أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
ليست قصة ”تنمية طاقة عُمان“ مجرد قصة شركة تدير أصولًا نفطية وغازية ضخمة، بل هي جزء من معادلة أوسع تتعلق بكيفية إدارة أحد أهم مصادر الإيرادات في سلطنة عُمان، فالشركة ترتبط بأصول تمثل أكثر من 60% من إنتاج النفط والغاز والمكثفات غير المصاحبة في البلاد، ما يجعل وضعها المالي والائتماني ذا أهمية تتجاوز حدود الشركة نفسها.
ومن هنا يبرز السؤال: كيف تستطيع ”تنمية طاقة عُمان“ تمويل استثمارات ضخمة للحفاظ على الإنتاج وتطوير مشروعات جديدة، وفي الوقت نفسه تحويل إيرادات إلى خزينة الدولة، من دون أن تفقد توازنها المالي؟
بين قوة الشركة وسقف الدولة
في مطلع أغسطس الجاري، قدمت وكالة ”فيتش“ صورة لافتة عن الوضع الائتماني للشركة، فمن ناحية، منحتها ملفًا ائتمانيًا مستقلًا عند (BBB+)، وهو تقييم يعكس قوتها المالية وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها إذا نُظر إليها باعتبارها شركة قائمة بذاتها، لكن تصنيفها النهائي استقر عند (BBB-).
ويقع تصنيف (BBB-) ضمن فئة الدرجة الاستثمارية، ما يشير إلى قدرة جيدة على الوفاء بالالتزامات المالية، وإن كانت الشركة أكثر عرضة للتغيرات الاقتصادية والمالية مقارنة بالجهات الحاصلة على تصنيفات أعلى.
وهنا يكمن الفارق بين قوة الشركة الذاتية وسقفها الائتماني.
فالتقييم المستقل يستند إلى مجموعة من العوامل، أبرزها حجم الإنتاج الذي يقارب 850 ألف برميل مكافئ نفطي يوميًا، وقاعدة الأصول الكبيرة، والتكاليف التشغيلية التنافسية، إلى جانب مستويات الدين المنخفضة.
أما التصنيف النهائي، فهو الأكثر ارتباطًا بقدرة الشركة على الاقتراض وإصدار السندات في الأسواق العالمية، ولذلك فإن الفارق بين (BBB+) و(BBB-) ليس مجرد فرق بين رمزين، بل يمكن أن ينعكس على قدرة الشركة على الوصول إلى التمويل وكلفته.
فكلما تحسن التصنيف الائتماني، تحسنت عادة قدرة الشركة على الاقتراض بشروط أفضل وكلفة أقل، وهي مسألة تزداد أهمية مع توجه ”تنمية طاقة عُمان“ نحو مشروعات جديدة تحتاج إلى استثمارات وتمويل كبيرين.
وبحكم ملكية الحكومة الكاملة للشركة وقوة الروابط المالية والتشغيلية معها، يبقى تصنيف ”تنمية طاقة عُمان“ مقيدًا حاليًا بالتصنيف السيادي لسلطنة عُمان، وفق تقييم ”فيتش“، أي إن قوة الشركة الذاتية لا تنعكس بالكامل على تصنيفها النهائي ما دام السقف السيادي عند مستواه الحالي.
أين تذهب الأموال؟
لفهم طريقة عمل هذه المعادلة، يمكن النظر إلى تدفقات الشركة النقدية باعتبارها تسير وفق ترتيب واضح من الأولويات.
في البداية يأتي الإنفاق على الحفاظ على الإنتاج وتطوير الأصول، وهو إنفاق رأسمالي كبير، تشير تقديرات إلى أنه يدور حول 4 مليارات دولار سنويًا في السنوات المقبلة، في ظل طبيعة الحقول في المربع 6 والحاجة إلى استثمارات مستمرة للحفاظ على مستويات الإنتاج وتطوير الأصول، وبعد ذلك تأتي الالتزامات الحكومية، وفي مقدمتها الإتاوات والضرائب، ثم توزيعات الأرباح.
