هل ستغرق المفاوضات في مياه المضيق أم تمر بسلام؟

إيران تلوح بوقف المفاوضات مع أمريكا على لسان محمد باقر قاليباف، مشترطة الحصول على 12 مليار دولار مجمدة، وسط مساعٍ حثيثة من الوسطاء لمنع انهيار مذكرة التفاهم.

هل ستغرق المفاوضات في مياه المضيق أم تمر بسلام؟
مضيق هرمز
يجتهد الوسطاء بكل ما لديهم من نفوذ لدى الطرفين الإيراني والأمريكي لإنقاذ المحادثات الإيرانية الأمريكية من انهيار تتزايد احتمالات حدوثه، بعد مرور ثلث الأجل المقرر لإنفاذ بنود مذكرة التفاهم الموقعة من الجانبين.
وحتى الآن لا تبدو في الأفق أية بوادر تشير إلى إمكانية حدوث تقدم ايجابي لصالح تنفيذ البنود الأولى المفتاحية في المذكرة، فالطرفين الإيراني والأمريكي ما يزالان غارقين في ملفين إثنين هما: ملف الملاحة في مضيق هرمز والأموال الإيرانية المجمدة.
والمعضلة الأساسية الخاصة بهذين الملفين أن المواقف فيهما بين الجانبين متناقضة تمامًا، فإيران تتمسك بقوة بأحقيتها في إدارة المضيق وتستند في ذلك إلى البند الخامس من مذكرة التفاهم، كما تتمسك بضرورة حصولها على أموالها المجمدة بناءً على نص المذكرة، بينما ترى أمريكا أنه ليس لإيران الحق في التحكم في مضيق هرمز وفرض أي قيود من أي نوع على مرور السفن عبره باعتباره ممرًا دوليًا وفقًا للقانون الدولي.
وحتى الآن، وبالنظر إلى موقف الجانبين الإيراني والأمريكي يبدو المشهد قاتمًا وغير مبشر، حيث قال رئيس البرلمان الإيراني وكبير المفاوضين الإيرانيين محمد باقر قاليباف إن بلاده ستوقف المفاوضات مع أمريكا حال لم يحدث تقدم في المحادثات الخاصة برفع الحظر عن الأموال الإيرانية المجمدة.
وبحسب تصريحات القادة الإيرانيين فإن إيران كانت تتوقع تسلم 12 مليار دولار من أموالها المجمدة فور التوقيع على مذكرة التفاهم، منها 6 مليارات كانت تنتظر تسلمها في قطر، لكن الجانب الأمريكي يصر على أن تسليم هذه الأموال مرهون بسير المفاوضات والتقدم فيها.
ويبرر الجانب الأمريكي إصراره على رهن الإفراج عن الأموال الإيرانية بأن رفع الحصار عن الموانئ الإيرانية مكّن إيران من بيع 50 مليون برميل من نفطها منذ التوقيع على مذكرة التفاهم وحصلت على عائدها منه.
وفي الوقت ذاته، يرى الايرانيون أن بيعهم لنفطهم هو حق سيادي وقانوني وليس مِنّة أو عطاء تتفضل به أمريكا عليهم ولا علاقة له بأموالها المجمدة، وترى أن أمريكا أخلت بالتزامها وفقاََ لمذكرة التفاهم.
وترى إيران أيضاً أن سماحها بعودة الملاحة بمضيق هرمز واستئناف حركة السفن فيه وتدفق النفط للأسواق العالمية عبر المضيق أدى إلى تراجع أسعار الطاقة، وترى أن ذلك يصب في مصلحة أمريكا ويمثل انفراجًا في الضغوط الداخلية التي تزايدت بسبب ارتفاع أسعار الطاقة وغلاء الأسعار، وبالتالي ينبغي عليها أن تفي بالتزامها وبما تعهدت به بالمقابل.
وتواجه إيران ضغوطاََ داخلية كبيرة من قبل قطاعات مؤثرة رافضة لمذكرة التفاهم وترى أن بنودها مجحفة وأنها دون الطموح وأن المفاوضين الإيرانيين قدموا للأمريكيين كل شيء بلا مقابل يذكر، وهذه الضغوط ستدفع الحكومة الإيرانية إلى التشدد إرضاءً لهذه الفئة وتفاديًا لتوسع شُقّة الخلاف بما قد يؤدي لشق الصف وانقسام الجبهة الداخلية.
ومن المرجّح إذا لم يحدث اختراق في ملف الأموال المجمدة أن تلجأ إيران إلى إعادة إغلاق المضيق مرة أخرى، وما قد يترتب على هذا الاغلاق من تداعيات خطيرة تلقي بظلال سالبة على مسار التفاوض وقد توقفه تماماً، الأمر الذي يجعل من احتمال العودة مجدداََ للحرب احتمالاََ وارداََ بقوة، فإغلاق المضيق سيدفع أمريكا هي الأخرى إلى إعادة فرض الحصار البحري على الموانئ الإيرانية وتعود المنطقة بأسرها إلى مربع الحرب. فالرافضون لمذكرة التفاهم في الداخل الأمريكي سيجدونها فرصة للدفع في اتجاه الانسحاب من المسار التفاوضي، وينعكس ذلك تلقائيًا على المفاوض الأمريكي الذي لن يجد بداََ من الضغط على الجانب الإيراني لتقديم تنازلات لإسكات الرافضين وهو طلب في الغالب لن يجد استجابة من الجانب الإيراني.
