أثير-جميلة العبرية
يوضح الواقع الحاضر لقطاع الإنشاءات والتطوير العقاري أنه أمام مرحلة جديدة تتجاوز مفهوم البناء التقليدي إلى بناء منظومة اقتصادية وصناعية متكاملة، فيها ترتبط العقارات بالصناعة، وسلاسل التوريد، والتقنيات، والمحتوى المحلي، والاستثمار طويل الأمد.
وخلال جلسة حوارية ضمن “ملتقى الاستثمار في قطاع الإنشاءات” الذي أُقيم ضمن فعاليات المؤتمر العقاري، ناقش متحدثون من وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، وشركة تثمير، وشركة الدهام العقارية، واقع القطاع والتحديات والفرص التي تنتظره خلال السنوات المقبلة، في ظل الطفرة العمرانية التي تشهدها السلطنة.

قطاع عالمي يتجه للنمو
الأرقام التي استعرضتها الجلسة التي حضرتها “أثير”، أوضحت حجم التحول الذي يشهده قطاع التطوير والإنشاءات عالميًا؛ إذ بلغ الإنفاق العالمي على القطاع في عام 2024 نحو 14.7 تريليون دولار، مع توقعات بارتفاعه إلى 17.26 تريليون دولار في 2026، ثم إلى 21.73 تريليون دولار بحلول عام 2030.
ولم يعد قطاع البناء والتشييد قطاعًا منفصلًا عن بقية القطاعات الاقتصادية، بل أصبح يرتبط بشكل مباشر بقطاعات الصحة والتعليم والطاقة والنقل والسياحة والأمن والرياضة والبيئة والصناعة والتجزئة والزراعة، ما يجعله من أكثر القطاعات تأثيرًا في الدورة الاقتصادية.
كما أوضحت المؤشرات التي طُرحت خلال الجلسة، أن القطاع يمتلك أثرًا اقتصاديًا مضاعفًا؛ إذ إن كل ريال يُضخ في القطاع يمكن أن يحقق أثرًا اقتصاديًا يتراوح بين 2.5 إلى 3 ريالات، فيما يصل المضاعف على التوظيف إلى 2.14.
واقع القطاع محليًا
وعلى المستوى المحلي، أظهرت بيانات الملتقى أن قطاع التطوير والإنشاءات والتشييد في سلطنة عُمان يضم أكثر من 60 مشروعًا ومؤسسة، ويسهم بما يقارب 2.76 مليار ريال عُماني في الناتج المحلي الإجمالي، بنسبة تبلغ 8.38%، فيما تصل القوى العاملة في القطاع إلى نحو 516 ألف عامل.
وخلال الجلسة، أكد المتحدثون أن النمو المتسارع الذي يشهده القطاع العقاري في السلطنة يفرض في المقابل تطورًا موازيًا في القطاع الصناعي، موضحين أن العلاقة بين التطوير العقاري والصناعة أصبحت علاقة تكاملية لا يمكن فصلها.
وأشار أحد المطورين العقاريين إلى أن القطاع العقاري شهد خلال السنوات الأخيرة نموًا ملحوظًا رفع حجم الطلب على الصناعات المرتبطة بالبناء والتشييد، سواء في الصناعات الهيكلية الأساسية كالإسمنت والخرسانة والطابوق والحديد، أو في الصناعات المرتبطة بالتشطيبات عالية الجودة.
وأوضح أن المستهلك اليوم لم يعد يبحث فقط عن وحدة سكنية، بل أصبح أكثر اهتمامًا بجودة التشطيبات والمواصفات الفنية، وهو ما دفع المطورين للبحث عن منتجات ذات جودة أعلى في مواد البناء والأنظمة الكهربائية والمائية وأنظمة التشغيل المختلفة.
اهتمام بالجودة من المطور والمشتري
بيّن المتحدثون أن التنافسية في السوق لم تعد تقتصر على الهيكل الإنشائي للمشروع، بل أصبحت تمتد إلى جودة التشطيبات والمحتوى النهائي للمشروع.
