارتدت آثار حربه لتهز أركان حكمه في واشنطن. ففي 28 مارس 2026، بلغت موجة احتجاجات “No Kings” (لا ملوك) ذروتها، وهي الحركة التي انطلقت في يوم ميلاد ترمب 14 يونيو 2025. خرج ما يقدر بـ 9 ملايين شخص في أكثر من 3100 موقع شملت الولايات الخمسون. امتدت المظاهرات من واشنطن ولوس أنجلوس إلى محيط منتجع مارالاجو (مقر إقامة الرئيس في ولاية فلوريدا)، بل وتخطت الحدود لتصل إلى باريس، لندن، وطوكيو.
كانت الاحتجاجات سياسية و اقتصادية؛ إذ أدت الحرب على إيران إلى قفزة هائلة في أسعار النفط والطاقة، مما أثقل كاهل المواطن الأمريكي. صرخ المحتجون في “ناشونال مول” بـ “أوقفوا الحرب الحمقاء”، ورفع كبار السن في ماريلاند لافتات “مقاومة الاستبداد”. كذلك، شمل الغضب سياسات الهجرة الصارمة (ICE) التي أدت لمقتل مواطنين مثل ريني جود في مينيابوليس، مما دفع الشارع للربط بين عسكرة الخارج وقمع الداخل.

الدروس المنسية في واشنطن
يظهر المشهد الحالي أن السحر انقلب على الساحر بكل تفاصيله. حاول ترمب تصدير الفوضى لطهران فاستوردها لمدنه، وحاول قطع رأس النظام الإيراني فواجه شعباً يطالب برأسه السياسي في صناديق الاقتراع وشوارع الاحتجاج. عليه، أثبتت التجربة -كما حدث في يوغسلافيا 1999 وليبيا 2011- أن الحملات الجوية لا تُسقط الأنظمة ما لم يكن هناك تصدع داخلي حقيقي، وهو ما افتقده الرهان الأمريكي في إيران.
إن إيران -خلافاً للتوقعات- لا تقف على حافة الهاوية، بالعكس، فقد أثبتت أنها دولة ذات بنية راسخة تتشابك فيها الأيديولوجيا مع المصالح. أما الولايات المتحدة، فتجد نفسها اليوم أمام مرآة قاسية؛ حيث أثبتت احتجاجات “لا ملوك” أن الشعوب -حتى في أقوى الإمبراطوريات- لا تقبل المقايضة بحريتها وأرزاقها من أجل حروب إيديولوجية فاشلة في الخارج.
المصادر:





