سماحة الشيخ أحمد الخليلي: لصلة الرحم حق عظيم لا يُقدر قدره

سماحة الشيخ أحمد بن محمد الخليلي يؤكد أن صلة الرحم مطلب شرعي، ويدعو إلى التزاور ومواساة ذوي القربى وقضاء حاجاتهم والمبادرة بالوصل حتى مع القطيعة.

سماحة الشيخ أحمد الخليلي: لصلة الرحم حق عظيم لا يُقدر قدره
سماحة الشيخ أحمد الخليلي: لصلة الرحم حق عظيم لا يُقدر قدره
مسقط- أثير
قال سماحة سماحة الشيخ أحمد بن محمد الخليلي المفتي العام لسلطنة عُمان إن لصلة الرحم حق عظيم لا يقدر قدره، وإن على كل من يرحم نفسه ويشفق عليها من عقاب الله ولعنته أن يبادر إلى وصل رحمه حتى ولو كان الرحم قاطعا. فالرحمن الرحيم، الذي أمر بحسن الصلات بين الناس أجمعين، خصوصا بين الأقربين، وينهى عن قطيعة الأرحام، ويأمر بالمبادرة إلى الصلات بينهم.
إليك نص كلمة سماحة الشيخ المفتي العام لسلطنة عُمان والتي رصدتها “أثير” من حسابه على منصة أكس:
وبعد،،
فإن حسن الصلات بين الناس، وإحسان بعضهم إلى بعـض مطلـب شـرعـي لا يجوز التهاون فيه، وكل ذلك في مقدمة أوامره تعالى، قال الله عز وجل: ﴿ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ ۚ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ النحل: ٩٠. وقد بين ما للرحـم من حق فقال: ﴿ وَأُولُوا الْأَرْحَاءِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَبِ الله﴾ الأنفال: ٧٥، وشدد في قطيعـة الـرحم حـتى جعلها من أعظم الفساد في الأرض، وهـي مؤدية إلى لعنة الله الماحقة التي تأتي على كل خير كما في قوله تعالى: ﴿فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِن تَوَلَّيْتُمْ أَن تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِعُوا أَرْحَامَكُمْ () أُولَيْكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَتَهُمْ وَأَعْمَىٰ أَبْصَرَهُمْ ﴾ محمد: ٢٢ - ٢٣، وجاء في الحديث القدسي أن الرحمن قال: «أَنَا اللَّهُ، وَأَنَا الرَّحْمَنُ خَلَقْتُ الرَّحِمَ، وَشَقَقْتُ لَهَا مِنِ اسْمِي؛ مَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا بته (۱)، وقال الله تعالى: «الرَّحِمُ شِجْنَةٌ مِنِّي، فَمَنْ وَصَلَهَا وَصَلْتُهُ، وَمَنْ قَطَعَهَا قَطَعْتُهُ) (2)، وعن عائشة رضي الله عنهـا عنـه صلى الله عليه وسلم: “الرَّحِمُ مُعَلَّقَةٌ بِالْعَرْشِ، تَقُولُ: مَنْ وَصَلَنِي وَصَلَهُ اللَّهُ، وَمَنْ قَطَعَنِي قَطَعَهُ اللَّـهُ” (3).
وصلة الرحم لا تتوقف على صلة الطرف الآخر، بل كل رحم عليـه أن يبادر إلى صلة رحمه، ففي الحديث عنه : لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِي، وَلَكِنِ الوَاصِلُ الَّذِي إِذَا قطعت رَحِمُهُ وَصَلَهَا» (4)، وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ الله صلى الله عليه وسلم: صَنَائِعُ المَعْرُوفِ تَقِي مَصَارِعَ السَّوْءِ، وَالصَّدَقَةُ خَفِيًّا تُطْفِئُ غَضَبَ الرَّبِّ، وَصِلَةُ الرَّحِمِ زِيَادَةٌ فِي الْعُمُرِ، وَكُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ، وَأَهْلُ الْمُعْرُوفِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ المَعْرُوفِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَهْلُ المُنْكَرِ فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْمُنْكَرِ فِي الْآخِرَةِ، وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الجُنَّةَ أَهْلُ المَعْرُوفِ ((5)
وإذا كانت الرحم بهذا القدر في حقها على كل ذي صلة بها؛ فإن على كل أن يبادر إلى صلة رحمه وتكون بالتزاور، ويتأكد ذلك إذا مرض ذو الرحم، وكذاك اتباع جنائزهم، وتتبع أخبارهم، وإرسال الهدايا إليهم، وذلك مما يدخل في إيتاء المال ذوي القربي، وذلـك مـن أعظم أبواب البر، كما قال الله تعالى: ﴿ لّيْسَ الْبِرّ أَن تُوَلّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَـَكِنّ الْبِرّ مَنْ آمَنَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الاَخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنّبِيّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَىَ حُبّهِ ذَوِي الْقُرْبَىَ وَالْيَتَامَىَ وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السّبِيلِ وَالسّآئِلِينَ وَفِي الرّقَابِ وَأَقَامَ الصّلاةَ وَآتَى الزّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ والضّرّاءِ وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَـَئِكَ الّذِينَ صَدَقُوآ وَأُولَـَئِكَ هُمُ الْمُتّقُونَ ﴾ البقرة: ۱۷۷، فترى أن الله تعالى جعل أول حق في المال هو حق ذوي القربى، وحتى الصدقات تضاعف أجورها عندما يكون المتصدق عليه قريبا، ففي الحديث الصَّدَقَةُ عَلَى المِسْكِينِ صَدَقَةٌ، وَهِيَ عَلَى ذِي الرَّحِمِ ثِنْتَانِ: صَدَقَةٌ؛ وَصِلَةٌ . (6)
