رصد- أثير
قام الرئيس الصيني شي جين بينغ بزيارة رسمية إلى مصر مؤخرًا والتي شهدت تغطية واسعة، وكانت مخرجات الزيارة وأهدافها مادة للنقاش من قبل الصحافة العالمية التي تناولت أسباب الزيارة وتوقيتها ودوافعها، وهذا ما ناقشته مؤسسة كارنيغي للسلام الدولي في مقال لها رصدته “أثير ” حيث بينت أن الزيارة كانت تهدف ظاهرياً إلى إحياء الذكرى السبعين لإقامة العلاقات الدبلوماسية بين البلدين والاحتفاء بشراكتهما الاقتصادية والأمنية المتنامية، غير أنها جاءت أيضاً وسط حروب وصراعات مستمرة في الشرق الأوسط فرضت تحديات على المصلحة الاستراتيجية للبلدين في الاستقرار والسلام الإقليميين، فعلى الرغم من المظاهر الاحتفالية والأجواء الاحتفائية بالذكرى السنوية، كانت اضطرابات الشرق الأوسط هي الدافع الحقيقي لتعميق الشراكة الاستراتيجية.
الدور المصري والصيني في الشرق الأوسط
عملت مصر، وهي قوة إقليمية تحيط بها إما الحروب أو الحروب الأهلية، بجدّ في السنوات القليلة الماضية للدفاع عن مصالح أمنها القومي في شرق أوسط يتسم بالعنف والتقلب، وشهدت مصر فقدان أحد أصولها الاقتصادية الرئيسية، وهو قناة السويس، لأكثر من 60 بالمائة من إيراداتها بسبب التأثيرات الأوسع للحرب الإسرائيلية على غزة وتداعيات الحرب الأمريكية الإيرانية. أما الصين، الشريك التجاري الأول لمصر، فقد شهدت إمداداتها من الطاقة القادمة من الخليج تهديداً بسبب إغلاق مضيق هرمز والمواجهة العسكرية المستمرة بين الولايات المتحدة وإيران. واضطرت بكين إلى إعادة تغيير مسار صادراتها إلى الشرق الأوسط بسبب الاضطرابات في الخليج، وفي المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، وقناة السويس. ونتيجة لذلك، يجمع البلدين مصلحة مشتركة في استقرار الشرق الأوسط وسلامه، وهي مصلحة تنبع من مرتكزات رئيسية للسياسة الخارجية وتقاليد دبلوماسية راسخة.
ومنذ توقيع اتفاقية السلام مع إسرائيل عام 1979، استثمرت مصر في استخدام الدبلوماسية والوساطة وغيرها من أدوات حل النزاعات للتحفيز على السلام بين إسرائيل والفلسطينيين، وبين إسرائيل وجيرانها العرب الآخرين، وبين عرب الخليج وجارتهم إيران ذات النفوذ الإقليمي. كما طوّرت الصين علاقات صلبة مع جميع دول الشرق الأوسط وعززت الشراكات الاستراتيجية مع القوى الإقليمية الرئيسية. وعمّقت روابطها الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والأمنية مع دول متباينة للغاية مثل إسرائيل وإيران. وكانت الدبلوماسية والوساطة، إلى جانب العلاقات الاقتصادية والتجارية، الأدوات الرئيسية للصين لبناء نفوذ أكبر في الشرق الأوسط. وفي السنوات القليلة الماضية، أظهرت الصين نفسها، مع التزامها بسياسات عدم التدخل ومعارضتها لاستخدام القوة العسكرية في صراعات الشرق الأوسط، كقوة عظمى ملتزمة بالسلام، تعمل مع القوى الإقليمية لحل نزاعاتها بالطرق السلمية وتطوير ترتيبات أمنية جماعية يمكنهم إدارتها بشكل مستقل. وبقيامها بذلك، عملت الصين في عهد شي بشكل منهجي على المقارنة بين دورها في الشرق الأوسط والدور التدخلي القائم على القوة العسكرية لمنافسها العالمي، الولايات المتحدة.
