أثير- الركابي حسن يعقوب
خلال إحاطة صحفية في البيت الأبيض، بدا نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس كما لو كان يبث همومه وشكواه إلى الصحفيين أكثر من كونه يحيط الصحفيين علماََ بالوضع الراهن في ملف الحرب مع إيران، والتي دخلت مرحلة يمكن وصفها بمرحلة “اللاعودة”، وهي تسير في طريقها نحو المزيد من التصعيد بحسب الوقائع الماثلة للعيان.
ويُلاحظ في حديث نائب الرئيس جي دي فانس تركيزه على قضية مضيق هرمز وأزمة الطاقة، وهو ما يمكن فهمه على أنها تمثل القضية المحورية والأولى في مصفوفة أولويات قضايا السياسة الخارجية الأمريكية ذات الارتباط الوثيق بقضايا الداخل الأمريكي المستعجلة والتي لا تحتمل التسويف ويحاصرها عامل الوقت كقيد يصعب الفكاك منه بسهولة.
تركز جل حديث فانس حول قضية ارتفاع أسعار البنزين في السوق الأمريكية ومؤشرات حدوث أزمة طاقة عالمية حادة، مما يشير إلى أن الإدارة الأمريكية ربما أجرت تقييماََ واقعياََ للوضع وما يمكن أن تؤول إليه تداعيات إغلاق المضيق وصعوبة مرور السفن النفطية عبره، وربما تبين لها خطل الاعتماد على القوة العسكرية كأداة لتأمين انسياب الملاحة في المضيق، و استحالة استعادة الوضع الملاحي الطبيعي الذي كان سائداََ قبل 28 فبراير الماضي بأي حال من الأحوال من جانب واحد، ما لم يتم ذلك عبر اتفاق مع الجانب الإيراني ضمن مفاوضات جديدة تنخرط فيها واشنطن بصورة جادة.
نعم ربما تفاجأت الإدارة الأمريكية بأن خططها لتحقيق أهدافها عبر الحرب، والخنق الاقتصادي ، والخداع التفاوضي، قد ارتطمت بحائط الصد والعناد الإيراني القائم على المراهنة على الوقت كعنصر خانق ومقيد لحركة الإدارة الأمريكية، والتباين والاختلاف داخلها حول كيفية الخروج الآمن من ورطة الحرب، في ظل انطلاق العد التنازلي لانتخابات التجديد النصفي للكونغرس وموقف الحزب الجمهوري المتأرجح، وتآكل شعبية الرئيس ترامب الذي أسرف في وعوده للناخب الأمريكي دون أن يفي بأي شيء منها حتى الآن، بل زاد الطين بلة بتسببه في ارتفاع أسعار الوقود وفشله في فتح مضيق هرمز وإعادة حركة الملاحة فيه لوضعها الطبيعي كما وعد.
إدارة ترامب لا تريد أن يحين موعد الانتخابات وهي عالقة في وحل أزمة المضيق، وفي ظل ارتفاع أسعار الوقود في السوق الأمريكية لأن ذلك يعني خسارتها للانتخابات، هي تريد أن يحل موعد الانتخابات وقد حسمت ملف هرمز بصورة تُرضي المواطن الأمريكي بصفة خاصة، وتحفظ مكانة الولايات المتحدة ومركزها عالمياََ باعتبارها قوة عظمى، لذلك كله يبدو كما لو أن نائب الرئيس قد أفاق من سكرة غرور القوة على حقيقة دامغة مفادها أن ما لم تستطع الحرب تحقيقه لن تحققه الحرب الاقتصادية وأنه لا مجال لتفادي الآثار السالبة للوضع المضطرب في مضيق هرمز إلا عن طريق الدبلوماسية والقبول بالتسوية عبر مفاوضات جادة وتقديم تنازلات على أساس الأخذ والعطاء.
وليت القادة الكبار والفاعلين في مسرح السياسة الدولية ينتبهون لما أشار إليه معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي وزير الخارجية العماني في مقاله القيّم في الفاينانشال تايمز بضرورة أن يعمل الجميع على “الحفاظ على قدر من الثقة في العملية الدبلوماسية حتى عندما تبدو غير فعّالة، ففي مواجهة الفشل الظاهر، أو مشكلة مستعصية، أو تعنّت المحاورين، يكمن التحدي في عدم الانسحاب”.
