رصد – أثير
واجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو عاصفة من الانتقادات الحادة من قِبل كبار المحللين السياسيين في الصحافة العبرية، وذلك في أعقاب الإعلان عن مذكرة التفاهم المفاجئة بين الولايات المتحدة وإيران لإنهاء النزاع العسكري العنيف الذي اندلع في 28 فبراير الماضي. وتركزت الهجمات الإعلامية على إقصاء الاحتلال الإسرائيلي الكامل عن كواليس المفاوضات، واضطرار رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو الإقرار علنًا بجهله بتفاصيل التفاهمات الإلكترونية المبرمة بين واشنطن وطهران برعاية باكستانية وقطرية. إذ وصف محللون إسرائيليون نتنياهو، ، بالفاشل والكاذب، واعتبروا أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب “أذله” بإقصائه عن الاتفاق بين واشنطن وطهران.
وفي محاولة لامتصاص الغضب الداخلي، ظهر نتنياهو في مؤتمر صحفي ادعى فيه أن العمليات العسكرية التي قادها منعت خطر “الإبادة الجماعية والموت المحتم” عن الإسرائيليين، مبررًا التباين العميق في المواقف مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأنه خلاف “يحدث في أفضل العائلات”. وفي مقابل إعلان ترامب أن مضيق هرمز سيكون “مفتوحا بالكامل أمام الملاحة الدولية والتجارة”، أكدت طهران أن مراسم التوقيع الحضوري العلني ستجرى في مدينة جنيف السويسرية، لتبدأ بعدها مرحلة مفاوضات فنية شائكة تمتد لـ 60 يوما، وسط تفعيل فوري ومؤقت لوقف إطلاق النار ورفع الحصار البحري عن إيران.
تفكك الرواية الرسمية: هجوم “هآرتس” على الاستراتيجية العسكرية
شن المحلل السياسي يوسي فيرتر، في مقال له بصحيفة “هآرتس”، هجوما لاذعا على رئيس الوزراء، واصفا تصريحاته بالـمضللة والبعيدة عن الواقع. وأوضح فيرتر أن نتنياهو يقف اليوم على رأس ما يجمع خبراء الأمن على اعتباره “فشلا استراتيجيا ذريعا”، مشيرا إلى أن الوعود والخطابات التي رددها على مدار ثلاثة عقود حول تقويض المشروع النووي الإيراني تلاشت تماما.
وأضاف الكاتب أن الأهداف المعلنة للحروب والجولات العسكرية الأخيرة والمتمثلة في إسقاط النظام الإيراني، وإزالة التهديدات الصاروخية والنووية، وقطع صلات طهران بأذرعها الإقليمية لم يتحقق منها شيء. وأكد فيرتر أن نتنياهو وجد نفسه مجبرا على الاعتراف بعزلته الدولية؛ إذ إن تفاصيل الاتفاق الرقمي التي باتت معلومة لدى أطراف إقليمية متعددة ظلت غائبة تمامًا عن صانع القرار في تل أبيب، لافتا إلى أن الأزمة مع إدارة ترامب لم تعد مجرد تباين وجهات نظر، بل انعكاس لـتراجع مكانة إسرائيل الحليفة وتلقيها إهانات سياسية مستمرة من البيت الأبيض.
كما فند المقال مزاعم نتنياهو بشأن تدمير البحرية الإيرانية، مؤكدا أن الولايات المتحدة هي من نفذت تلك العمليات، ووصف حديثه عن منع “قوات الرضوان” التابعة لحزب الله من اجتياح شمال إسرائيل بأنه مغالطة تاريخية، إذ إن عدم الاجتياح في أكتوبر 2023 كان قرارا استراتيجيا للحزب وليس ناتجا عن ردع إسرائيلي مسبق. وخلص فيرتر إلى أن المؤتمر الصحفي لنتنياهو جاء محملًا بملامح الهزيمة السياسية، حتى وهو يعلن اعتزامه الترشح للانتخابات المقبلة.
الحصار المالي يتلاشى: التحذيرات من صعود إيران الاقتصادي
من جانبه، ركز المحلل بن كسبيت في صحيفة “معاريف” على التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية للاتفاق، مؤكدا في مقاله الذي يحمل عنوان “انتهى العرض” أن الرئيس الأمريكي ترامب تخلى عن نتنياهو ودفعه نحو العزلة. وتساءل بن كسبيت عن جدوى سياسات التخويف التي يتبعها رئيس الوزراء لإخفاء مسؤوليته المباشرة عن الإخفاق في الملف الإيراني، خصوصا وأن نتنياهو يواجه ملاحقة دولية منذ عام 2024 بموجب مذكرات اعتقال الصادرة عن المحكمة الجنائية الدولية لارتكابه جرائم حرب في قطاع غزة.
وأشار بن كسبيت إلى المفارقة الصادمة في تصريحات نتنياهو؛ فبينما يتباهى بإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد الإيراني تقدر بمئات المليارات، يتجاهل الحقيقة المُرّة بأن هذا الاتفاق سيعيد ضخ أموال طائلة إلى خزائن طهران جراء رفع العقوبات، والإفراج عن الأصول المجمدة، واستئناف بيع النفط عالميا، مما يمهد لظهور إيران كـقوة اقتصادية إقليمية كبرى قادرة على ترميم خسائرها العسكرية بسرعة فائقة، بل وفرض سيادتها ورسومها على الملاحة في مضيق هرمز.
انقلاب الحليف الأكبر: صدمة التنسيق الأمريكي المنفرد
اعتبر المحلل باراك سيري في مقال نشره موقع “والا” العبري، أن كبرياء نتنياهو السياسي تحول في غضون يوم واحد إلى مصدر قلق وإذلال شخصي له. وأوضح سيري أن رئيس الوزراء، الذي قاطع وسائل الإعلام العبرية منذ مارس الماضي وفضل الظهور في الشبكات الأمريكية، اضطر للحديث مؤخرًا تحت وطأة النتائج الكارثية للاتفاق الأمريكي الإيراني والشعور بالصدمة المريرة التي تسود الشارع الإسرائيلي وأوساط الائتلاف الحاكم.
ونقل سيري عن مسؤولين أمنيين كبار في تل أبيب وصفهم للاتفاق بأنه “كارثة حقيقية خطيرة” أُبرمت دون مراعاة المصالح الأمنية الإسرائيلية ودون تحقيق أي من الأهداف الاستراتيجية للحرب، بدءا من استمرار النفوذ النووي والصاروخي لطهران، وصولا إلى استمرار دعمها المالي والعسكري لحلفائها في المنطقة (حزب الله، حماس، وجماعة الحوثي). وسخر سيري من التباهي بفتح مضيق هرمز الذي كان مفتوحًا بالفعل قبل الحرب، مؤكدا أن التسريبات الإعلامية حول المحادثات العنيفة والتهديدات الصادرة من ترامب تجاه نتنياهو تمثل “انقلابا أمريكيا قاسيا” يعكس حجم الفجوة الراهنة بين واشنطن وتل أبيب بالرغم من الدعم العسكري والسياسي التقليدي المستمر. وأضاف سيري : “الانقلاب القاسي والمُهين الذي قام به ترامب ضد نتنياهو وإسرائيل، ومحادثات صعبة وشتائم وتهديدات، كلها تسربت بسرعة إلى الإعلام. لقد قام ترامب بإذلال إعلامي حقيقي لنتنياهو”.
المصدر: الأناضول





