“صروح”: قصة تحوّل أعادت رسم خريطة السكن في سلطنة عُمان

“صروح”: قصة تحوّل أعادت رسم خريطة السكن في سلطنة عُمان
قصة “صروح”
خاص-أثير
بدأت قصة “صروح” من فكرة بسيطة لكنها عميقة في أثرها؛ ففي عام 2017م، طرح المجلس الأعلى للتخطيط رؤية مختلفة لملف الإسكان في سلطنة عُمان، تقوم على الانتقال من نموذج “الأرض التي تُمنح” إلى نموذج “الحي المتكامل الذي يُبنى”، بحيث لا يحصل المواطن على قطعة أرض فقط، بل على بيئة متكاملة تضم الخدمات الأساسية، والمرافق، وجودة حياة أعلى.
ومع إعادة هيكلة الجهاز الإداري للدولة في عام 2020م، وتولي وزارة الإسكان والتخطيط العمراني ملف التخطيط، انطلقت هذه الرؤية بشكل عملي عبر مبادرة “صروح”، لتكون إحدى أبرز أدوات التحول في القطاع الإسكاني، ومشروعًا وطنيًا يعيد تعريف مفهوم السكن في عُمان.
ومنذ انطلاقها، تحولت “صروح” إلى منظومة متكاملة للأحياء السكنية الحديثة، تقدم بدائل متنوعة للسكن، وتواكب متطلبات المجتمع، وتسهم في تحقيق مستهدفات رؤية عُمان 2040، من خلال تطوير مدن وقرى مستدامة، وتعزيز دور القطاع الخاص في بناء هذه المجتمعات. ومع التوسع التدريجي، انتقلت المبادرة من نطاق محدود إلى انتشار واسع، حيث وصلت اليوم إلى تنفيذ أكثر من 20 مشروعًا في 10 محافظات، تغطي مساحة تتجاوز 6 ملايين متر مربع، ويستفيد منها أكثر من 12 ألف أسرة، في مؤشر واضح على حجم التحول الذي أحدثته في المشهد العمراني.
وفي قراءة للأرقام والمؤشرات، يتضح حجم هذا التحول بشكل أدق؛ إذ تجاوزت الاستثمارات في مشاريع “صروح” أكثر من 600 مليون ريال عُماني، مع استمرار تنفيذ نحو 20 مشروعًا حاليًا، واستهداف الوصول إلى 30 مشروعًا بنهاية عام 2026. كما تجاوز عدد الأسر المستفيدة 10 آلاف أسرة، مع مستهدف يصل إلى 15 ألف أسرة، في حين سجلت بعض المشاريع نسب بيع مرتفعة تجاوزت 90% في المرحلة الأولى، ما يعكس الإقبال الكبير على هذا النموذج السكني.
هذا التوسع لم يأت عشوائيًا بل اعتمد على نموذج تشاركي بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث تم إشراك أكثر من 16 مطورًا عقاريًا، وتوقيع 44 اتفاقية لتنفيذ البنية الأساسية، إلى جانب توقيع 57 اتفاقية تمويل بدعم من 12 مؤسسة تمويلية، وهو ما عكس تحول “صروح” إلى منصة استثمارية متكاملة. كما أسهم هذا النموذج في خفض تكاليف البنية الأساسية بأكثر من 45%، وإشراك أكثر من 145 مؤسسة صغيرة ومتوسطة، إضافة إلى توفير أكثر من 360 وظيفة للعمانيين.
وتعتمد آلية تنفيذ “صروح” على منهجية واضحة تبدأ بحصر الطلبات في المحافظات وتحديد المواقع المناسبة، ثم طرحها للمطورين عبر منصة “تطوير”، ليتم إسناد المشاريع للفائزين، ومن ثم البدء في تنفيذ الأحياء وطرح الوحدات السكنية للمواطنين، سواء من مستحقي الأراضي أو غيرهم، في نموذج يعزز المرونة ويزيد من الخيارات المتاحة.