دي فانس في حديثه للصحفيين قال إن بلاده هي الدولة الوحيدة القادرة على ضمان استمرار إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية وأنها تضغط على إيران من أجل منعها من استهداف السفن التجارية، ورغم أنه قال إن الضغط الاقتصادي والعسكري على إيران سيستمر، إلا أنه استدرك لاحقاً بالقول “إن إنهاء الصراع يتطلب توقف إيران عن إطلاق النار على السفن، وأن بلاده لن تتفاوض مع إيران حتى تتوقف عن استهداف السفن التجارية “.
وتفكيك هذه العبارة يقود إلى استنتاج مفاده أن أمريكا تريد العودة للتفاوض ولكن “العقبة” التي تقف في طريق هذه العودة المحتملة هي مواصلة إيران في مهاجمة السفن التجارية!! وأن شرط عودة واشنطن للتفاوض هو امتناع إيران عن مهاجمة السفن، ويبدو نائب الرئيس الأمريكي باشتراطه هذا كما لو أنه يقدم شفرة سهلة مجانية لإيران لحملها لقبول العودة للمفاوضات، فمن غير المنطقي أن ترفض إيران هذا الشرط في خضم وضعها الخانق الحالي، خاصة وأن هذه العودة سوف تقيها وطأة الحرب الاقتصادية إذ لا يمكن تصور أن تعود للمفاوضات وسيف العقوبات المالية مسلط عليها وهو سيكون الشرط الإيراني المغلظ للعودة للمفاوضات بالطبع.
والسؤال المهم الذي يتبادر إلى الذهن عند هذه النقطة هو هل العودة إن حدثت ستكون لمذكرة التفاهم التي تبرأت منها واشنطن؟ أم إلى اتفاق جديد ببنود جديدة؟، والواقع أن ما جرى تحت الجسر منذ اتجاه الصراع نحو التصعيد عقب التوقيع على المذكرة خلق واقعاََ جديداََ لا يمكن تجاوزه بأي حال من الأحوال وهو واقع يضيف تعقيدات جديدة لمسار الصراع، لكن هذه التعقيدات يمكن التغلب عليها بأن يعود الطرفان إلى مائدة تفاوض ما قبل الثامن والعشرون من فبراير التي فضتها واشنطن ، والتي رعت جولاتها سلطنة عُمان التي لم تنسحب من المشهد وظلت حاضرة حتى بعد نفض واشنطن يديها منها، والرؤية العُمانية واضحة وشاملة وعادلة وتهدف إلى الوصول إلى اتفاق يعيد حرية الملاحة في مضيق هرمز، والحفاظ على مصالح المجتمع الدولي، وتعزيز دور القانون الدولي، وهي رؤية واقعية تراعي مصلحة الجميع وتحترم قواعد ونصوص القانون الدولي الذي هو إرث إنساني يتعين على القوى الدولية الاحتكام إليه وإلى آلياته في فض النزاعات من أجل ترسيخ ركائزه وقواعده التي ارتضتها الدول في القارات السبع.
لقد جربت الأطراف الدولية المختلفة الكبرى والصغرى منها، أساليب فرض الأمر الواقع بالقوة المادية في سعيها لتحقيق مصالحها وبتجاهل متعمد لقواعد القانون الدولي، فكانت النتيجة مخيبة لآمالها وأورثتها مشاكل وأزمات لم تستطع الفكاك من آثارها السالبة والتي امتدت لتشمل الآخرين بحكم أن العالم اليوم أصبح مترابطاََ وموثوقاََ بحبل الاعتماد المتبادل وأن الحقيقة الساطعة المتولدة عن هذا الترابط تقول أنه ما عاد الخيار العسكري وحل النزاعات بالقوة يناسب عالم اليوم وأن الدبلوماسية هي الأداة الوحيدة القادرة على حل العُقد بصورة عادلة ترضاها وتقبل بها أطراف النزاع.
لم يعد من ألق - سوى الصور البلاغية - لبيتَي الشاعر أبو تمام اللذين افتتح بهما قصيدته في فتح عمورية :
السيف أصدق أنباءاََ من الكتب..
في حده الحد بين الجد واللعب..
بيض الصفائح لا سود الصحائف..
في متونهن جلاء الشك والريب..
فقد أضحت الصحائف أقدر من السيف على بلوغ الأهداف والمصالح.