وأشاروا إلى أن جزءًا كبيرًا من منتجات التشطيبات ما يزال يُستورد من الخارج، الأمر الذي يفتح المجال أمام فرص استثمارية وصناعية واسعة لتوطين هذا النوع من الصناعات داخل السلطنة، خصوصًا مع تنامي الطلب على المشاريع السكنية المتكاملة.
وأكد المتحدثون أن بعض الصناعات العُمانية وصلت بالفعل إلى مستويات عالمية متقدمة، إلا أن المرحلة المقبلة تتطلب مزيدًا من التطوير والتوسع الصناعي بما يتواكب مع حجم المشاريع العقارية الجديدة.
كما أشاروا إلى أن مفهوم الصناعات المرتبطة بالبناء والتشييد لم يعد يقتصر على الحديد والإسمنت والطابوق فقط، وإنما يشمل صناعات متقدمة ومتنوعة مثل الكابلات والألمنيوم والسيراميك ومنتجات التشطيبات والأنظمة التقنية الحديثة.

تقليل الاستيراد هدف استراتيجي للجميع
أكد خالد بن سالم القصابي مدير عام الصناعة بوزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار، أن أحد أبرز المستهدفات الحالية يتمثل في تقليل الواردات وتعزيز الاعتماد على المنتجات المحلية، بالتوازي مع التوسع العمراني الذي تشهده السلطنة.
وأوضح أن القطاع الصناعي يسهم بما يقارب 10% من الناتج المحلي الإجمالي، فيما ارتفعت الصادرات العُمانية خلال عام 2025 إلى أكثر من 6.8 مليار ريال عُماني، وتجاوز حجم الاستثمار الأجنبي المباشر 2.8 مليار ريال عُماني.
وأشار إلى أن كثيرًا من المواد المستخدمة في المشاريع العقارية أصبحت تُصنّع محليًا خلال السنوات الأخيرة، مع دخول شركات وطنية عديدة في مجالات التصنيع المرتبطة بالبناء والتشييد، متوقعًا أن تتجاوز نسبة الاعتماد على المنتجات المحلية 50% من احتياجات القطاع.
وأضاف أن بعض المشاريع وصلت فيها نسبة المحتوى المحلي إلى نحو 75%، معتبرًا أن هذه الأرقام تعكس تطور الصناعة الوطنية وقدرتها على تلبية احتياجات السوق.
برنامج التعمير وربط المطورين بالمصنعين
أوضح المتحدثون أن السلطنة تعمل حاليًا على بناء منظومة متكاملة لتمكين الصناعات المرتبطة بالقطاع العقاري، من خلال تعاون بين وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار ووزارة الإسكان والتخطيط العمراني وعدد من الجهات المعنية.
وأشاروا إلى أن من أبرز المبادرات المطروحة في هذا الجانب “برنامج التعمير”، الذي يهدف إلى دعم الصناعات المحلية عبر ربط احتياجات المطورين العقاريين بالمصنعين المحليين، إلى جانب توقيع اتفاقيات شراء مسبق لتوفير المنتجات المطلوبة للمشاريع العقارية.
وأكدوا أن الهدف من هذه التوجهات يتمثل في بناء قاعدة صناعية قادرة على تلبية احتياجات السوق محليًا بجودة تنافسية، مع تقليل الاعتماد على الاستيراد الخارجي.
تجربة الدهام وتوطين الصناعة
من جانبه، أوضح منذر الحمداني الرئيس التنفيذي لشركة الدهام العقارية أن الحديث عن توطين الصناعات المرتبطة بالبناء لا يقتصر على تجارب فردية، بل يمثل توجهًا أوسع يشهده القطاع العقاري والصناعي في السلطنة.
وأشار إلى أن مجموعة الدهام القابضة تمتلك قسمًا متخصصًا في التطوير العقاري، وتعمل للعام الثاني بالشراكة مع وزارة الإسكان والتخطيط العمراني، مستفيدة من خبرات تمتد لأكثر من 15 عامًا في قطاعات النفط والغاز والطاقة والأساسات.
وأضاف أن المجموعة خاضت تجربة الاستحواذ على أحد المصانع الأجنبية وتحويله إلى تجربة وطنية قائمة على توطين الصناعة وتعزيز استخدام المنتجات المحلية في المشاريع المختلفة.