كيف عمقت القاهرة وبكين علاقتهما الثنائية
خلال زيارة شي، تجمعت هذه المسارات المختلفة في يومين حافلين بالرمزية الدبلوماسية والرسائل السياسية من كلا الجانبين. حيث استقبل الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي وعقيلته الرئيس الصيني وعقيلته شخصياً في مطار القاهرة الدولي، الذي أُعدّ بشكل احتفالي لإحياء الذكرى الثنائية. وتنقّل شي في العاصمة المصرية مستخدماً سيارته الليموزين الفاخرة “الراية الحمراء ” Red Flag، محاكياً جاذبية القوة العظمى للرؤساء الأمريكيين في زياراتهم الدولية. ورافق الزوجان الرئاسيان المصريان نظيريهما الصينيين في جولة داخل المتحف المصري الكبير المُفتتح حديثاً، حيث توقف الجميع وجهاً لوجه أمام كنوز الملك توت عنخ آمون الأسطورية.
ووقع البلدان 25 اتفاقية ثنائية لتعميق روابطهما الاقتصادية والتجارية والتكنولوجية والأمنية والعسكرية. وكان الأبرز اتفاق الصين ومصر على ربط استراتيجية التنمية طويلة المدى التي ترعاها الدولة المصرية “رؤية 2030” بمبادرة الحزام والطريق الصينية للجنوب العالمي، وتوسيع المنطقة الاقتصادية الصينية المصرية في قناة السويس. وبصفتهما عضوين في مجموعة “بريكس”، التزمت الصين ومصر بزيادة التجارة الثنائية باستخدام العملات المحلية، وهو إجراء يساعد مصر على تقليل اعتمادها على الدولار الأمريكي. ومما يستحق الذكر أيضاً في إطار التعاون العسكري المتنامي بين البلدين أن زيارة شي جاءت بعد أيام قليلة فقط من التدريب الجوي المشترك الثاني، “نسور الحضارة”، والذي قامت فيه مقاتلات صينية ومقاتلات مملوكة لمصر غربية الصنع بمحاكاة مواقف قتالية.
وفي البيان المشترك في ختام الزيارة، جددت مصر التزامها الدبلوماسي الراسخ بمبدأ الصين الواحدة. وفي المقابل، التزم شي باعتراف الصين بأمن مصر المائي وحقوقها في الموارد المائية لنهر النيل. ونظراً للصراع المستمر حول التوزيع العادل لموارد النيل بين إثيوبيا ومصر، والموقف الدبلوماسي الصيني الذي كان يُنظر إليه سابقاً على أنه مؤيد لإثيوبيا، فإن هذا التحول يمثل تغيراً مهماً يمكن لمصر الاعتماد عليه في محاولاتها الدبلوماسية المستقبلية لإلزام إثيوبيا بصفقة تفاوضية بشأن النيل.
هل تسعى كل من القاهرة وبكين إلى شراكة حصرية؟
على الرغم من هذه الرمزية الدبلوماسية الثقيلة والرسائل السياسية العديدة التي نتجت عن زيارة شي، لا تزال كل من مصر والصين مستثمرتين في شراكاتهما الاستراتيجية وعلاقاتهما المهمة مع شركاء آخرين، عالمياً بالنسبة للقاهرة وإقليمياً بالنسبة لبكين. فتعميق الشراكة مع بكين لا يعني أن القاهرة تتخلى عن علاقاتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة، إذ تظل واشنطن شريكاً حيوياً للغاية للقاهرة من منظور التعاون العسكري والدبلوماسي، وفي جميع الأمور المتعلقة بالاستقرار الإقليمي، في إسرائيل وفلسطين، وفي ليبيا والسودان، فضلاً عن الأمن الإقليمي في الشرق الأوسط. ومن جانبها، طوّرت الصين شراكات استراتيجية مع إيران وتركيا ودول الخليج العربي، كما تملك علاقات مستقرة مع إسرائيل.
ولكن خلافاً لما كان عليه الحال في خمسينيات وستينيات القرن الماضي عندما كانت مصر الحليف الرئيسي للاتحاد السوفيتي في الشرق الأوسط، فإن القاهرة لا تسعى لأن تكون الحليف الرئيسي للصين في المنطقة، بل ستظل حليفاً رئيسياً ضمن تعددية من الحلفاء. وبالمثل، لن تتخلى مصر عن شراكتها الاستراتيجية مع الولايات المتحدة لصالح الصين، إذ تعمل القاهرة على تنويع شراكاتها وأطر تعاونها، بما في ذلك الميادين العسكرية والتكنولوجية، دون أن تربط نفسها بقوة عظمى راعية.
إن نفوذ الصين في الشرق الأوسط في صعود، وشراكات مصر الدولية وسط الاضطرابات الإقليمية في الشرق الأوسط آخذة في النمو. هاتان هما الخلاصتان الرئيسيتان لزيارة شي إلى مصر.





