هل المُحلّيات الصناعية بديل صحي للسكر؟

لا توصي منظمة الصحة العالمية بالمحليات غير السكرية للتحكم طويل الأمد في الوزن، فيما يبقى الاعتدال وقراءة المكونات وتقليل الاعتماد على الطعم الحلو نهجًا أكثر استدامة.

عن الكاتب

ريما الشيخ
ريما الشيخ

محرر وكاتب صحفي

هل المُحلّيات الصناعية بديل صحي للسكر؟
المُحلّيات الصناعية
أثير - ريما الشيخ
لم يعد السكر وحده هو الحاضر في مشهد الحلاوة اليومية، فبين مشروبات “زيرو”، والعلكة الخالية من السكر، والحلويات قليلة السعرات، وعبوات القهوة الجاهزة، دخلت المحليات الصناعية إلى حياة كثيرين بوصفها حلًا سريعًا: الطعم نفسه تقريبًا، لكن بسعرات أقل، وقلق أقل من السكر.
هذا الوعد جعلها خيارًا شائعًا، خصوصًا لدى من يحاولون إنقاص الوزن، أو تقليل السكر، أو التحكم في مستويات الجلوكوز، لكن هل هي فعلًا خيار صحي طويل المدى؟ وهل تساعدنا على الخروج من عادة الحلاوة، أم تمنحها اسمًا جديدًا فقط؟

ما هي المحليات الصناعية؟

المحليات الصناعية أو غير السكرية هي مواد تستخدم لإعطاء الطعام والشراب طعمًا حلوًا من دون إضافة السكر التقليدي، وغالبًا بسعرات قليلة جدًا أو معدومة، بعضها صناعي بالكامل مثل الأسبارتام، والسكرالوز، والسكرين، وأسيسلفام البوتاسيوم، والنيوتام، والأدفانتام، وبعضها مشتق من مصادر نباتية مثل ستيفيا أو فاكهة الراهب، لكنها تستخدم أيضًا بوصفها بدائل للسكر.
هذه المواد أحلى من السكر العادي بدرجات كبيرة، لذلك لا يحتاج المنتج إلا إلى كمية صغيرة منها لإعطاء الطعم المطلوب، وهنا تكمن جاذبيتها التجارية: حلاوة عالية، سعرات أقل، ومنتجات يمكن تسويقها بعبارات مثل “خالي من السكر” أو “دايت” أو “زيرو”، لكن عبارة “خالي من السكر” لا تعني بالضرورة أن المنتج صحي، فقد يكون قليل السعرات، لكنه يبقى مشروبًا أو غذاءً مصنعًا، وقد يحافظ على ارتباط المستهلك بالطعم شديد الحلاوة.

أين نجدها يوميًا؟

قد يظن البعض أن المحليات الصناعية موجودة فقط في مشروبات “زيرو”، لكنها أوسع من ذلك، فهي قد توجد في العلكة الخالية من السكر، والحلويات قليلة السعرات، والزبادي “لايت”، وبعض أنواع القهوة الجاهزة، ومساحيق البروتين، والمشروبات الرياضية، وبعض الأطعمة المعلبة، وحتى في بعض الأدوية الشرابية لتحسين الطعم.
وتبرز أهمية هذا النقاش مع الانتشار الواسع لمشروبات “زيرو” و“دايت”، التي لا تعتمد على إزالة السكر فحسب، بل تستبدله غالبًا بمحليات غير سكرية للحفاظ على المذاق الحلو.
ومع توسع استخدام هذه المحليات في مختلف المنتجات الغذائية، قد يستهلك الشخص أكثر من مصدر لها خلال اليوم من دون أن يدرك ذلك؛ فيبدأ بعلبة مشروب، ثم علكة، ثم حلوى “دايت”، وربما مشروب أو قهوة جاهزة، لتصبح المحليات جزءًا من روتينه اليومي دون انتباه.
لذلك، لا يكفي أن تحمل العبوة عبارة “خالٍ من السكر” حتى تُعد خيارًا صحيًا، فالأهم هو قراءة قائمة المكونات، والتعرف إلى نوع المحلّي المستخدم، والنظر إلى المنتج ضمن النظام الغذائي ككل، لمعرفة ما إذا كان يدعم نمطًا غذائيًا صحيًا بالفعل، أم يكتفي بمنح انطباع بأنه أكثر صحة.

