معالي السيد بدر يكتب لفاينانشيال تايمز البريطانية: في عصر الإفلات من العقاب، الدبلوماسيون أكثر أهمية من أي وقت مضى

دعا معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي إلى التمسك بالقانون الدولي ومواصلة الحوار، مؤكدًا أن الحياد البنّاء يحمي السيادة ويدعم حرية الملاحة عبر مضيق هرمز.

معالي السيد بدر يكتب لفاينانشيال تايمز البريطانية: في عصر الإفلات من العقاب، الدبلوماسيون أكثر أهمية من أي وقت مضى
معالي السيد بدر البوسعيدي وزير الخارجية
رصد - أثير
كتب معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي، وزير الخارجية، مقالًا في صحيفة فاينانشيال تايمز البريطانية بعنوان: في عصر الإفلات من العقاب، الدبلوماسيون أكثر أهمية من أي وقت مضى.
أثير ترجمت المقال للقارئ الكريم.
في عصر الإفلات من العقاب، تزداد أهمية الدبلوماسيين أكثر من أي وقت مضى
الكاتب هو وزير خارجية سلطنة عمان
لقد كانت الدبلوماسية في السنوات الأخيرة مسعىً شاقاً لا يرحم؛ إذ لم تحقق سوى بضعة اتفاقات مؤقتة أدت إلى تهدئة محدودة للأوضاع، دون التوصل إلى حلول دائمة لأي من الصراعات العالمية الخطيرة التي تهدد الأرواح مباشرة في فلسطين وإيران واليمن والسودان ولبنان وإسرائيل وأوكرانيا، وتلحق أضراراً جسيمة بدول الجوار والاقتصاد العالمي.
ولا يعود ذلك إلى غياب التحرك؛ فقد شهدنا مبادرات ووساطات ومفاوضات وقممًا ومذكرات عديدة، وكرّس دبلوماسيون مخضرمون وقتهم وجهودهم المبدعة لهذه القضايا. بل إن الأمر ناجم عن بُعدين جديدين ومقلقين في السياسة العالمية، يستدعيان استجابة جماعية عاجلة من المجتمع الدولي.
يتمثل البعد الأول في تراجع الالتزام بالقانون الدولي؛ فقد شهدت السنوات الأخيرة ترسيخاً لحالات الاحتلال، وتزايداً في استخدام الاغتيالات والاختطاف كأدوات سياسية، وشن هجمات متهورة على المدنيين، فضلاً عن ازدراء صريح لمؤسسات مثل الأمم المتحدة ومحكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية. وينذر هذا الوضع بالعودة إلى حقبة سابقة كانت فيها القوى الكبرى تتصرف دون خشية من المحاسبة، ولكن مع فارق جوهري هذه المرة يتمثل في امتلاك أسلحة الدمار الشامل.
أما البعد الثاني فيتمثل في ميل بعض قادة العالم إلى الاعتقاد بأن بإمكانهم ممارسة الدبلوماسية بأنفسهم، دون إشراك الدبلوماسيين. وتكمن المشكلة في أنهم سرعان ما يكتشفون قلة الأدوات المتاحة لديهم لتحقيق أهدافهم؛ فيجدون أنفسهم مضطرين للجوء إما إلى الأسلوب الإمبريالي التقليدي الذي ساد في القرن التاسع عشر -أي “دبلوماسية الزوارق الحربية”- أو إلى نظيره الحديث الأكثر تهذيباً ولكنه لا يقل تدميراً، والمتمثل في استخدام القوة الاقتصادية لإخضاع شعوب بأكملها وإجبارها على الرضوخ، أملاً في تحقيق “تغيير للنظام” وتنصيب إدارة تابعة ومطيعة.