لكن ما يُحوَّل إلى الحكومة لا يأتي ببساطة على حساب استثمارات الشركة، فقبل التوزيعات هناك التزامات يجب تغطيتها، وإنفاق رأسمالي يجب تمويله، ومستوى من السيولة ينبغي الحفاظ عليه.
كما تمنح مرونة سياسة التوزيعات الشركة مساحة للاحتفاظ بجزء أكبر من تدفقاتها النقدية عند الحاجة إلى تمويل الاستثمارات أو تعزيز السيولة.
وتظهر مرونة النظام المالي كذلك في هيكل الإتاوات، إذ يرتبط العبء المالي بأسعار النفط، ما يعني أن حجم الإتاوات يتغير مع تغير الأسعار، وهو ما يساعد على تخفيف الضغط على التدفقات النقدية للشركة في فترات انخفاضها.
لماذا ترى ”فيتش“ الشركة قوية؟
لا تعتمد قوة ”تنمية طاقة عُمان“ على أرقامها المالية فقط، فحجم الإنتاج وقاعدة الاحتياطيات الكبيرة ومستويات المديونية المنخفضة نسبيًا تمنح الشركة نقاط قوة واضحة.
وبحسب تقييم ”فيتش“، فإن حجم عمليات الشركة وقدرتها على توليد التدفقات النقدية، إلى جانب الرافعة المالية المنخفضة، تمثل عوامل رئيسية تدعم ملفها الائتماني المستقل.
وتتفوق قوة الشركة التشغيلية، وفق ملفها الائتماني المستقل، على تصنيفها النهائي، وهو ما يوضح أن الفجوة بين الرقمين لا تتعلق بضعف أعمال الشركة، بقدر ما ترتبط بطبيعة العلاقة الائتمانية بينها وبين الدولة.
مساحة للمناورة
على صعيد الديون، تبدو الشركة في وضع مريح نسبيًا، ومن أبرز التزاماتها التمويلية قرض بقيمة 375 مليون ريال عُماني، أي ما يقارب 975 مليون دولار، يستحق في عام 2028، مع خيارات لتمديد أجله وفق الشروط المتفق عليها.
وتمنح هذه المرونة الشركة مساحة لإدارة تدفقاتها النقدية، خصوصًا إذا احتاجت إلى توجيه جزء أكبر من الأموال نحو استثمارات جديدة.
وفي الوقت نفسه، تعمل ”تنمية طاقة عُمان“ على إعادة تنظيم هيكلها من خلال شركات قابضة وسيطة لأنشطتها في النفط والغاز والقطاع الصناعي، وهو توجه يمكن أن يساعد على فصل المخاطر بين الأنشطة وتسهيل استقطاب شركاء ومستثمرين لكل قطاع.
الاختبار المقبل
يبقى التوسع المستقبلي أحد أهم الاختبارات أمام الشركة، خصوصًا في ظل الحاجة إلى استثمارات جديدة للحفاظ على الإنتاج وتطوير أصول ومشروعات إضافية.
غير أن السؤال الأهم لم تتضح إجابته بالكامل بعد: كم ستحتاج الشركة إلى تمويل جديد في المرحلة المقبلة؟ ومن أين سيأتي؟ وهل سيكون الاعتماد الأكبر على الاقتراض، أم على الشراكات، أم على التدفقات النقدية المتولدة من عملياتها؟
وهنا تكمن أهمية قرارات الاستثمار المقبلة، إذ إن أي توسع كبير قد يفتح بابًا جديدًا للنمو والإيرادات، لكنه قد يفرض في المقابل مستويات أعلى من الإنفاق والتمويل.
وحتى تتضح تفاصيل هذه المشروعات وقرارات الاستثمار النهائية، يبقى من الصعب قياس أثرها الكمي في الديون والتدفقات النقدية والرافعة المالية خلال السنوات المقبلة، وهو ما يجعلها أحد أهم الملفات التي ستحدد مساحة الشركة للحركة مستقبلًا.