لماذا انتشرت؟

انتشار المحليات الصناعية لم يأتِ من فراغ، السمنة والسكري وتسوس الأسنان وزيادة استهلاك السكر دفعت الأفراد والشركات إلى البحث عن بدائل، المستهلك يريد تقليل السكر، والشركات تريد الاحتفاظ بالطعم الذي يجذب الناس.
لذلك دخلت المحليات في المشروبات الغازية “زيرو”، والقهوة الجاهزة، والحلويات، والزبادي المنكه، والعلكة، وبعض المنتجات الموجهة لمرضى السكري أو متبعي الحميات، وأصبحت بالنسبة لكثيرين حلًا وسطًا: طعم حلو، لكن بسعرات أقل.

هل تساعد على إنقاص الوزن؟

على المدى القصير، قد تساعد المحليات غير السكرية بعض الأشخاص على تقليل السعرات إذا استخدمت بدل السكر فعلًا، لا بجانبه. مثلًا، من يستبدل مشروبًا سكريًا يوميًا بمشروب خالٍ من السكر قد يقلل كمية السكر التي يتناولها.
لكن منظمة الصحة العالمية لا توصي باستخدام المحليات غير السكرية كوسيلة للتحكم في الوزن أو تقليل خطر الأمراض غير السارية على المدى الطويل، والسبب أن الأدلة لا تُظهر فائدة طويلة الأمد واضحة في خفض دهون الجسم، كما تشير بعض الدراسات إلى احتمالات غير مرغوبة عند الاستخدام الطويل، مثل ارتباطات مع السكري من النوع الثاني وأمراض القلب والوفيات لدى البالغين.
هنا يجب الانتباه إلى كلمة “ارتباطات”، فهي لا تعني دائمًا أن المحليات هي السبب المباشر، لكنها تكفي لجعل التعامل معها أكثر حذرًا، بمعنى آخر، المحليات قد تكون أداة مؤقتة لتقليل السكر، لكنها ليست خطة صحية كاملة.

آمنة لا تعني صحية

من المهم التفريق بين كلمتين يخلط بينهما كثيرون: “آمنة” و“صحية”، قد تكون المادة مسموحًا باستخدامها ضمن حدود معينة، وهذا يعني أن الجهات الرقابية قيّمتها وحددت كمية مقبولة للاستهلاك، لكن ذلك لا يجعل المنتج الذي يحتوي عليها صحيًا بالضرورة.
فمشروب غازي “زيرو” قد يكون أقل سكرًا من المشروب العادي، لكنه لا يضيف قيمة غذائية حقيقية، وحلوى “دايت” قد تكون أقل في السكر، لكنها قد تحتوي على دهون أو مكونات مصنعة أو سعرات أخرى، لذلك لا ينبغي أن تتحول المحليات إلى غطاء لغذاء فقير في قيمته، لكنه ناجح في التسويق.

هل هي آمنة؟

الجهات الرقابية مثل إدارة الغذاء والدواء الأمريكية تضع حدودًا لما يسمى “المدخول اليومي المقبول”، أي الكمية التي يمكن استهلاكها يوميًا طوال الحياة دون توقع ضرر صحي وفق التقييمات العلمية المتاحة، وهذا يعني أن المحليات المعتمدة لا تُطرح في الأسواق بلا رقابة.
ومن الأمثلة التي تكثر حولها الأسئلة الأسبارتام، فقد أبقت لجنة الخبراء المشتركة بين منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأغذية والزراعة حد الاستهلاك اليومي المقبول له عند 40 ملغم لكل كغم من وزن الجسم، أي أن الشخص البالغ الذي يزن 70 كغم يكون حده المقبول نظريًا نحو 2800 ملغم يوميًا، مع اختلاف كمية الأسبارتام من منتج إلى آخر.
لكن وجود حد مقبول لا يعني الشرب بلا حساب، كما أن الأسبارتام لا يناسب المصابين بمرض الفينيل كيتون يوريا، لأنهم يحتاجون إلى تجنب الفينيل ألانين الموجود فيه.
وأثار الأسبارتام جدلًا واسعًا بعد أن صنفته الوكالة الدولية لأبحاث السرطان ضمن فئة “محتمل التسبب بالسرطان”، بناءً على أدلة محدودة، لذلك فالمعلومة الدقيقة ليست أن الأسبارتام “ممنوع” أو “قاتل”، بل أن الجدل العلمي قائم، وأن الالتزام بالحدود والاعتدال مهمان.

