“إدارة القوت في زمن الشح”: وثيقة عُمانية من سنة سُمِّيت بـ “سنة الكنترول”

“إدارة القوت في زمن الشح”: وثيقة عُمانية من سنة سُمِّيت بـ “سنة الكنترول”
سنة الكنترول
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
عنوان الوثيقة: حصة سلع غذائية
المرسِل: الشيخ محمد بن شماس الشعيبي.
المستقبِل: الشيخ علي بن عيسى الزدجالي / سالم بن راشد التمامي.
تاريخ الوثيقة: 24 ربيع الآخر 1364هـ الموافق 18 أبريل 1944م
مصدر الوثيقة: أرشيف مراسلات الشيخ علي بن عيسى الزدجالي
فحوى الوثيقة:
تحتوي الوثيقة على رسالتين بعث بها الشيخ محمد بن شماس الشعيبي في 24 ربيع الثاني سنة 1363هـ الموافق 18 أبريل 1944م إلى كلٍ من الشيخ علي بن عيسى الزدجالي التاجر المعروف بصور وقتها، وإلى سالم بن راشد التمامي أمين جمرك صور وقتها، بخصوص تسلّم بعض السلع التموينية التي تخص قبيلته.
ففي الرسالة الأولى يفوّض الشيخ محمد بن شماس الشعيبي، علي بن عيسى الزدجالي بتسلّم حصّة قبيلته (الشعيبيين) عن شهري مارس وإبريل من أرز، وشعير، وجاز، وسكر، وغيرها من المواد الضرورية للحياة اليومية، وذلك من خلال التنسيق مع أمين جمرك صور، الذي كان يتولى مهمة توزيع ما يُعرف بـ“إباحة القبائل” (أي الحصص التموينية المقررة):
" لحضرة الشيخ الأجل الأعز الأفخم الأخ علي بن عيسى الزدجالي. سلام عليك ورحمة الله وبركاته.
محبك بخير ولا زلت بدوام الصحة والمسرة ولا بطرفك هذا مهم والحمد لله. واصلك كتاب لأمين جمرك صور إذا وزعت إباحة القبائل فالذي للجماعة الشعيبيين نرجو إخراجه على يدك وعرفنا بكم القيمة لتصلك إن شاء. هذا ودم والعناية ترعاك والسلام من أخيك محمد بن شماس الشعيبي. سلم لنا على الأولاد ومن هنا الأولاد. وذكّره في السكّر لا تغفله، واقبض منه إباحة شهر مارس وشهر أبريل. من محمد بيده. 24 ربيع الأول 1363هـ."
وتأتي الرسالة الثانية مكمّلة لمضمون الرسالة الأولى، إذ وجّهها الشيخ محمد بن شماس الشعيبي مباشرةً إلى أمين جمرك صور سالم بن راشد التمامي، لتأكيد ما ورد في خطاب التفويض، وتثبيت الجهة المخوّلة بالاستلام.
ففي هذه الرسالة، يطلب الشعيبي من أمين الجمرك أن يقوم بتسليم الحصص التموينية المقررة لقبيلته —والتي تشمل الحبوب (الحب)، والشعير، والقاز (الكيروسين)، والسكر— إلى التاجر علي بن عيسى الزدجالي، بوصفه وكيلًا عنه في عملية الاستلام:
“إلى أمين جمرك صور الشيخ سالم بن راشد حرسه الله وعافاه. سلام عليك ورحمة الله وبركاته وبعد فالذي يخرج لنا من الكنترول من حب وشعير وقاز وسكّر قبّضه المحب علي بن عيسى الزدجالي، والأمل فيك لا تحرمنا عن دستين سكر. والسلام من محمد بن شماس. وقبّضه كنترول شهر مارس والذي عن شهر أبريل. من محمد بيده. 24 ربيع الثاني 1363هـ.”
وكان المجتمع المحلي في صور قد اعتمد خلال فترة الحرب العالمية الثانية وما صاحبها من شحّ في توافر بعض السلع الأساسية وغلاء أسعارها، نظامًا لتوزيع الحصص وبيعها يسمى (الكنترول)، وذلك لضبط الأسعار، وضمان وصول الحصص إلى مستحقيها بحسب الحارات أو القبائل.
وعرفت إحدى سنوات الحرب بسنة (الكنترول)، وكانت الناس تؤرخ الأحداث والمواليد والوفيات بها، فيقال مثلًا إن فلان ولد في سنة الكنترول، أو فلان توفي في سنة الكنترول.
