الأكواب النحاسية: فوائد حقيقية أم وعود مبالغ فيها؟

الأكواب النحاسية تمتلك خصائص مضادة للميكروبات مثبتة، لكن الجهات الصحية تحذر من ادعاءات تقوية المناعة وإزالة السموم وتحسين الهضم التي تفتقر إلى أدلة علمية كافية

الأكواب النحاسية: فوائد حقيقية أم وعود مبالغ فيها؟
الأكواب النحاسية: فوائد حقيقية أم وعود مبالغ فيها؟
في السنوات الأخيرة، تحولت الأكواب والقوارير النحاسية من أدوات تقليدية كانت تستخدم في بعض الثقافات منذ قرون إلى منتجات تحظى بانتشار واسع على منصات التواصل الاجتماعي، حيث يتداول المستخدمون مقاطع فيديو ومنشورات تروج لفوائد صحية متعددة مرتبطة بشرب الماء من أوعية النحاس. وبينما يصف البعض هذه الأكواب بأنها وسيلة طبيعية لتعزيز الصحة وتحسين الهضم وتقوية المناعة، يحذر مختصون من الانسياق وراء ادعاءات لا تدعمها الأدلة العلمية بالقدر الكافي.
ويأتي هذا الانتشار في وقت يشهد فيه العالم اهتمامًا متزايدًا بكل ما يتعلق بالصحة والعافية، ما جعل كثيرًا من المنتجات التقليدية تعود إلى الواجهة مجددًا، مدفوعة بقوة التسويق الرقمي وتأثير المحتوى المتداول عبر المنصات الاجتماعية.
من الموروث القديم إلى الواجهة مجددًا
لا يعد استخدام الأواني النحاسية أمرًا مستحدثًا، فقد عرفته حضارات قديمة في مناطق مختلفة من العالم، واستخدم النحاس في تخزين المياه قبل ظهور المواد الحديثة. وفي بعض الثقافات التقليدية، ارتبط الاحتفاظ بالماء في أوعية نحاسية باعتقادات تتعلق بفوائده الصحية، قبل أن تعيد وسائل التواصل الاجتماعي تسليط الضوء على هذه الممارسات خلال السنوات الأخيرة.
ماذا يحدث للماء داخل الإناء النحاسي؟
علميًا، يمتلك النحاس خصائص مضادة للميكروبات، وهي حقيقة مثبتة في عدد من الدراسات العلمية.
فعندما يُحفظ الماء داخل وعاء نحاسي لفترة زمنية معينة، يمكن أن تنتقل كميات ضئيلة جدًا من النحاس إلى الماء، كما أظهرت أبحاث أن الأسطح النحاسية قادرة على تقليل أعداد بعض أنواع البكتيريا والميكروبات مقارنة بمواد أخرى تستخدم في صناعة الأواني.
وقد دفع ذلك بعض الباحثين إلى دراسة إمكانية الاستفادة من النحاس في الحد من نمو بعض الكائنات الدقيقة، خاصة في البيئات التي تفتقر إلى وسائل متطورة لتنقية المياه.
لكن هذه النتائج لا تعني بالضرورة أن شرب الماء من كوب نحاسي يمنح فوائد صحية واسعة النطاق كما يُشاع على مواقع التواصل الاجتماعي، وهو ما تؤكد عليه العديد من الجهات الصحية والعلمية.
بين الحقيقة والمبالغة
تنتشر على الإنترنت مجموعة كبيرة من الادعاءات المرتبطة بالأكواب النحاسية، إلا أن الأدلة العلمية المتوافرة لا تدعم كثيرًا منها.
فمن أكثر الادعاءات شيوعًا أن شرب الماء من الأكواب النحاسية يقوي جهاز المناعة، ورغم أن النحاس عنصر ضروري لبعض الوظائف المناعية داخل الجسم، فإن العلماء يؤكدون أن معظم الأشخاص يحصلون على احتياجاتهم منه عبر الغذاء اليومي دون الحاجة إلى استخدام هذه الأكواب.
كما يروج البعض لفكرة أن الماء المخزن في الأواني النحاسية يساعد على “إزالة السموم” من الجسم، غير أن المختصين يشيرون إلى أن الكبد والكليتين هما المسؤولان بشكل أساسي عن التخلص من الفضلات والمواد الضارة، ولا توجد أدلة علمية تثبت أن الأكواب النحاسية تؤدي هذا الدور.
