أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
تخيل أنك تحقق في قضية مالية، أمامك شركة حولت أموالًا إلى أخرى، وهذه تملكها شركة ثالثة، ثم يقودك البحث إلى بلد آخر ومدير آخر وعنوان تستخدمه عشرات الشركات؛ الأوراق مكتملة، والشركات مسجلة، والحسابات موجودة، لكن سؤالًا واحدًا يزداد وضوحًا مع كل خطوة: من يقف خلف كل هذا؟
هنا تبدأ قصة الشركات الصوريّة، أو ما يُعرف بـ" Shell Companies" ، وهي ليست بالضرورة شركات مزيفة أو غير قانونية، فقد تكون مسجلة بصورة رسمية، لكنها لا تمارس نشاطًا حقيقيًا، أو يُستخدم وجودها القانوني لإخفاء الشخص الذي يملكها أو يسيطر عليها أو يستفيد منها.
ولهذا، فالشركة الصورية ليست جريمة في ذاتها، كما أن محدودية نشاطها لا تعني تلقائيًا أنها واجهة مشبوهة، إذ يمكن إنشاء شركات لأغراض مشروعة، مثل إدارة الأصول أو تنظيم الاستثمارات أو فصل المخاطر، لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الشخصية القانونية إلى طبقة من الغموض تفصل المال عن صاحبه، أو القرار عمّن اتخذه، أو المسؤولية عمّن استفاد.
إذا لم يكن الاسم في السجل هو المالك الحقيقي؛ فمن يكون؟
تقوم الشركات على مبدأ قانوني يمنحها شخصية مستقلة عن مالكيها، فتستطيع امتلاك الأصول وفتح الحسابات وتوقيع العقود باسمها. لكن الأمر يصبح أكثر تعقيدًا عندما لا يكون الاسم الظاهر في السجل هو الشخص الذي يملك السيطرة الحقيقية.
فقد تكون الشركة مملوكة لشركة أخرى، وهذه لشركة ثالثة، ثم تمتد سلسلة الملكية عبر عدة دول، إلى أن يصبح الوصول إلى الشخص الذي يملك أو يقرر في النهاية مهمة شاقة.
ومن هنا برز مفهوم “المستفيد الحقيقي”، الذي تعرّفه مجموعة العمل المالي الدولية FATF بأنه الشخص الطبيعي الذي يملك أو يسيطر، في نهاية المطاف، على الشركة أو الكيان القانوني، أو الشخص الذي تُجرى المعاملة باسمه أو لمصلحته.
وتحذر المجموعة من إمكانية إساءة استخدام الشركات والكيانات القانونية لإخفاء هوية الأشخاص المرتبطين بالأموال والأصول والمعاملات، خصوصًا عندما تصبح هياكل الملكية معقدة وتمتد عبر أكثر من دولة.
كيف تُبنى طبقات الشركات حتى يضيع صاحب القرار؟
لا يحتاج الأمر إلى تزوير شركة أو اختراع سجل تجاري، فأحيانًا تكون كل الشركات في السلسلة موجودة بصورة قانونية، لكن الغموض يكمن في طريقة ترتيبها: شركة تملك أخرى، والثانية تملك ثالثة في بلد مختلف، ومدير يعمل بالنيابة، بينما يقيم المستفيد الحقيقي في مكان آخر.
كل حلقة قد تبدو طبيعية إذا نُظر إليها وحدها، لكن الصورة الكاملة تجعل الوصول إلى صاحب السيطرة النهائية أكثر صعوبة.
وتشير FATF إلى أن إخفاء المستفيد الحقيقي قد يتم عبر الشركات الصورية، وهياكل الملكية المعقدة، والمديرين أو المساهمين الاسميين، أو توزيع الملكية والسيطرة بين ولايات قضائية متعددة.
لكن تعقيد هيكل الملكية ليس جريمة بحد ذاته، كما أن الشركة محدودة النشاط ليست بالضرورة مخالفة، إنما تبدأ المشكلة عندما يُصنع هذا التعقيد عمدًا كي لا يصل أحد إلى صاحب القرار الحقيقي.
