هل تستنزف الحروب قوة أمريكا؟

رفعت الحروب في أوكرانيا والشرق الأوسط واليمن كلفة المواجهات على واشنطن، بينما عمّقت سياسات ترمب ضغوط الأسعار والطاقة والثقة بالاقتصاد الأمريكي.

هل تستنزف الحروب قوة أمريكا؟
هل تستنزف الحروب قوة أمريكا؟
رصد - أثير
تتزايد الضغوط على الولايات المتحدة مع استمرار الحروب وتداخل تداعياتها العسكرية والاقتصادية والسياسية، في وقت تثير فيه سياسات الرئيس دونالد ترمب تساؤلات بشأن قدرة واشنطن على حسم الصراعات والحفاظ على تماسك تحالفاتها، بالتوازي مع تصاعد الاستياء الداخلي نتيجة ارتفاع الأسعار وتراجع الثقة بالاقتصاد.
وتكشف ثلاثة مقالات نشرتها صحيفة “آي بيبر” البريطانية وصحيفة “واشنطن بوست” الأمريكية عن ملامح مرحلة دولية تتراجع فيها فرص الانتصار السريع، وتتزايد فيها تكلفة المواجهات على القوى الكبرى، فيما تتحول قرارات السياسة الخارجية إلى عامل مؤثر في الاستقرار الداخلي والحسابات الانتخابية الأمريكية.
وفي مقال بعنوان “الحروب الأبدية تتراكم، وترمب لا يستطيع الإفلات منها”، يرى الكاتب باتريك كوكبيرن، في صحيفة «آي بيبر»، أن الحروب الدائرة في أوكرانيا والشرق الأوسط واليمن تعكس تحولات عميقة في النظام الدولي؛ إذ لم تعد آثارها محصورة في ساحات القتال، بل امتدت إلى أسعار الطاقة والاقتصاد العالمي والسياسات الداخلية للدول.
ويشير الكاتب إلى أن روسيا والولايات المتحدة، رغم تفوقهما في الموارد والإمكانات العسكرية، تواجهان صعوبات في تحقيق حسم سريع أمام خصوم أقل قوة، مثل أوكرانيا وإيران.

تزايد الحروب الممتدة

ويربط كوكبيرن هذا التحول بانتشار الطائرات المسيّرة والصواريخ الدقيقة منخفضة التكلفة نسبيًا، التي قلّصت المزايا التقليدية للقوى الكبرى ورفعت تكلفة حماية القواعد العسكرية والمنشآت الحيوية.
ويستشهد بالهجمات الإيرانية على منشآت الطاقة في الخليج، وبالهجمات الحوثية على أهداف سعودية، موضحًا أن التفوق العسكري لا يضمن بالضرورة منع الخصم من إلحاق أضرار استراتيجية بمنافسه.
ويرى أن هذه المعطيات تنذر بمرحلة تتزايد فيها الحروب الممتدة، ويصبح تحقيق النصر أكثر صعوبة، حتى بالنسبة للدول التي تمتلك قدرات عسكرية واقتصادية متقدمة.
كما يلفت الكاتب إلى تراجع تأثير القوى المتوسطة، رغم تعرض مصالحها الاقتصادية والسياسية لمخاطر متزايدة، ويستحضر دعوة رئيس الوزراء الكندي مارك كارني إلى تنسيق جهود دول مثل بريطانيا وفرنسا وألمانيا والهند والبرازيل وأستراليا، لتجنب التهميش في نظام دولي تتنامى فيه النزعة الأحادية.
لكنه يرى أن هذه الدول لم تتمكن بعد من تحويل مصالحها المشتركة إلى قوة سياسية مؤثرة، بينما تظل القوى الكبرى والأطراف المتحاربة صاحبة التأثير الأبرز في مسارات الأزمات.
ويضع المقال جانبًا من هذا الاضطراب في سياق سياسات ترمب المتقلبة، التي تثير تساؤلات بشأن استدامة الالتزامات الأمريكية وحدود قدرة واشنطن على فرض إرادتها.