معادلة بين الاستثمار والإيراد
في النهاية، لا يمكن قراءة قصة ”تنمية طاقة عُمان“ من خلال رقم واحد، سواء كان حجم الإنتاج أو الإيرادات أو الدين، فالشركة تدير معادلة تجمع بين استثمارات ضخمة للحفاظ على الإنتاج، وإيرادات تتدفق إلى خزينة الدولة، وديون تسعى إلى إبقائها عند مستويات يمكن إدارتها.
وتشير التوقعات إلى أن تظل الرافعة المالية للشركة عند مستويات منخفضة نسبيًا خلال السنوات المقبلة، رغم حجم الاستثمارات المطلوبة للحفاظ على الإنتاج وتطوير الأعمال.
وهنا تتضح الفكرة الأساسية التي قامت عليها الشركة منذ تأسيسها: نقل جزء من العبء المالي لإدارة قطاع النفط والغاز من الموازنة العامة إلى كيان تجاري قادر على الاقتراض وتمويل استثماراته وإدارة أصوله بصورة أكثر استقلالية، مع استمرار تحويل جزء من الإيرادات إلى الدولة.
لكن هذه المعادلة قد تصبح أكثر تعقيدًا كلما اتسعت خطط الاستثمار، فأي ارتفاع كبير في الاقتراض سيضع الشركة أمام اختبار الحفاظ على توازنها بين تمويل النمو، وخدمة الدين، والاستمرار في رفد خزينة الدولة.
ولهذا، فإن مستقبل تصنيف ”تنمية طاقة عُمان“ لن يعتمد على قوة أصولها وحجم إنتاجها فقط، بل أيضًا على حجم الاستثمارات المقبلة وطريقة تمويلها، إلى جانب المسار الائتماني لسلطنة عُمان نفسها، إذ إن تحسن التصنيف السيادي قد يمنح الشركة مساحة أوسع للوصول إلى التمويل بشروط أفضل.
”تنمية طاقة عُمان“
تأسست ”تنمية طاقة عُمان“ في ديسمبر 2020 كشركة مملوكة بالكامل لحكومة سلطنة عُمان، ضمن توجه لإعادة تنظيم العلاقة بين أصول النفط والغاز والموازنة العامة للدولة.
وتمتلك الشركة 60% من امتياز النفط و100% من امتياز الغاز غير المصاحب في المربع 6، فيما تتولى شركة تنمية نفط عُمان تشغيل العمليات. ويُعد المربع 6 أكبر أصول النفط والغاز في السلطنة، إذ يغطي الامتياز النفطي مساحة تقارب 75 ألف كيلومتر مربع.
كما تمتلك الشركة قاعدة كبيرة من الاحتياطيات، بلغت احتياطياتها المؤكدة والمحتملة نحو 3.439 مليار برميل مكافئ نفطي في بداية عام 2025، ولا يقتصر دورها على النفط والغاز التقليدي، إذ تمتلك شركة “هيدروجين عُمان - هايدروم”، التي تقود تطوير قطاع الهيدروجين الأخضر في سلطنة عُمان.
وربما تختصر هذه المعلومات فكرة “تنمية طاقة عُمان” الأهم: فهي لم تُنشأ لتكون مجرد شركة تدير حقول النفط والغاز، بل لتعيد ترتيب العلاقة بين الطاقة والتمويل والموازنة العامة، فتدير الإيرادات، وتمول التشغيل والاستثمار، وتتعامل مع احتياجات التمويل والاقتراض، ثم تسهم في رفد الدولة بالعوائد من خلال الإتاوات والضرائب والتوزيعات.
وبين هذه المسارات كلها، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على التوازن: كيف تستثمر الشركة في المستقبل، من دون أن تتراجع قدرتها على تمويل الحاضر؟