ومن الادعاءات الأخرى المتداولة قدرتها على تحسين عملية الهضم أو المساعدة في خسارة الوزن أو تأخير علامات التقدم في العمر، وهي مزاعم لا تزال تفتقر إلى الأدلة السريرية الكافية التي تسمح باعتبارها فوائد مثبتة علميًا.
عنصر يحتاجه الجسم.. ولكن
يعد النحاس من العناصر الغذائية الأساسية التي يحتاجها الجسم بكميات صغيرة، إلا أن معظم الأشخاص يحصلون على احتياجاتهم اليومية منه بسهولة عبر نظام غذائي متوازن يشمل المكسرات والبذور والحبوب الكاملة والبقوليات والمأكولات البحرية وبعض أنواع الخضراوات.
وتشير المعاهد الوطنية للصحة في الولايات المتحدة إلى أن نقص النحاس ليس من الحالات الشائعة لدى غالبية الناس، ولذلك لا تمثل الأكواب النحاسية ضرورة للحصول على هذا العنصر.
متى يتحول النحاس إلى مصدر قلق؟
كما هو الحال مع العديد من العناصر الغذائية، فإن المشكلة لا تكمن في النحاس نفسه، بل في الإفراط في التعرض له.
فبحسب الجهات الصحية، قد يؤدي ارتفاع مستويات النحاس في الجسم إلى أعراض تشمل الغثيان والقيء وآلام المعدة والإسهال، وفي الحالات الشديدة قد تحدث مضاعفات صحية أكثر خطورة.
ولهذا السبب يحذر الخبراء من استخدام أوانٍ نحاسية غير مطلية لتخزين المشروبات الحمضية مثل عصير الليمون أو البرتقال أو الخل، لأن هذه السوائل قد تتفاعل مع النحاس وتزيد من انتقاله إلى المشروب بكميات أكبر.
كما ينصح بالتأكد من جودة المنتج المستخدم واتباع التعليمات الخاصة بالتنظيف والتخزين، وعدم التعامل مع الأكواب النحاسية على أنها منتجات صحية يمكن استخدامها دون ضوابط.
ماذا تقول الجهات الصحية؟
لا تنكر الجهات الصحية والعلمية الخصائص المضادة للميكروبات التي يتمتع بها النحاس، إلا أنها تؤكد في الوقت نفسه أن هذه الخصائص لا تبرر الادعاءات الواسعة المنتشرة على الإنترنت.
وتشير منظمة الصحة العالمية إلى أهمية مراقبة مستويات النحاس في مياه الشرب، لأن ارتفاع تركيزه عن الحدود الموصى بها قد يؤدي إلى آثار صحية غير مرغوبة.
كما تؤكد المعاهد الوطنية للصحة أن النحاس عنصر أساسي للجسم، لكنه ليس عنصرًا يعاني معظم الناس نقصًا فيه، وأن الحصول عليه من مصادر غذائية متنوعة يظل الخيار الأفضل.
بين الترند والحقيقة
لا توجد أدلة تشير إلى أن استخدام الأكواب النحاسية المصممة للشرب بشكل صحيح يمثل خطرًا مباشرًا على الأشخاص الأصحاء، كما أن الخصائص المضادة للميكروبات للنحاس حقيقة مثبتة علميًا.
لكن في المقابل، لا تدعم الأبحاث الحالية معظم الادعاءات التي تُسوَّق على أنها فوائد مؤكدة، مثل إزالة السموم أو تعزيز المناعة بصورة استثنائية أو الوقاية من الأمراض.
وبينما يستمر انتشار هذه الأكواب على منصات التواصل الاجتماعي، يؤكد المختصون أن التعامل معها يجب أن يكون في إطار الحقائق العلمية المتاحة، لا الوعود التسويقية المتداولة، وأن الاعتماد على نظام غذائي متوازن وعادات صحية مثبتة يظل الخيار الأكثر فاعلية للحفاظ على الصحة.
المصادر:
منظمة الصحة العالمية (WHO) – Copper in Drinking-water.
المعاهد الوطنية للصحة الأمريكية (NIH) – Copper Fact Sheet for Health Professionals.
مراكز مكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC/ATSDR) – Copper Toxicity and Human Health.
مراجعات علمية حول الخصائص المضادة للميكروبات للنحاس منشورة في دوريات علمية متخصصة مثل Journal of Applied Microbiology وApplied and Environmental Microbiology.

شارك هذا الخبر