اختلال في المقاربة الأمريكية للحرب

وفي السياق الأوكراني، تنتقد افتتاحية لصحيفة «واشنطن بوست»، بعنوان «مستوى جديد من الفوضى في سياسة ترمب تجاه أوكرانيا»، القيود التي طالت الاتصالات العسكرية الفضائية الأوكرانية، بالتزامن مع الضغوط الأمريكية على كييف لوقف الهجمات على البنية التحتية النفطية الروسية.
وترى الصحيفة أن هذه القيود أثرت في العمليات العسكرية الأوكرانية، وأضعفت قدرات الطائرات المسيّرة الاعتراضية المكلفة بحماية المدن، دون أن تحقق بالضرورة هدف الحد من الضربات الأوكرانية على المنشآت النفطية الروسية.
وتشير الافتتاحية إلى أن اضطرابات خدمة «ستارشيلد» التابعة لشركة «سبيس إكس» تزامنت مع تكثيف روسيا هجماتها على البنية التحتية الأوكرانية، مما أدى، وفقًا للمقال، إلى انقطاع الكهرباء عن نحو 600 ألف شخص، فضلًا عن استهداف منشآت الطاقة في كييف واضطراب إمدادات المياه في بعض مناطقها.
وتطالب الصحيفة بتوضيح الجهة التي أمرت بتقييد الخدمة وأسباب القرار، خصوصًا في ظل تضارب الروايات بشأن دور البيت الأبيض والملياردير إيلون ماسك، ونفي ترمب مسؤوليته عنه.
وانتقدت الصحيفة كذلك ما تعدّه اختلالًا في المقاربة الأمريكية للحرب، إذ تطالب واشنطن أوكرانيا بضبط هجماتها، في حين لا تنتزع التزامات مقابلة من روسيا لوقف استهداف المدن والمنشآت الحيوية.

تداعيات السياسات الأمريكية تمتد إلى الداخل

وانتقدت الافتتاحية قرار ترمب تعليق تطبيق عقوبات على صادرات روسية وشخصيات روسية، معتبرة أن تخفيف الضغط على موسكو، بالتزامن مع تقليص بعض القدرات الدفاعية الأوكرانية، يثير تساؤلات بشأن اتساق السياسة الأمريكية.
وتحذر من أن تراجع الثقة بالتقنيات الأمريكية قد يدفع الدول الأوروبية إلى تسريع تطوير بدائل مستقلة في مجال الاتصالات والأقمار الصناعية العسكرية، بما يقلل اعتمادها على واشنطن.
أما مقال كيت أندروز، المنشور في صحيفة «واشنطن بوست» بعنوان «كيف فقد دونالد ترمب، صانع الفوضى، السيطرة»، فيركز على انعكاسات السياسات الاقتصادية والعسكرية للإدارة الأمريكية على الداخل، مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي للكونغرس.
وترى الكاتبة أن الاضطراب الذي اعتمده ترمب أداةً لإعادة تشكيل العلاقات الدولية بدأ يرتد على إدارته، بفعل ارتفاع تكاليف المعيشة واستمرار الحرب مع إيران وتراجع الثقة بالاقتصاد.
وتستند أندروز إلى دراسة لبنك الاحتياطي الفدرالي في نيويورك، يشير المقال إلى أنها خلصت إلى أن الرسوم الجمركية التي أعلنتها الإدارة عام 2025 أسهمت بنحو 2.9% في تضخم أسعار السلع بحلول فبراير 2026. وتوضح الكاتبة أن الشركات الأمريكية تحملت جانبًا من تكاليف الرسوم، قبل أن تنقل جزءًا منها إلى المستهلكين، خلافًا لتأكيدات الإدارة أن الدول الأجنبية تتحمل العبء.

الحروب الخارجية تضاعف الضغوط الداخلية

كما تشير الكاتبة إلى ارتفاع أسعار الوقود منذ اندلاع الحرب مع إيران، إذ زادت أسعار البنزين بنحو 50% والديزل بنحو 70%، وفق الأرقام الواردة في المقال.
وتربط أندروز هذه التطورات بتراجع شعبية ترمب وتصاعد المخاوف لدى المرشحين الجمهوريين في الولايات المتأرجحة، في ظل صعوبة التوفيق بين وعود خفض الأسعار وتجنب الحروب المكلفة من جهة، ونتائج السياسات الفعلية من جهة أخرى.
لكنها لا تعدّ المؤشرات الانتخابية حسمًا مسبقًا للنتائج، بل تراها دليلًا على الضغوط التي يواجهها الحزب الحاكم مع اقتراب الانتخابات.
وتتقاطع المقالات الثلاث في إبراز الترابط بين الحروب الخارجية والتحديات الداخلية، وتراجع قدرة القوى الكبرى على حسم الصراعات بسرعة، فضلًا عن المخاطر التي تفرضها السياسات المتقلبة على التحالفات والثقة الاقتصادية.
وفي المحصلة، تواجه واشنطن اختبارًا مزدوجًا: إدارة صراعات متعددة دون استنزاف قدراتها أو إضعاف شركائها، واحتواء التداعيات الاقتصادية والسياسية في الداخل.
وفي عالم تتزايد فيه قدرة الخصوم الأقل موارد على إطالة الحروب وإلحاق أضرار مؤثرة، لم يعد التفوق العسكري والاقتصادي وحده كافيًا لضمان النتائج، بل باتت القدرة على بناء تحالفات متماسكة، وصياغة سياسات مستقرة، وتحمل الكلفة الداخلية للقرارات الخارجية، عوامل أساسية في تحديد موقع الولايات المتحدة في النظام الدولي.
المصدر: الجزيرة

شارك هذا الخبر