عبدالله العريمي يكتب عن الكلمة حين تصبح موقفًا

تحوّل الكتابة الملتزمة الشغف الفردي إلى تجربة إنسانية تحمي الذاكرة الجمعية، وتواجه الرداءة، وتستخلص من الأزمات رؤية تعيد ترتيب العالم باعتدال.

عن الكاتب

عبدالله العريمي يكتب عن الكلمة حين تصبح موقفًا
الكتابة
أثير - عبدالله العريمي
تتجاوز الكتابة الحقيقية حدود الإمتاع العابر، وتمردًا على الجماليات المجردة؛ فهي انحياز وجودي يضع الكاتب في قلب الإعصار، مجردًا إلا من كلماته.
هذا التعب الجميل، الممتد بين أصابع المبدع ووجدان أمته، هو ما نسمّيه ”الهم الثقافي“، ذلك الحجر الثقيل الذي لا يفتأ الكاتب يدفعه نحو أعلى مدارج الوعي، مستشعرًا أن الكلمة ليست أثرًا على الصفحة البيضاء، وإنما هو موقف من العالم وصياغة متجددة للمصير.
إن الكاتب الذي يحمل هذا الهم لا يمارس الكتابة بوصفها استعراضًا بلاغيًا، إنما يتخذ منها نورًا يضيء عتمة التحولات، لأنه الحارس الأمين للهوية، يتلقف شظايا المعنى في زمن السطحية، ويعيد صياغتها في قوالب تحمي الذاكرة الجمعية من الضياع.
في كل فاصلة يضعها، نجد قلقًا مشروعًا؛ قلقًا على جوهر الإنسان ووجوده، وعلى القيم في أصالتها، والعقل في قدرته على ابتكار الأسئلة، لئلا يمنح القارئ أجوبة معلبة، بل يتعمد إلقاء حجر السؤال في حوض الحيرة الكبرى، ليفكك المألوف ويستنهض الغافل في غيابات الذهول.
يتجلى هذا الهم الكبير في القدرة على استشعار التحولات العميقة للواقع، وتحويل الشغف الفردي إلى تجربة إنسانية قادرة على السفر عبر العصور، مترفعا علن مداهنة الرداءة والتملق، وواقفا بقوة أمام زحف الهشاشة الفكرية التي تتسلل من ثقوب الأبواب. إنه يستلّ من قلب الأزمات رؤية تعيد ترتيب العالم وفق نسق أكثر اعتدالًا، ويعيش حالة من الألق الحضاري؛ لا يهدأ ما دام هذا المسخ الفكري يهدد النسيج الثقافي لأمته.
في آخر الأمر، لا يكون هذا العب الجميل شقاءً محضًا، إنما هو ضريبة لمعنى الوجود؛ فالمعرفة التزام، ويقين بأن الهم الذي يحمله هو ما يحيل النص إلى كائن حي، والكاتب شاهدًا يمزّق بالكلمات حجب العتمة مهما تبدلت الأزمنة.

شارك هذا الخبر