أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في واحدة من المواقف اللافتة التي تجسد حس المسؤولية البيئية لدى الإنسان العماني، سجّلت ولاية شناص في شهر مارس من عام 1995م حادثةً فريدة، كان بطلها أحد أبنائها من الصيادين، حين حال دون وقوع تلوث بحري كان من شأنه أن يهدد بيئة الساحل.
فقد تمكّن الصياد مبارك بن سالم بن مبارك الزعابي من التعامل مع موقف استثنائي، بعدما عثر في عرض البحر على حوتٍ ضخم نافق، كان بقاؤه في المياه ينذر بحدوث تلوث بيئي نتيجة تحلل جثته وانتشار الروائح والمواد العضوية في المياه الساحلية.
وبحسٍ عالٍ من المسؤولية، بادر الصياد إلى سحب الحوت بعيدًا والتعامل معه، في خطوة أسهمت في حماية مياه الشواطئ من آثار بيئية سلبية محتملة.
وكان وزن الحوت عندما تم العثور عليه أكثر من ستة أطنان، بينما بلغ طوله حوالي 18 مترًا، وعرضه 3 أمتار، وارتفاعه يتراوح ما بين متر ونصف إلى مترين.

وكان الصياد مبارك بن سالم بن مبارك الزعابي في عرض البحر يؤدي عمله المعتاد، عندما لفت انتباهه جسم ضخم يطفو فوق سطح الماء، وباقترابه منه، تأكد أنه حوت نافق، في مشهدٍ غير مألوف أثار لديه القلق من تبعات بقائه في المياه.
دون تردد، أخرج الزعابي حبلًا، وقام بربط الحوت بماكينة قاربه التي تبلغ قوتها 85 حصانًا، محاولًا سحبه بعيدًا. غير أن ضخامة الحوت وثقله جعلا المهمة شاقة، حيث واجه صعوبة في مواصلة السحب بمفرده.
أمام هذا التحدي، لم يتردد الزعابي في طلب العون، فاستجاب له عدد من زملائه الصيادين، الذين حضروا للمشاركة في العملية، وبفضل تعاونهم وتكاتفهم، تمكنوا من سحب الحوت تدريجيًا حتى الوصول به إلى الساحل.
انتهت العملية بوصول الحوت إلى شاطئ شناص، وتحديدًا في المنطقة الواقعة بين خضراوين وأبو بقرة، حيث تم التعامل معه لاحقًا، في خطوة جنّبت المياه الساحلية خطر التلوث الناتج عن تحلل جثته في البحر.
وقد أفاد المختصون الذين أشرفوا على معاينة الحوت آنذاك، أن الحوت يُرجّح أن يكون من نوع الحوت الأبيض، وهو من الأنواع التي تعيش عادةً في المناطق الباردة، بعيدًا عن المياه الدافئة التي تميز بحر عُمان والخليج.
وبناءً على هذا التوصيف، رجّح المختصون أن الحوت كان في رحلة هجرة طويلة، ربما انتقل خلالها عبر مسارات غير معتادة، قبل أن ينفق في عرض البحر قبالة السواحل العمانية، ليجرفه التيار لاحقًا نحو منطقة شناص.
وتُعد هجرة الحيتان ظاهرة طبيعية معروفة، حيث تقطع بعض الأنواع آلاف الكيلومترات بين مناطق التغذية والتكاثر، غير أن انحراف المسار أو التعرض لإجهاد أو إصابة قد يؤدي أحيانًا إلى نفوقها في مناطق بعيدة عن بيئتها الأصلية.
وقد انتقل إلى الموقع وقتها لجنة علمية مشكلة من مدير عام شؤون الثروة السمكية، ومندوبين من جامعة السلطان قابوس، ومعهد العلوم البحرية، ومتحف التاريخ الطبيعي لبحث كيفية الاستفادة من هذا الحوت الضخم الذي يندر العثور عليه.
وفي خطوة تعكس البعد العلمي المتقدم للواقعة، اتفقت اللجنة على إعداد ورقة عمل متكاملة تتناول تفاصيل الحوت من مختلف الجوانب (البيئية، والتشريحية، وظروف النفوق)، على أن يتم رفعها إلى معهد الحيتان العالمي، بما يتيح إدراج هذه الحالة ضمن الدراسات الدولية الخاصة بالحيتان وهجراتها.
حوادث جنوح الحيتان في الذاكرة البحرية
في سياق رصد الظواهر البحرية النادرة، لم تكن حادثة حوت شناص عام 1995م حالةً فريدة تمامًا، بل تندرج ضمن سلسلة من حوادث جنوح الحيتان التي شهدتها سواحل المنطقة عبر فترات زمنية متباعدة، مما يعكس طبيعة بحر عُمان والخليج كممراتٍ محتملة لهذه الكائنات العملاقة.
ومن أبرز هذه الحالات التاريخية، ما سُجّل في عام 1356هـ (1936م)، حين جُنِح حوت عنبر ضخم على ساحل الشارقة، وقد بلغ طوله نحو 35 ذراعًا، وعرضه حوالي 10 أذرع، في أبعاد تعكس ضخامة استثنائية.
ولم تقتصر أهمية هذه الواقعة على جانبها البيئي فحسب، بل امتدت إلى بعدها الاقتصادي، إذ تم استخراج ما يقارب 4000 روبية من العنبر الخالص من هذا الحوت، وهو ما كان يُعد ثروةً ثمينة في ذلك الوقت، نظرًا لقيمة العنبر في الأسواق العالمية واستخداماته في صناعة العطور والمواد الفاخرة.

