هل تذكرون “عامٌ به الآمال ترقى سُلّمًا”: إليكم قصة عام الشبيبة

مكرمة بمليون ريال لـ48 ناديًا وجمعيات المرأة ونشيد لحّنه محمد عبد الوهاب وطوابع بريدية وميداليات تذكارية، هكذا وثّقت عُمان عام 1983 شراكةً بين الشباب والدولة في مسيرة البناء

عن الكاتب

هل تذكرون “عامٌ به الآمال ترقى سُلّمًا”: إليكم قصة عام الشبيبة
عام الشبيبة
أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في الثامن عشر من نوفمبر من عام 1982م، وفي كلمته السامية بمناسبة العيد الوطني الثاني عشر المجيد، أعلن السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- تخصيص عام 1983م ليكون “عام الشبيبة”، في خطوة جسّدت المكانة التي حظي بها الشباب العُماني في فكر النهضة المباركة، والإيمان بأن بناء الإنسان هو الأساس الذي تُبنى عليه الأوطان وتُصان به منجزاتها.
وجاء هذا الإعلان في مرحلة كانت سلطنة عُمان تشهد خلالها توسعًا متسارعًا في مشروعات التنمية والتعليم والتدريب، حيث بدأت ثمار السنوات الأولى من النهضة الحديثة تنعكس على المجتمع، وبرز جيل جديد من الشباب العُماني المتعلم والمؤهل للمشاركة في مسيرة البناء الوطني، ومن هنا رأى السلطان قابوس أن الوقت قد حان لتوجيه اهتمام خاص بهذه الفئة التي تمثل حاضر الوطن ومستقبله.
وأكد السلطان في كلمته السامية أن الشباب هم الثروة الحقيقية للأمة، وأن مسؤولية إعدادهم وتأهيلهم لا تقل أهمية عن بناء المؤسسات والمشروعات، بل هي الضمانة الأساسية لاستمرار التنمية واستدامتها، وقد مثّل إعلان “عام الشبيبة” رسالة واضحة مفادها أن الاستثمار في الإنسان العُماني يظل الركيزة الأولى للنهضة.
وشهد عام 1983م تنظيم العديد من البرامج والأنشطة والفعاليات التي استهدفت الشباب في مختلف محافظات سلطنة عمان، وشملت المجالات الثقافية والرياضية والاجتماعية والكشفية والتطوعية، إلى جانب دعم المبادرات التي تسهم في تنمية مهارات الشباب وتعزيز مشاركتهم في خدمة المجتمع. كما أوليت المؤسسات التعليمية والشبابية اهتمامًا أكبر ببرامج إعداد القيادات الشابة وصقل المواهب وتنمية القدرات.
ولم يكن “عام الشبيبة” مجرد مناسبة زمنية مرتبطة بسنة واحدة، بل شكّل محطة مفصلية في مسار العمل الشبابي في سلطنة عُمان، إذ أسهم في ترسيخ مفهوم الشراكة بين الشباب والدولة في عملية التنمية، وأوجد حراكًا مجتمعيًا واسعًا حول قضايا الشباب واحتياجاتهم وتطلعاتهم.
حين ربط السلطان قابوس بين الجامعة والرياضة والشباب في مشروع وطني واحد
في الكلمة السامية التي ألقاها السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- أثناء الاحتفال بالعيد الوطني الثاني عشر في 18 نوفمبر 1982م، أعلن جلالته عن الوثيقة التأسيسية لإعلان عام 1983 “عامًا للشبيبة العُمانية”، حيث جاء في الخطاب السامي هذا المقتطف:
“اعتزازا بشبابنا وتجسيدا لاهتمامنا الكبير بإعداده لأداء واجبه نحو وطنه سيتم خلال هذا الأيام وضع حجر الأساس لجامعة قابوس إيذانا بمباشرة العمل في هذا المشروع الكبير بما يضمه من منشآت جامعية عديدة، وسنبدأ خلال العام القادم بإذن الله في إقامة مدينة رياضية متكاملة، كما أنشأنا مجلسا أعلى للشباب برئاستنا، ونعتزم جعل عام 1983 عاما للشبيبة العمانية، وتخصيص عيدنا الوطني القادم لشبابنا، وذلك كله بهدف إبراز دور الشباب وإتاحة كل الفرص أمامه للاضطلاع بهذا الدور على نحو ايجابي وفي كافة المجالات.”