وهكذا سيتحول المسار التفاوضي إلى حلقة مفرغة من الضغط والضغط المضاد دون استجابة وبالتالي تدور المفاوضات حول محورها، وما يزيد الطينة بلة إن كلا الطرفين يراهن على أن الطرف الآخر سيضطر إلى التنازل وكلاهما يؤمن بأن موقفه هو الأقوى.
والحقيقة أن هذا الوضع الخطير الذي تمر به المفاوضات، سببه أن مذكرة التفاهم ملئت بكثير من الثقوب برضا الجانبين، والعديد من بنودها تحمل في طياتها تناقضات وتحتمل تفسيرات متعددة، وهو أمر لا يمكن القول أنه قد فات على المفاوضين من الجانبين فهذا غير وارد، لكن ربما وجد الجانبين أن هذه الحالة - كون البنود فضفاضة - تتيح لهما الفرصة للمناورة وإمكانية تفسير البنود وفقاً لرؤية ومصلحة كل طرف، وهذه الفرضية تسندها حالة السرية التي ضربت على المذكرة أثناء اعدادها، وبعد الانتهاء من إعدادها، وقبيل التوقيع عليها باتفاق الطرفين وفق ما تم الكشف عنه لاحقاً.
وتسود حالة من الترقب المشوب بالحذر والتشاؤم حول العالم بخصوص نجاح الطرفين ومعهما الوساطة في تجاوز هذه العقبات بسلام ، فالموقف الراهن لا تبدو فيه ملامح انفراج، رغم أن خيار العودة إلى الحرب خيار ليس في مصلحة أي من الطرفين لأنه خيار يبدد المكاسب التي تحققت حتى الآن، فضلاََ عن أنه ثبت بالواقع والدليل القاطع أن الحرب لن تحقق أهداف الطرفين وأن هذا الصراع المعقد لن تحسمه الحرب، وأن المفاوضات هي السبيل الوحيد لإنهائه، ولن تنجح المفاوضات إلا بتقديم التنازلات من هنا وهناك، فالمفاوضات في جوهرها هي عملية تنطوي على فكرة التنازل المتبادل من قبل الأطراف للوصول إلى منطقة وسطى وإلى حل وسط ترتضيه الأطراف.
وفي هذه المرحلة الحرجة في مسار التفاوض وتمسك كل طرف بموقفه يأتي دور الوساطة كمنقذ له من الانهيار وذلك بالسعي الحثيث والجاد لتليين المواقف والتقريب بينها وتقديم المقترحات البناءة، ذلك أن الوساطة الحالية هي في المحصلة جزء من المشهد وإن لم تكن طرفاََ في الصراع، إلا أنها تتأثر بتداعياته سلباََ أو إيجاباََ وهي قوى إقليمية أصيلة وفاعلة وترتبط مصالحها بصورة مباشرة ووثيقة بمصالح المنطقة ككل وهي شريك ذو ثقل كبير، وبالتالي ينتظر أن يعبر بهذه المفاوضات إلى بر الأمان.
وفوق هذا وذاك فإن الظرف الراهن الذي تمر به المنطقة والعالم بسبب هذا الصراع يقتضي من أمريكا وايران التحلي بروح المسؤولية الأخلاقية تجاه شعوب المنطقة وتجنيبها الانزلاق في دورة جديدة من الدمار وعدم الاستقرار، فالحروب مهما كانت أسبابها ودوافعها تظل هي أطول الطرق للوصول إلى الأهداف، وأسوأ الوسائل للوصول إلى الحلول وقد جربت الإنسانية الحروب عبر الحقب والأزمان المتعاقبة، فما جنت منها غير الخراب والدمار والمآسي التي لا تزال آثارها ماثلة للعيان، وفي كنف الألفية الثالثة التي شهدت وتشهد تطورًا هائلاََ في التكنولوجيا والعلوم ينبغي أن يترافق مع هذا التقدم المادي الهائل والمدهش تقدم أخلاقي مساوي له في الدرجة، لتعيش البشرية ربما لأول مرة حياة ”إنسانية“ حقيقية وليست زائفة، هذا التقدم التكنولوجي الكبير يحتاج إلى حاضنة أخلاقية تضبطه وتوجه مساره نحو الخير وتصرفه عن مضارب الشر، والقوة الحقيقية هي التي تصنع السلام لا الحرب، لأن السلام بناء والحرب هدم.

شارك هذا الخبر