كما شهدت تلك السنة سفر خمس من أسطول السفن الصورية إلى موزمبيق متحدية مصاعب ملاحية وعسكرية عديدة، وذلك لجلب شحنة من السكر الذي تم توريده من جنوب أفريقيا عن طريق موزمبيق.
الشخصيات الواردة في الوثيقة
  • محمد بن شماس الشعيبي: شيخ قبلي بارز، كان مقر مشيخته في كبدا بقلهات، امتاز بالحكمة والشجاعة والحنكة والدهاء وجمعته علاقات وطيدة مع السلطان تيمور بن فيصل وابنه سعيد بن تيمور، وكانت له إساهمات بارزة في حل العديد من القضايا والمشاكل القبلية.
  • سالم بن راشد السميسمي التمامي: من مواليد شرق أفريقيا من عائلة تعود أصولها إلى مدينة صور. عمل في مجال الجمارك وتنقل بين عدة موانئ مثل صور ومسقط ومطرح وجوادر. جمعته علاقات وطيدة بعدد من الشخصيات العمانية البارزة.
  • علي بن عيسى الزدجالي: (1312هـ/1894 – 1387/ 1967) شخصية من شخصيات صور البارزة. برز في عدّة مجالات كالتجارة، والملاحة، وعلوم الدين، والتاريخ، لكن أبرز مجالاته هو الدور الذي قام به قبل عصر البريد والهاتف، من تنظيم الاتصال وتبادل المعلومات والوثائق والأموال بين الناس، وقد احتفظ بمجمل الرسائل التي تلقاها من حكام وعلماء فبلغت اثنتين وعشرين ألف رسالة ما تزال مخطوطة، وهي تقدم صورة دقيقة عن الحياة في منطقة الخليج في النصف الأول من القرن العشرين، وله كتاب “الحاوي” دوّن فيه مذكراته وملاحظاته، وكان واحدًا من روّاد التنوير في المنطقة الشرقية، وكانت تصله الصحف والمجلات بانتظام، وينسب إليه أول من دخل ميناء صور بسفينة غير شراعية، وأول من أدخل المذياع إليها. وكان له مجلس منتظم يلتقي فيه أعلام المنطقة الشرقية.
أهمية الوثيقة
تكتسب هذه الوثيقة أهمية تاريخية وتوثيقية خاصة، لما تحمله من دلالات متعددة تكشف عن ملامح الحياة الاقتصادية والإدارية والاجتماعية في مدينة صور خلال أربعينيات القرن العشرين، ويمكن إبراز أهميتها في أنها توثق لنظام التموين وتقنين السلع، حيث تعكس الوثيقة وجود نظام منظّم لتوزيع السلع الأساسية عبر ما يُعرف بـ“الكنترول” و“إباحة القبائل“، وهو ما يشير إلى مرحلة كانت تشهد نوعًا من تقنين الموارد الغذائية، غالبًا في سياق ظروف اقتصادية خاصة مع تأثيرات الحرب العالمية الثانية، حيث كانت السلع تُوزّع وفق حصص محددة.
كما تبرز الوثيقة دور الجمارك كجهاز إداري محوري في إدارة وتوزيع المواد التموينية، بما يتجاوز الوظيفة الجمركية التقليدية، ليشمل الإشراف على تنظيم الإمدادات وضبط توزيعها داخل المجتمع المحلي.
وترصد الوثيقة طبيعة السلع الأساسية وأنماط الاستهلاك حيث تقدم قائمة بالمواد الغذائية والضرورية المتداولة آنذاك مثل: الأرز، والشعير، والسكر، والجاز (الكيروسين)؛ ما يتيح فهمًا أدق للنمط المعيشي واحتياجات المجتمع اليومية. كما يبرز التركيز على السكر دلالةً على أهميته وندرته.
وتمثل الوثيقة نموذجًا حيًا لتداخل الأدوار الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في المجتمع العماني آنذاك، وتعكس كيفية إدارة الموارد الأساسية في ظل ظروف اقتصادية كانت تتسم بندرة بعض السلع واعتمادها على الاستيراد.
المراجع
  • العريمي، محمد بن حمد. صورة عمان من خلال أرشيف مراسلات الشيخ علي بن عيسى الزدجالي، دار لبان، مسقط، 2026.
  • مجموعة مؤلفين. دليل أعلام عمان، موسوعة السلطان قابوس لأسماء العرب، جامعة السلطان قابوس، مكتبة لبنان، 1991، ص 118-119

شارك هذا الخبر