عرض بسيط قد يخفي اضطرابات أكبر: ماذا يكشف سيلان اللعاب أثناء النوم؟

عرض بسيط قد يخفي اضطرابات أكبر: ماذا يكشف سيلان اللعاب أثناء النوم؟
سيلان اللعاب أثناء النوم
أثير - ريما الشيخ
في ظل تزايد اضطرابات النوم عالميًا وارتباطها بأنماط الحياة الحديثة، يبرز سيلان اللعاب أثناء النوم كعرض شائع ينظر إليه غالبًا كأمر عابر، رغم أنه قد يكون في بعض الحالات مؤشرًا على اضطرابات تتعلق بجودة النوم أو بالتنفس أو بوظائف الجهازين العصبي والهضمي.
وتشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن اضطرابات النوم تعد من المشكلات الصحية المتنامية عالميًا، مع تأثيرات متزايدة على الصحة العامة، كما تفيد بيانات الأكاديمية الأمريكية لطب النوم بأن نحو 936 مليون شخص حول العالم يعانون من انقطاع النفس أثناء النوم، وهو اضطراب يرتبط بالتنفس عبر الفم وزيادة احتمالية سيلان اللعاب.
وفي السياق ذاته، تشير دراسات منشورة في ”ذا لانسيت للجهاز التنفسي“ إلى أن اضطرابات التنفس أثناء النوم لا تؤثر فقط على نمط التنفس، بل تمتد لتؤثر على وظائف الجسم خلال النوم، بما في ذلك التحكم في العضلات والبلع، وهو ما يفسر ظهور أعراض مثل سيلان اللعاب لدى بعض الحالات.
وعلى الصعيد المحلي، يصعب الحصول على إحصاءات دقيقة حول انتشار هذه الحالة في سلطنة عُمان، لعدم وجود رمز تصنيف (ICD) خاص بها في نظام الشفاء، كونها لا تعد مرضًا بحد ذاتها، بل تصنف ضمن الأعراض المرتبطة بحالات مرضية أخرى، إذ تشخص عادةً من خلال الحالة المرضية المسببة لها، بحسب ما أشارت إليه مختصة لـ”أثير”، التي أوضحت أنه قد يرتبط بالسهر واضطراب النوم، ولكن ليس بشكل مباشر.
ظاهرة فسيولوجية طبيعية
من الناحية الطبية، يعد سيلان اللعاب أثناء النوم نتيجة مباشرة لتغيرات طبيعية تحدث في الجسم، حيث تستمر الغدد اللعابية في إفراز اللعاب للحفاظ على ترطيب الفم، إلا أن الدخول في مراحل النوم العميق يؤدي إلى ارتخاء عضلات الوجه والبلع، ما يقلل من كفاءة البلع التلقائي، فيتجمع اللعاب داخل الفم وقد يخرج إلى الخارج، خاصة في حال تزامن ذلك مع وضعية نوم تسمح بتسربه.
الأسباب الطبية
قالت الدكتورة هدى بنت سعيد البحري اختصاصي (أ) طب وجراحة الأسنان، لـ ”أثير“، إن سيلان اللعاب أثناء النوم يعود لعدة أسباب طبية، من أبرزها الارتخاء العضلي أثناء مراحل النوم العميق، حيث ترتخي عضلات الوجه والبلع، مما يؤدي إلى تجمع اللعاب وخروجه بدلًا من بلعه.
وأضافت أن انسداد الأنف يُعد من الأسباب الشائعة، نتيجة الاعتماد على التنفس من الفم بسبب الحساسية أو الأنفلونزا أو انحراف الحاجز الأنفي، وهو ما يؤدي إلى بقاء الفم مفتوحًا أثناء النوم، وبالتالي زيادة احتمالية سيلان اللعاب. كما أشارت إلى أن زيادة إفراز اللعاب، أو ما يُعرف بـ(Sialorrhea)، قد يحدث نتيجة تهيج في الفم أو بسبب تفاعلات دوائية، حيث تؤثر بعض الأدوية على توازن إفراز اللعاب في الجسم، خاصة خلال الليل.
متى يكون طبيعيًا ومتى يستدعي القلق؟
تُعد الحالة طبيعية إذا كانت متقطعة ولا تصاحبها أعراض أخرى، خاصة عند النوم على الجانب، لكنها تستدعي مراجعة الطبيب إذا كانت مفاجئة وشديدة، أو ترافقها نوبات اختناق أثناء النوم، أو صعوبة في البلع خلال النهار، أو ظهرت بعد تناول دواء جديد.
ارتباط وثيق باضطرابات النوم
أكدت الدكتورة وجود ارتباط وثيق بين سيلان اللعاب واضطرابات النوم، خاصة انقطاع النفس الانسدادي أثناء النوم، حيث يضطر المريض إلى فتح فمه للتنفس نتيجة انسداد المجرى الهوائي، ما يزيد من احتمالية سيلان اللعاب.