وفي سياق الحوادث البحرية اللافتة التي وثّقتها الذاكرة المحلية، تبرز حادثة أخرى تعود إلى أكتوبر عام 1951م، حين أُفيد بظهور كائن بحري غريب بالقرب من ساحل الخابورة، في واقعة أثارت حالة من الدهشة والهلع بين الأهالي.
وبحسب الروايات المتداولة آنذاك، فقد تميّز هذا الكائن بصفات غير معهودة، إذ قيل إنه يمتلك جناحين كأجنحة الطير، له فم طويل، يحتوي على أنياب حادة، يبلغ طوله نحو 36 ذراعًا، وعرضه حوالي 7 أذرع.
وهي أوصاف جعلت البعض يرجّح أنه قد يكون نوعًا غير مألوف من الحيتان، أو كائنًا بحريًا لم يكن معروفًا لدى سكان المنطقة في ذلك الوقت.
وقد أثار ظهور هذا الكائن حالة من الخوف، دفعت بعض الأهالي إلى محاولة القضاء عليه، حيث تم إطلاق نحو 70 طلقة بندقية باتجاهه، إلا أن الروايات تشير إلى أن هذه المحاولات لم تفلح في قتله؛ ما زاد من غموض الحادثة وهيبتها في النفوس.
وعند النظر إلى هذه الواقعة بعينٍ تحليلية، يمكن طرح عدة احتمالات من بينها أنها قد تكون سوء تقدير بصري بسبب ضخامة الكائن أو تحلله؛ ما أعطى انطباعات غير دقيقة عن شكله، وهناك احتمال أن يكون حوتًا أو كائنًا بحريًا كبيرًا في حالة مرض أو نفوق جزئي، فبدت ملامحه مشوهة، كما لا يمكن تجاهل تأثير البيئة الاجتماعية والخيال الشعبي في تضخيم بعض التفاصيل ونقلها عبر الروايات الشفوية.

وفي امتدادٍ لسلسلة الحوادث البحرية المرتبطة بالحيتان في سواحل شمال الباطنة، تشير الروايات المحلية إلى أنه تمت مشاهدة عدد من الحيتان الكبيرة بالقرب من شاطئ شناص في عام 1980م، في واقعة سبقت حادثة الحوت الشهيرة عام 1995م بعدة سنوات.
وفي أواخر شهر يناير من عام 1983م، شهدت سواحل مرباط حادثة لافتة، إذ فوجئ الأهالي بجثة حوتٍ ضخم جرفتها التيارات البحرية إلى الشاطئ، ولم تكن هذه الواقعة الأولى من نوعها، بل جاءت لتُكمل سلسلة من الحوادث المشابهة، حيث يُعد هذا الحوت الثالث الذي يظهر في المنطقة خلال فترة لا تتجاوز ستة أشهر، وعلى مسافة لا تزيد على نصف كيلومتر من موقع الحوتين السابقين، الأمر الذي أثار تساؤلات واسعة حول أسباب تكرار هذه الظاهرة في الموقع ذاته خلال فترة زمنية قصيرة.

وفي عام 1986م، عُثر على أحد أنواع حيتان العنبر الصغيرة نافقًا على ساحل بركاء، وقد قُدّر وزنه – وهو حي – بنحو 35 طنًا، في دلالة على ضخامته رغم كونه من الفصائل الصغيرة نسبيًا، وقد جرى التعامل مع هذا الحوت لاحقًا بطريقة علمية، حيث تم نقله ووضعه في إحدى قاعات متحف التاريخ الطبيعي، ليكون معروضًا علميًا يُسهم في التعريف بالحياة البحرية في السلطنة.

وفي 29 مارس من عام 1986م، شهدت مدينة كلباء بدولة الإمارات العربية حادثةً لافتة، تمثلت في اصطياد حوتٍ ضخم قبالة سواحلها، وهو ما شكّل حدثًا مهمًا آنذاك، حيث توافد عدد كبير من الأهالي لمشاهدة هذا الكائن البحري العملاق، في مشهدٍ طغت عليه الدهشة والاهتمام.

وفي عام 1988م، شهد شاطئ صحار حادثة جنوح حوت، بلغ طوله نحو 165 سنتيمترًا، في واحدة من الحالات التي تعكس تكرار ظهور الحيتان على السواحل العمانية، وإن كان هذا الحوت أصغر حجمًا مقارنةً بحوادث أخرى سُجّلت في المنطقة.
تكرار المشهد في شناص بعد ثلاثة عقود
في يونيو من عام 2025م، عادت ظاهرة جنوح الحيتان إلى سواحل شناص، بعد نحو ثلاثين عامًا من حادثة عام 1995م، حيث تم العثور على حوت جانح بالقرب من شاطئ الدوانيج، وأفادت المعاينات الأولية أنه من نوع الحوت الأزرق، ويبلغ طوله قرابة 8 أمتار.

وقد تعاملت فرق الإنقاذ التابعة لإدارة البيئة بمحافظة شمال الباطنة مع الحادثة بسرعة، حيث بذلت جهودًا مكثفة لإنقاذ الحوت وإعادته إلى بيئته الطبيعية، في مشهد يعكس تطور الوعي البيئي وتكامل الأدوار المؤسسية في التعامل مع مثل هذه الظواهر البحرية.
المراجع
- العريمي. محمد بن حمد. قبل 40 عامًا: افتتاح متحف عُماني من أبرز مقتنياته هيكل لحوت العنبر، تقرير منشور في موقع أثير الالكتروني، 30 ديسمبر 2025.
- جنوح حوت أزرق بولاية شناص. خبر منشور في موقع “الرؤية” الالكتروني، 14 يونيو 2025.
- جريدة عمان. العدد 5037، 13 مارس 1995
- جريدة عمان. 1 فبراير 1983
- أرشيف مراسلات الشيخ علي بن عيسى الزدجالي.
-أرشيف مراسلات الشيخ إبراهيم بن محمد المدفع.