أما على مستوى القيمة المضافة، فقد أسهمت مشاريع “صروح” في تقديم نمط جديد من الحياة السكنية، يقوم على توفير:
  • خدمات أساسية متكاملة
  • مرافق ترفيهية ومساحات خضراء
  • بيئة مجتمعية مستقرة
  • أسلوب حياة عصري وصحي
كما انعكس هذا التوجه على السوق العقاري، حيث شهدت مشاريع “صروح” إقبالًا لافتًا، مع نسب بيع مرتفعة في عدد من الأحياء، ما يعكس ثقة المواطنين والمستثمرين في هذا النموذج الجديد، وقدرته على تلبية احتياجات السكن بشكل أكثر كفاءة.
وتبرز عدد من النماذج التطبيقية لمشاريع “صروح” في مختلف المحافظات من بينها: حي السمو في ولاية المضيبي، وحي العزم في ولاية الرستاق، وحي النسيم في ولاية بركاء، وحي الشروق في ولاية صلالة، وحي النور في ولاية نزوى، إلى جانب أحياء أخرى في ولايات صحار ولوى وصور وعبري، وهي مشاريع تتفاوت في مراحل تنفيذها بين الاعتماد والتطوير والتسليم، لكنها تشترك جميعًا في تقديم نموذج الحي السكني المتكامل الذي يجمع بين السكن والخدمات والبنية الأساسية الحديثة.
حيث نجحت بعض النماذج كحي العزم في ولاية الرستاق من استقطاب عدد كبير من المواطنين المستحقين، حيث يمتد المشروع على مساحة تزيد عن 380 ألف متر مربع، ويضم 422 وحدة سكنية متنوعة تشمل الفلل المستقلة والمتصلة والتاون هاوس، مع مرافق متكاملة تعزز جودة الحياة، وقد شهد إقبالًا لافتًا تُوِّج ببيع جميع الوحدات السكنية بالكامل.
كما أظهرت مراحل التنفيذ تقدمًا واضحًا، حيث اكتملت أعمال الطرق، وتم إنجاز التشطيبات في المرحلة الثانية، مع استمرار تنفيذ الهيكل الخرساني للمرحلة الثالثة، وبلوغ نسبة الإنجاز نحو 67%، إلى جانب إضافة 83 وحدة سكنية جديدة استجابة لحجم الطلب المتزايد على المشروع.
مبادرة “صروح” لا تقتصر على توفير السكن فحسب، فهي تستهدف شريحة واسعة من المجتمع والاقتصاد في آنٍ واحد، عبر تبنيها نهج “صناعة التنمية” كمرتكز رئيسي، فهي من جهة تسعى إلى تحقيق جودة حياة أعلى للمواطن، من خلال توفير حي متكامل ومسكن ملائم يلبي احتياجاته المعيشية، ومن جهة أخرى تعمل على تمكين القطاع الخاص عبر شراكات فاعلة مع شركات التطوير العقاري، وإشراك المؤسسات الصغيرة والمتوسطة في مختلف القطاعات المرتبطة بالبناء والتطوير.
ويمتد أثر هذه المبادرة إلى دعم المحتوى المحلي، حيث بدأ عدد من المطورين في إنشاء مصانع ومرافق إنتاجية مرتبطة بمشاريعهم، وهو ما عزز الاعتماد على المنتجات الوطنية، وخلق سلاسل قيمة اقتصادية متكاملة تنعكس آثارها على السوق والاقتصاد بشكل عام.
وفي إطار التوسع المستمر، تستهدف المبادرة خلال هذا العام تسليم عدد من المراحل السكنية في مشاريع مختلفة بمحافظات متعددة، إلى جانب طرح فرص استثمارية جديدة لمشاريع الأحياء المتكاملة، وإسناد أكثر من 10 مشاريع جديدة، ما يعكس استمرار الزخم في تنفيذ المبادرة وتوسيع نطاقها.
اليوم، مع امتداد “صروح” في مختلف محافظات السلطنة، من مسقط إلى شمال وجنوب الباطنة، ومن الشرقية إلى ظفار ومسندم، تتجه المبادرة لأن تكون خارطة وطنية جديدة لتخطيط الأحياء السكنية، تعيد تشكيل العلاقة بين الإنسان والمكان.
والسؤال هو: هل تصبح “صروح” النموذج السائد للسكن في عُمان خلال السنوات القادمة؟

شارك هذا الخبر