ولا يقتصر تأثير هذا الاضطراب على النوم فقط، بل يمتد إلى الحياة اليومية، إذ يرتبط بالإرهاق وضعف التركيز وتراجع الأداء، فضلًا عن زيادة مخاطر الحوادث الناتجة عن النعاس، ما يعكس الأثر غير المباشر لأعراض تبدو بسيطة في ظاهرها.
نمط الحياة الحديث.. عامل خفي ومتزايد
لا تقتصر أسباب سيلان اللعاب على الجوانب الطبية المباشرة، إذ تشير تقارير صحية إلى أن نمط الحياة الحديث أصبح عاملًا مؤثرًا في زيادة هذه الظاهرة، خاصة مع انتشار السهر الطويل، واضطراب مواعيد النوم، والاستخدام المكثف للأجهزة الذكية قبل النوم.
كما أن التوتر والقلق يلعبان دورًا إضافيًا، حيث يؤثران على نمط التنفس أثناء النوم، ما يزيد من الاعتماد على التنفس عبر الفم، وبالتالي ارتفاع احتمالية سيلان اللعاب، ما يجعل هذه الحالة في بعض الأحيان انعكاسًا غير مباشر لضغوط الحياة اليومية.
علاقة بالجهاز العصبي والهضمي
وأوضحت الدكتورة أن سيلان اللعاب قد يرتبط بمشكلات في الجهاز العصبي، حيث تعتمد عملية التحكم في اللعاب وبلعه على تنسيق دقيق بين الأعصاب والعضلات. وفي حالات مثل مرض باركنسون أو الشلل الدماغي أو السكتات الدماغية، قد تضعف القدرة على البلع الإرادي واللاإرادي، ما يؤدي إلى تراكم اللعاب وخروجه أثناء النوم.
وأضافت أن الحالة قد ترتبط أيضًا بالجهاز الهضمي، خاصة في حالات ارتجاع المريء (GERD)، حيث يحفّز حمض المعدة المريء، مما يدفع الغدد اللعابية لإنتاج المزيد من اللعاب القلوي في محاولة لمعادلة الحموضة.
الفئات الأكثر عرضة للإصابة
تشير الملاحظات الطبية إلى أن بعض الفئات تكون أكثر عرضة لهذه الحالة، من بينهم الأشخاص الذين يعانون من الحساسية المزمنة أو انسداد الأنف، وكذلك المصابون بالسمنة نظرًا لارتباطها بارتفاع احتمالية الإصابة بانقطاع النفس أثناء النوم. كما قد تظهر الحالة بشكل أكبر لدى كبار السن نتيجة ضعف التحكم العضلي، أو لدى الأطفال في حال وجود مشكلات تنفسية مثل تضخم اللوزتين.
التشخيص.. كيف يُحدد السبب؟
في الحالات التي تستدعي التدخل الطبي، يعتمد التشخيص على تحديد السبب الرئيسي، وقد يشمل ذلك إجراء دراسة النوم (Sleep Study) لتقييم اضطرابات التنفس أثناء النوم، أو فحص الأنف والجيوب الأنفية للكشف عن أي انسداد، إضافة إلى تقييم وظائف الجهاز العصبي، وفحص الفم والأسنان للتأكد من عدم وجود مشكلات موضعية.
دور وضعية النوم وصحة الفم
تلعب وضعية النوم دورًا أساسيًا في هذه الظاهرة، حيث يُعد النوم على الجانب أو البطن الأكثر تسببًا في سيلان اللعاب نتيجة تأثير الجاذبية، في حين يساعد النوم على الظهر في الحد من هذه المشكلة. كما أن صحة الفم والأسنان تمثل عاملًا مهمًا، إذ إن أمراض اللثة أو تسوس الأسنان أو التقرحات الفموية قد تحفّز الغدد اللعابية على زيادة الإفراز، كما أن بروز الأسنان الأمامية قد يجعل إغلاق الفم أثناء النوم أمرًا صعبًا، مما يسهل خروج اللعاب.
العلاج
وفيما يتعلق بطرق التقليل من هذه الحالة، أوضحت الدكتورة أنه يمكن التعامل معها سلوكيًا من خلال التدريب على النوم على الظهر، والعمل على علاج احتقان الأنف لضمان التنفس الطبيعي.
أما من الناحية العلاجية، فيعتمد الأمر على معالجة السبب الكامن، مثل استخدام أدوية الحساسية أو علاج الارتجاع. وفي الحالات الشديدة الناتجة عن أمراض عصبية، قد يلجأ الأطباء إلى حقن “البوتكس” في الغدد اللعابية أو استخدام أدوية من عاديات المسكارين.
كما تشمل الحلول الحديثة استخدام أجهزة (CPAP) لعلاج انقطاع النفس أثناء النوم، أو أجهزة تعديل وضع الفك، وهي تقنيات متقدمة تسهم في تحسين التنفس أثناء النوم وتقليل الأعراض المصاحبة.
المصادر :
-منظمة الصحة العالمية
-الأكاديمية الأمريكية لطب النوم
-ذا لانسيت للجهاز التنفسي
-كليفلاند كلينك
-مؤسسة النوم
-المعاهد الوطنية للصحة

شارك هذا الخبر