فكيف يتسنى للدول الأصغر حجماً التصرف في ظل تجاهل متزايد للقواعد التي كانت تكبح جماح الدول الكبرى في الماضي؟ ربما تكمن الاستجابة المثلى في البدء بالإصرار -بصبر، وربما بشيء من التمسك الحرفي الدقيق- على الالتزام ببعض الأعراف القديمة. صحيح أن المطالبات المتكررة باحترام القانون الدولي قد تُقابل بالاستخفاف أو تُوصف بأنها مملة من قِبَل أولئك الذين تميل فطرتهم إلى التحرك السريع وإحداث تغييرات جذرية (حتى لو كانت مدمرة)، إلا أن هذه القواعد وُجدت لحماية الغالبية العظمى من سكان العالم. وليس هذا هو الوقت المناسب للتخلي عن مبدأ أن القانون وُجد لتقييد الاستخدام غير المشروع للسلطة.
ومن الناحية العملية، يعني هذا الحفاظ على قدر من الإيمان بالعملية الدبلوماسية، حتى في الأوقات التي يبدو فيها أنها لا تحقق نتائج ملموسة. في مواجهة الفشل الظاهر، أو المشكلات المستعصية، أو تعنت الأطراف المحاوِرة، لا يكمن التحدي في الانسحاب أو التخلي عن الموقف. بل إن مهمة الدبلوماسي — وربما لا سيما دبلوماسيي الدول الصغيرة — هي أن يظل محاوراً دؤوباً ومتمسكاً بالبقاء على طاولة المفاوضات حتى عندما يبدو أنه لم يعد هناك مجال للمزيد من البحث أو النقاش؛ فهو الشخص الذي يبادر دائماً بالتواصل واقتراح سبل جديدة، ولو بسيطة، لدفع عجلة الحوار ولو خطوة واحدة إلى الأمام.
لقد انصبّ تركيز الدبلوماسية العمانية في الأشهر الأخيرة على محاولة التوصل إلى اتفاق يعيد حرية الملاحة عبر مضيق هرمز. إنها عملية تفاوضية معقدة تجري في ظل تهديد دائم بالحرب، ولها تداعيات معلومة على الاقتصاد العالمي؛ إذ تتطلب الموازنة بين تفاصيل القانون الدولي وقضايا الأمن الوطني الحساسة. ورغم عدم التوصل إلى حل نهائي بعد، إلا أننا لم ننسحب من المشهد. ويعود ذلك بالطبع إلى حجم الرهانات الكبيرة المرتبطة بهذه المفاوضات، وإلى أن عملية التفاوض ذاتها — أي مبدأ قدرة الدول على تسوية خلافاتها عبر الحوار — هي أيضاً على المحك.
تسعى سلطنة عمان إلى تحقيق ثلاثة أهداف من خلال انخراطها المستمر في هذه الجهود: أولاً، حماية سيادتها الوطنية، نظراً لأن الوضع الراهن يهدد أمن مياهها الإقليمية. وثانياً، حماية مصالح المجتمع الدولي، مع إدراك تام بأن الفئات الأكثر ضعفاً هي التي ستعاني أكثر من غيرها جراء استمرار إغلاق المضيق. وثالثاً، تأكيد الدور المحوري المستمر للقانون الدولي من خلال اختيار العمل ضمن إطاره وبما يضمن سلامة الإجراءات.
وتنسجم هذه الأهداف الثلاثة مع مفهوم “الحياد البنّاء” كما تتبناه سلطنة عمان؛ وهو مفهوم يتجاوز مجرد تقديم المساعدة أو الاستعداد لتيسير الأمور، ليشمل الحفاظ على القانون الدولي العام وتعزيزه في آن واحد. فالقانون الدولي ليس مجرد نصوص جامدة، بل هو كيان يُصان ويقوى من خلال الممارسات والإجراءات التي تُتخذ باسمه. والهدف هو التطوير التدريجي لإطار عملي من الالتزامات المتبادلة التي يمكن أن تشكل نظاماً معيارياً؛ فمن خلال هذا النهج، تستطيع الدول الصغيرة — التي تمثل الغالبية العظمى من دول العالم — حماية نفسها من التصرفات غير المتوقعة لتلك القوى التي تتيح لها قدراتها التصرف دون مساءلة أو رادع.

شارك هذا الخبر