ماذا عن مرضى السكري؟

قد تكون المحليات غير السكرية مفيدة لبعض مرضى السكري إذا ساعدتهم على تقليل السكر المباشر في المشروبات والأطعمة، لكنها لا تعني أن المنتج مناسب تلقائيًا، فبعض المنتجات المكتوب عليها “دايت” قد تحتوي على دهون أو نشويات أو سعرات أخرى تؤثر في النظام الغذائي.
لذلك، الأهم لمرضى السكري ليس وجود المحلّي وحده، بل قراءة المكونات الكاملة، ومراقبة الكربوهيدرات، وعدم التعامل مع عبارة “خالي من السكر” كتصريح مفتوح للأكل أو الشرب بلا حساب.

ماذا عن الشهية والأمعاء؟

واحدة من الإشكاليات أن المحليات تحافظ على الطعم الحلو حاضرًا في الفم والذاكرة، قد يقل السكر، لكن الرغبة في الحلاوة لا تقل بالضرورة، وبعض الناس، عندما يشربون “زيرو” أو يأكلون منتجًا “دايت”، يشعرون أنهم وفروا سعرات، فيعوضونها لاحقًا بأطعمة أخرى.
وتبحث دراسات حديثة علاقة بعض المحليات بميكروبيوم الأمعاء وتنظيم الشهية واستجابة الجسم للسكر، لكن النتائج ليست محسومة بالدرجة التي تسمح بإطلاق أحكام قاطعة على كل الأنواع وكل الأشخاص.
هنا تتحول المشكلة من مادة إلى سلوك. فإذا كان الهدف هو تقليل السكر، فإن الأفضل ليس فقط تبديل السكر بمحلّي، بل تدريب الذائقة تدريجيًا على طعم أقل حلاوة، وجعل الماء والمشروبات غير المحلاة الخيار الأساسي.

الأطفال والحالات الخاصة

لا يُنصح بأن تكون المحليات الصناعية عادة يومية للأطفال، المشكلة عند الأطفال ليست في السمية فقط، بل في تشكيل الذائقة منذ الصغر. فالطفل الذي يعتاد الطعم شديد الحلاوة، سواء جاء من السكر أو من المحليات، قد يجد الماء والفواكه والأطعمة الطبيعية أقل جاذبية.
وهذا يعني أن المنتج “الخالي من السكر” لا يصبح تلقائيًا مناسبًا للأطفال، قد يحمي من جزء من السكر، لكنه قد يحافظ على التعلق بالحلاوة، وهي عادة يصعب تغييرها لاحقًا.
كما يجب على المصابين بمرض الفينيل كيتون يوريا تجنب الأسبارتام تحديدًا، أما الحوامل والمرضعات ومن لديهم أمراض مزمنة، فالأفضل أن يكون الاستخدام ضمن الحدود المعتادة، مع قراءة الملصقات، واستشارة المختص عند وجود حالة صحية خاصة.
وبالنسبة لأي شخص، فإن الإفراط في منتجات “دايت” أو “زيرو” ليس علامة على نظام صحي، حتى لو كانت بلا سكر. فالعادة اليومية هي التي تصنع الأثر، لا العبارة المكتوبة على واجهة العبوة.

كيف نكسر عادة الحلاوة؟

المعادلة الصحية لا تقوم على استبدال السكر بالمحليات فقط، بل على تقليل الحاجة إلى الطعم الحلو أصلًا، الماء، والقهوة أو الشاي دون سكر أو بكمية أقل تدريجيًا، والفواكه الكاملة بدل الحلويات والمشروبات المحلاة، كلها خيارات تساعد على تغيير العادة لا تزيينها.
يمكن استخدام المحليات أحيانًا كمرحلة انتقالية لمن يريد خفض السكر، لكنها لا يجب أن تصبح أساس النظام اليومي، فالمشكلة ليست في ملعقة محلّي داخل كوب شاي بين حين وآخر، بل في أن يتحول “الخالي من السكر” إلى غطاء لعلاقة يومية مستمرة مع الطعم الحلو.

المصادر:

  • منظمة الصحة العالمية
  • إرشادات المحليات غير السكرية.FDA
  • معلومات المحليات المعتمدة والمدخول اليومي المقبول.IARC/JECFA
  • تقييم الأسبارتام عام 2023.EFSA
  • تقييم سلامة الأسبارتام وحدود الاستهلاك.
  • إرشادات عامة حول تقليل السكريات الحرة في النظام الغذائي.

شارك هذا الخبر