من مرفأ بيروت إلى وثائق بنما؛ ماذا تكشف القضايا؟
تظهر خطورة هذه الهياكل بوضوح في انفجار مرفأ بيروت عام 2020، إذ لم تقتصر الأسئلة على كيفية وصول نحو 2,750 طنًا من نترات الأمونيوم إلى المرفأ وبقائها فيه، بل امتدت إلى سؤال آخر: من كان يملك الشحنة أصلًا؟
ارتبط اسم شركة بريطانية تدعى Savaro Ltd بشراء الشحنة التي وصلت إلى بيروت على متن سفينة “روسوس”، وكشف تحقيق لمشروع الإبلاغ عن الجريمة المنظمة والفساد OCCRP أن تتبع ملكية الشركة قاد إلى شبكة من الشركات والوسطاء امتدت عبر أكثر من ولاية قضائية، ما جعل الوصول إلى من يقف خلفها عملية معقدة.
كما تناولت الجزيرة الأسئلة المتعلقة بالشركة ومالكها الحقيقي والروابط التي ظهرت بينها وبين أطراف وكيانات أخرى، مع تضمين نفي بعض الأشخاص الذين وردت أسماؤهم لأي علاقة بالشركة.
وتناولت وثائقية دي دبليو تفاصيل مرتبطة بالشركات والهياكل القانونية التي ظهرت في مسار التحقيقات المتعلقة بانفجار مرفأ بيروت، متتبعة خيوطًا امتدت بين شركات مسجلة في دول مختلفة.
ولا يعني تتبع ملكية الشركة إثبات المسؤولية الجنائية، لكن القضية تكشف مشكلة أساسية: حين تتوزع الشركات والوسطاء بين دول متعددة، يصبح الوصول إلى من يملك ومن يقرر ومن يمكن مساءلته أكثر تعقيدًا.
وفي قضية صندوق التنمية الماليزي 1MDB، تقدم التحقيقات نموذجًا آخر لشبكات الشركات العابرة للحدود. ووفقًا لدعاوى وزارة العدل الأمريكية، جرى اختلاس أكثر من 4.5 مليارات دولار من أموال الصندوق بين عامي 2009 و2015، وتحركت الأموال عبر سلسلة معقدة من التحويلات والكيانات القانونية.
أما ما يُعرف بـ “وثائق بنما” فقد كشفت حجم هذا العالم، إذ استند التحقيق الذي قاده الاتحاد الدولي للصحفيين الاستقصائيين ICIJ إلى أكثر من 11.5 مليون وثيقة مسربة من شركة “موساك فونسيكا”، وكشف معلومات مرتبطة بأكثر من 214 ألف كيان خارجي.
ولا يعني ظهور اسم شخص أو شركة في الوثائق ارتكاب جريمة، لكن التحقيق كشف عالمًا كاملًا من الخدمات والوسطاء القادرين على إنشاء هياكل قانونية عابرة للحدود، وطبقات تفصل بين الأصل وصاحبه.
ماذا يقول القانون العُماني؟
في عُمان، يتعامل الإطار القانوني مع الإشكالية من النقطة نفسها: عدم الاكتفاء بالاسم الظاهر في الشركة، والبحث عن الشخص الذي يملك أو يسيطر عليها في النهاية.
وقد أصدرت وزارة التجارة والصناعة وترويج الاستثمار القرار الوزاري رقم 424/2023 بإصدار لائحة تنظيم إجراءات معرفة المستفيد الحقيقي، التي تنظم التزامات الشركات والكيانات المعنية بالاحتفاظ بسجل للمستفيد الحقيقي وتحديث بياناته.
كما تناول تقييم للمنتدى العالمي للشفافية وتبادل المعلومات للأغراض الضريبية التابع لمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية OECD إطار سلطنة عُمان المتعلق بمعلومات المستفيد الحقيقي، ودقة البيانات وتحديثها وتوافرها.
وقد حصلت سلطنة عمان على تقييم عام “متوافق”، وهو تقييم دولي رفيع يعكس التزام سلطنة عُمان بمعايير الشفافية الضريبية الدولية.
في النهاية؛ من يقف خلف الاسم؟
القاسم المشترك بين هذه القضايا ليس أن كل شركة غامضة هي شركة إجرامية، فالشركات القابضة والهياكل الاستثمارية المعقدة تؤدي وظائف مشروعة في الاقتصاد. لكن التجارب العالمية أظهرت أن الغموض نفسه يمكن أن يتحول إلى أداة عندما يُستخدم لإبعاد المال عن صاحبه، أو القرار عمّن اتخذه، أو المسؤولية عمّن ينبغي أن يتحملها.
فكل طبقة إضافية بين المال وصاحبه قد تجعل الوصول إلى المسؤول الحقيقي أكثر صعوبة، والخطر لا يبدأ بالضرورة عند تسجيل الشركة، بل عندما يصبح تأسيسها أسهل من معرفة من يملكها، ومن يديرها، ومن يستفيد منها في النهاية.