وتكشف هذه الكلمات أن إعلان عام الشبيبة لم يكن مجرد شعار احتفالي، بل جاء ضمن حزمة من المبادرات الإستراتيجية التي استهدفت الشباب العُماني بصورة مباشرة، ففي الوقت الذي أعلن فيه السلطان عن تخصيص العام للشباب، كان يربط ذلك بمشروعات ومؤسسات نوعية، من أبرزها وضع حجر الأساس لجامعة السلطان قابوس، وإنشاء مجلس أعلى للشباب برئاسته، والتخطيط لإقامة مدينة رياضية متكاملة، وهي جميعها خطوات هدفت إلى توفير البيئة التعليمية والثقافية والرياضية التي تمكّن الشباب من أداء دورهم الوطني.
كما يبرز في الخطاب إدراك السلطان قابوس المبكر لأهمية تمكين الشباب وإشراكهم في عملية التنمية، إذ أكد أن الغاية من هذه المبادرات هي “إبراز دور الشباب وإتاحة كل الفرص أمامه”، وهو ما يعكس إيمانًا راسخًا بأن الشباب ليسوا مجرد مستفيدين من التنمية، وإنما شركاء أساسيون في صناعتها واستدامتها.
لجنة وطنية للإشراف على برامج عام الشبيبة
لضمان تنفيذ برامج عام الشبيبة بصورة متكاملة، صدر في السابع من مارس 1983م قرار بتشكيل لجنة خاصة للإعداد لهذه المناسبة الوطنية، برئاسة مساعد نائب رئيس المجلس الأعلى لرعاية الشباب، وعضوية ممثلين عن مختلف الجهات الحكومية والمؤسسات المعنية بالشباب والثقافة والتنمية الاجتماعية.
وضمت اللجنة وكلاء وزارات التربية والشباب والتعليم، والتراث، والداخلية، والشؤون الاجتماعية، والصحة، والإعلام، والدفاع، إلى جانب نائب محافظ ظفار، وممثلين عن وزارة المالية، وشرطة عُمان السلطانية، والكشافة، واللجنة الأولمبية، والاتحادات الرياضية، وهو ما يعكس الطابع الوطني الشامل الذي اتسمت به برامج عام الشبيبة، وحرص الدولة على إشراك مختلف القطاعات في التخطيط لفعالياته وتنفيذها.
“عاشت عُمان”.. نشيد خلّد روح عام الشبيبة
من المبادرات الثقافية والفنية التي ارتبطت بعام الشبيبة إنتاج نشيد وطني خاص، ليكون صوتًا معبرًا عن تطلعات الشباب العُماني وروح المرحلة التي عاشتها السلطنة آنذاك، وقد كتب كلمات النشيد الشاعر العُماني الراحل عبدالله بن صخر العامري، بينما تولى تلحينه الموسيقار العربي الكبير محمد عبد الوهاب، في تعاون فني جسّد المكانة التي حظي بها هذا الحدث الوطني.
وجاء النشيد ليحتفي بالشباب ودورهم في مسيرة النهضة، ويعكس مشاعر الاعتزاز بالوطن والثقة بمستقبله، حيث استهل بكلمات حملت الكثير من التفاؤل والطموح:
عام الشبيبة في بلادي للمروءة والحمى
عامٌ به الآمال ترقى سلّمًا
عامٌ سما فتبسّما
يحكي لأهل الأرض أن عُمان ترقى الأنجما
وقد شكّل النشيد أحد الرموز الثقافية المصاحبة لعام الشبيبة، وأسهم في ترسيخ رسالته الوطنية، التي هدفت إلى إبراز دور الشباب العُماني وإشراكه في مختلف مجالات البناء والتنمية، ليبقى شاهدًا فنيًا على مرحلة أولت الإنسان العُماني، ولا سيما الشباب، عناية خاصة في مسيرة النهضة المباركة.
فعاليات عام الشبيبة.. استثمار في الإنسان العُماني
لم يقتصر “عام الشبيبة” على كونه إعلانًا رمزيًا للاهتمام بالشباب، بل تُرجم إلى برنامج وطني حافل بالفعاليات والأنشطة التي استهدفت تنمية قدرات الشباب العُماني وإبراز مواهبه في مختلف المجالات، فقد اشتمل الإطار العام للبرامج على أنشطة ثقافية وأدبية وفنية متنوعة، ومنتديات ومعسكرات عمل داخلية وخارجية، كما شهد العام قيام سفينة “شباب عُمان” برحلة إلى دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية، واستضافة وفود شبابية من الدول الشقيقة والصديقة للمشاركة في الاحتفالات والبرامج المصاحبة، إلى جانب تنظيم مهرجان للشباب وعروض طلابية جسّدت طاقات الشباب وإبداعاتهم.