وأكد أن هذه التجربة أسهمت في تحقيق ثلاث نتائج رئيسية، أولها استقرار الطلب عبر توفير سلاسل توريد أكثر استقرارًا للمشاريع، والثانية استقرار الموردين عبر التعاقدات طويلة الأمد، والثالثة تمكين الشركات المرتبطة بهذه الصناعات وتعزيز المحتوى المحلي.
لغة الأرقام تغيّر قرارات الاستثمار
بين الحمداني أن لغة الأرقام والمؤشرات أصبحت اليوم المحرك الأساسي لقرارات الاستثمار، مشيرًا إلى أن البيانات التي طُرحت خلال المؤتمر تمثل قراءات حقيقية يمكن البناء عليها في وضع الاستراتيجيات المستقبلية.
واستشهد بتجربة المجموعة في مشروعي “حي العلا” و”حي السمو”، اللذين يضمان نحو 300 وحدة سكنية، موضحًا أن أحد المشروعين وصلت فيه نسبة المبيعات إلى 100%، فيما اقترب المشروع الآخر من 80%.
وذكر أن هذه الأرقام تعكس بوضوح تنامي الطلب على المشاريع السكنية المتكاملة، مؤكدًا أن الدراسات السوقية أصبحت عنصرًا أساسيًا في اتخاذ القرارات الاستثمارية.
فرص استثمارية بمليارات الريالات
واستعرض الملتقى عددًا من المؤشرات المرتبطة بفرص الاستثمار في القطاع، حيث أوضحت بيانات “المختبر الوطني للمحتوى المحلي في قطاع البناء” وجود 48 فرصة استثمارية بإجمالي استثمارات تقديرية تتراوح بين 1.022 و2.029 مليار ريال عُماني، تشمل الصناعات الإنشائية والهيكلية الأساسية، والأنظمة المعمارية وحلول الواجهات والتشطيبات، والصناعات التحويلية، والاقتصاد الدائري والاستدامة البيئية.

كما كشفت الأرقام المتعلقة بمدينة السلطان هيثم عن استثمارات تصل إلى 3 مليارات ريال عُماني، ومناقصات مسندة بقيمة 305 ملايين ريال، إلى جانب وصول نسبة المشتريات المحلية إلى 75%، ومشاركة 673 مؤسسة صغيرة ومتوسطة في المشاريع المرتبطة بالمدينة.
وفي مشاريع “صروح”، أوضحت البيانات وجود 25 مشروعًا سكنيًا متكاملًا يقودها 21 مطورًا عقاريًا، بقيمة استثمارية تصل إلى 720 مليون ريال عُماني، تغطي مساحة تبلغ 7.5 مليون متر مربع، مع مساهمة 150 شركة صغيرة ومتوسطة في أعمال الاستيراد وسلاسل التوريد، ووجود 345 موظفًا عمانيًا يعملون في الشركات المرتبطة بهذه المشاريع.
المحتوى المحلي استثمار طويل الأمد
وفي ختام الجلسة، شدد المتحدثون على أن دعم المنتج المحلي لا يمثل مجرد عملية تجارية، بل استثمارًا طويل الأمد في الاقتصاد الوطني، مؤكدين أهمية استمرار الشراكة بين الجهات الحكومية والمطورين والمصنعين.
وأشاروا إلى أن هناك جهودًا تُبذل حاليًا لمنح الأفضلية للمنتج الوطني في بعض المشاريع حتى مع وجود فارق سعري يصل إلى 10%، باعتبار أن هذا الفارق يمثل استثمارًا داخليًا يعود أثره على الاقتصاد الوطني وسلاسل التوريد المحلية.
وأكدوا أن الوصول إلى نسب مرتفعة من المحتوى المحلي يتطلب شراكة حقيقية بين جميع الأطراف، معربين عن أملهم في أن تشهد السنوات المقبلة الوصول إلى نسب تقارب 100% من المحتوى المحلي في عدد من القطاعات المرتبطة بالبناء والتطوير العقاري، بالشراكة بين الحكومة والقطاع الخاص والمصنعين والمطورين المحليين.