ومن حقوق ذوي القربى مواساتهم في مصابهم، وتهنئتهم في أفراحهم وقضاء حاجاتهم من المال أو غيره وترى كيف قرن الله تعالى حقوق ذوي الأرحام بحقه على عباده عندما قال: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً اتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾ - النساء: ١، كل هذه النصوص الشرعية والتوجيهات الربانية تدل على ما للرحم من حق عظيم لا يقدر قدره، فوصيتنا إلى جميع ذوي العلاقات في القربى أن يتقوا الله تعالى، ويبادروا إلى إيتاء كل ذي حق حقه، وعدم التساهل في ذلك، على أن الحقوق تتضاعف بسبب هذه العلاقات الحميمة بينهم، حتى حق الجوار فإنه يتضاعف وقد جاء في بعض الآثار: «الْخِيرَانُ ثَلَاثَةٌ: فَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقِ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ، وَجَارٌ لَهُ حَقٌّ، فَجَارُكَ ذُو الثَّلَاثَةِ الْحُقُوقِ : جَارُكَ المُسْلِمُ الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قَرَابَةٌ، فَلِلْإِسْلَامِ حَقٌّ وَلِلْقَرَابَةِ حَقٌّ وَلِلْحِوَارِ حَقٌّ، وَجَارُكَ ذُو الْحَقَّيْنِ: جَارُكَ المُسْلِمُ، فَلِإِسْلَامِ حَقٌّ وَلِلْجِوَارِ حَقٌّ، وَجَارُكَ ذُو الْحَقِّ : جَارُكَ الَّذِي لَيْسَ عَلَى دِينِكَ، فَلِلْجِوَارِ حَقٌّ (7).
وعليه؛ فإن على كل من يرحم نفسه ويشفق عليهـا مـن عقاب الله ولعنتـه أن يبادر إلى وصل رحمه حتى ولو كان الرحم قاطعا، وهذا مما يدعو القلوب المتنافرة إلى الوئام والانسجام، ويبعث على الألفة والوفاق، ويستل السخائم والأحقاد من النفوس.
وعلى كل طرفين من الأرحام تقاطعا أن يحسنا عودة بعضهما إلى بعض، وكل من كان منهما أسرع خطى إلى وصل الطرف الآخر كان أفضل وأقرب إلى الله وأحظى عند الناس، فلذلك عندما وقع الخلاف بين الحسين سبط رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين أخيه محمد بن الحنفية، وانقطع كل منهما عن الآخر ومضت ثلاث، أبى محمد أن يسبق أخاه إلى الفضل لمكانته بسبب أمه بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكتب إليه ما معناه: «كلانا ابن علي بن أبي طالب، ولكن أمي الحنفية وأمك فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله لو كانت لي أمهات ملء الأرض لما عدلت بهن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأقسمت إليك أن تكون أنت المبادر إلى صلتي»، فلم يترك السبط الكريم كتابه حتى دعا ببغلته أن يؤتى بها فركبها إليه، وهكذا كل من كان أرفع قدرا كان أولى بالمبادرة بالزيارة، وذلك لا يسقط هذا الحق عن الطرف الآخر، فعلى كل أن يكون حريصا على الفضل والسبق إليه، وقد سبق في الحديث الشريف أن الواصل من إذا قطعت رحمه وصلها، والله المستعان.
هذا؛ وإني أستغفر الله تعالى وأتوب إليه من كل إساءة أو تقصير في حق أي أحد لا سيما الأرحام، وأدين الله تعالى ببرهم وحسن صلتهم، والله ولي التوفيق.
وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أحمد بن حمد الخليلي
٢٧ ذي الحجة ١٤٤٧هـ
(1) رواه الترمذي؛ سنن الترمذي، كتاب (۲٥) البر والصلة باب (۹) ما جاء في قطيعة الرحم (رقم ۱۹۰۷ ، ص ١٨٤٤) وأبو داود بلفظ قريب؛ سنن أبي داود، كتاب (٩) الزكاة، باب (٤٥) في صلة الرحم، رقم ١٦٩٤ ، ص ١٣٤٩) . مسند أحمد، (رقم ١٦٥٩، ٣٠٤/٢ – ٣٠٥).
(٢) أخرجه أبو يعلى بهذا اللفظ؛ مسند أبي يعلى، (رقم ١٣،٧١٩٨/ ١٥٦).
(3) رواه مسلم؛ صحیح مسلم، کتاب البر، باب صلة الرحم وتحريم قطعها، (رقم: ٢٥٥٥ [٦٥١٩]، ص ١١٢٦).
(4) رواه البخاري؛ صحيح البخاري، كتاب الآداب، باب لَيْسَ الوَاصِلُ بِالمُكَافِي، (رقم: ٥٩٩١،
(5) أخرجه الطبراني في الأوسط؛ المعجم الأوسط، (رقم: ٦٠٨٦، ١٦٣/٦).
(6) رواه الترمذي في سننه، أبواب الزكاة، باب ما جاء في الصدقة على ذي القرابة، ج ۳، ص ٤٦، رقم: ٦٥٨، وقال: حسن.
(7) أخرجه ابن أبي الدنيا في مكارم الأخلاق، (رقم: ٣٤١، ص ١٠٥).

شارك هذا الخبر