ومن ضمن الفعاليات، مبادرة الهيئة القومية للكشـافة والمرشدات بإقامة المخيم الكشفي بولاية السيب وذلك في يناير 1983م، وقد شارك في هذا المخيم (1200) كشاف وقائد من جميع مناطق سلطنة عمان، كما أقيم العرض الطلابي والكشفي في 20 نوفمبر 1983م بمناسبة العيد الوطني، وتضمن عروضًا للكشاف الأعظم.
وفي الجانب الثقافي، نُظمت مسابقات متعددة شملت الشعر والقصة القصيرة والمسرحية والمقال والبحوث، إضافة إلى مسابقات في النحت والرسم والتطريز والتصوير الفوتوغرافي، بهدف تشجيع المواهب الشابة وإتاحة الفرصة أمامها للتعبير عن قدراتها. كما احتضنت سلطنة عمان في 25 سبتمبر 1983م معرض الكتاب العُماني والحرف الوطنية، الذي مثّل مناسبة لإبراز النتاج الفكري والثقافي والحرفي للشباب العُماني.
وعلى صعيد التبادل الشبابي، شاركت سلطنة عمان في اللقاء الشبابي الخليجي الذي أقيم بالمملكة العربية السعودية في فبراير 1983م، كما أسهم الشباب العُماني في معسكر العمل العربي الأول بدولة الكويت خلال مارس من العام نفسه، ومعسكر العمل الدولي بالخرطوم في مايو 1983م، وفي الداخل أُقيمت سبعة معسكرات عمل شبابية في مختلف مناطق سلطنة عمان، إلى جانب تنظيم منتدى الشباب الخليجي بصلالة، ومنتدى الشابات بمسقط، ومخيم خاص للمعوقين بالعاصمة، في دلالة على شمولية البرامج وحرصها على إشراك مختلف فئات المجتمع في فعاليات عام الشبيبة.
المكرمة السامية.. دعم مباشر للمؤسسات الشبابية والأهلية
إلى جانب البرامج والفعاليات المتنوعة التي شهدها عام الشبيبة، حظيت الأندية الرياضية والمؤسسات الأهلية بدعم مباشر من خلال المكرمة السلطانية السامية التي بلغت قيمتها الإجمالية مليون ريال عُماني، في تأكيد عملي على الاهتمام بتنمية الحركة الشبابية وتوفير الإمكانات اللازمة لها.
وقد خُصص مبلغ (15) ألف ريال عُماني لكل نادٍ من أندية سلطنة عمان، التي بلغ عددها آنذاك (48) ناديًا، كما مُنح كل نادٍ مبلغ (5000) ريال لشراء سيارة تخدم أنشطته وبرامجه المختلفة، وشملت المكرمة كذلك جمعيات المرأة العُمانية، حيث خُصص لكل جمعية مبلغ (15) ألف ريال دعمًا لبرامجها الاجتماعية والثقافية، إضافة إلى تخصيص مبلغ (25) ألف ريال لشراء الكتب وتزويد مكتبات الأندية بالإصدارات التي تسهم في تنمية معارف الشباب وثقافتهم.
وعكست هذه المكرمة رؤية السلطان قابوس -طيب الله ثراه- في أن تنمية الشباب لا تقتصر على إقامة الفعاليات والأنشطة فحسب، بل تتطلب أيضًا توفير البنية المؤسسية والإمكانات المادية التي تمكّن الأندية والجمعيات من أداء رسالتها في احتضان الشباب وتنمية قدراتهم وصقل مواهبهم.
ميداليات وطوابع تذكارية خلدت عام الشبيبة
لم تقتصر مظاهر الاحتفاء بعام الشبيبة على البرامج والفعاليات والأنشطة المختلفة، بل امتدت لتشمل إصدار مجموعة من المقتنيات التذكارية التي وثّقت هذه المناسبة الوطنية الخالدة، فقد أُصدرت ميداليات تذكارية خاصة حملت شعار عام الشبيبة، الذي تضمن صورة شاب يرفع علم سلطنة عُمان في دلالة رمزية على دور الشباب في حمل راية الوطن والإسهام في مسيرة نهضته. كما أحاط بالشعار عدد من الرموز التي تجسد مجالات التعليم والثقافة والرياضة والعمل الوطني.
ميداليات وطوابع تذكارية خلدت عام الشبيبة
ميداليات وطوابع تذكارية خلدت عام الشبيبة
ميدالية من الفضة وتم منحها لكبار الشخصيات، صنع من قبل سبينك اند سن (Spink and Son)
ميدالية من الفضة وتم منحها لكبار الشخصيات، صنع من قبل سبينك اند سن (Spink and Son)
كما أصدرت وزارة البريد والبرق والهاتف آنذاك طابعًا بريديًا تذكاريًا بمناسبة عام الشبيبة، حمل صورة السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- إلى جانب شعار المناسبة وخريطة السلطنة، وأرفق بعبارة مقتبسة من الكلمة السامية التي أعلن فيها السلطان تخصيص عام 1983 للشبيبة العُمانية، تأكيدًا على المكانة التي حظي بها الشباب في فكر النهضة العُمانية الحديثة.
وشهدت المناسبة كذلك إصدار أظرفة “اليوم الأول للإصدار” الخاصة بالطابع التذكاري، والتي أصبحت اليوم من المقتنيات النادرة التي تستقطب اهتمام هواة الطوابع والباحثين في تاريخ النهضة العُمانية، وتُعد هذه الإصدارات التذكارية شاهدًا ماديًا على مرحلة تاريخية أولت الشباب عناية خاصة، وسعت إلى ترسيخ حضورهم في مختلف مجالات التنمية الوطنية.
ومن بين المقتنيات التي خُلّدت بها مناسبة عام الشبيبة لوحة تذكارية معدنية حملت الشعار الرسمي للمناسبة في مركزها، وأُحيطت بإطار زخرفي مستوحى من الفنون الإسلامية والعُمانية التقليدية، ويبرز في التصميم شاب يرفع علم سلطنة عُمان في مشهد رمزي يجسد الثقة بالشباب ودورهم في حمل راية الوطن، فيما تحيط به رموز تمثل مجالات الثقافة والتعليم والفنون والرياضة والعمل الوطني، وقد جمع التصميم بين الأصالة المتمثلة في الزخارف التقليدية والرسالة المستقبلية التي حملها عام الشبيبة، ليصبح أحد الشواهد التذكارية التي وثّقت اهتمام السلطنة بالشباب خلال تلك المرحلة من مسيرة النهضة.
ولم يكن عام الشبيبة 1983 مجرد مناسبة احتفالية عابرة في تاريخ النهضة العُمانية، بل مثّل محطة وطنية جسّدت رؤية السلطان قابوس بن سعيد -طيب الله ثراه- في بناء الإنسان العُماني وتمكينه من المشاركة الفاعلة في مسيرة التنمية. فمن خلال ما شهده العام من برامج ثقافية وفنية ورياضية، ومنتديات ومعسكرات عمل، ومشاركات إقليمية ودولية، ومكرمات سامية دعمت الأندية والمؤسسات الشبابية، برزت ملامح مشروع متكامل هدفه إعداد جيل واثق من قدراته، معتز بهويته، وقادر على تحمل مسؤوليات المستقبل.
وبعد أكثر من أربعة عقود، ما يزال عام الشبيبة حاضرًا في الذاكرة الوطنية بوصفه إحدى المحطات المضيئة التي أكدت أن الشباب كانوا وسيظلون في صدارة أولويات التنمية، وأن الاستثمار في الإنسان هو الركيزة الأهم التي قامت عليها النهضة العُمانية الحديثة واستمرت بها.
المراجع
  • مجلة الغدير. العدد 65، السنة السادسة، يونيو 1983.
  • مجلة الغدير. العدد 70، السنة السادسة، نوفمبر 1983.
  • مجلة الغدير. العدد 71، السنة السادسة، ديسمبر 1983.
  • جريدة عمان. عدد الأربعاء 1 يونيو 1983.
  • موقع سلطنة عمان نت. https://sultanqaboos.net/
  • موقع ذاكرة بدية. https://bidiyahmemory.com/

شارك هذا الخبر