رصد – أثير
أغرقت روبوتات الذكاء الاصطناعي مشاورة حكومية بريطانية بعشرات الآلاف من الردود المزيّفة، في محاولة فاشلة لإحباط الحظر البريطاني على السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام.
وذكرت صحيفة “الغارديان” البريطانية، في تقرير رصدته “أثير”، أن ثلاثة أرباع إجمالي الردود على مشاورة عام 2023 بشأن مشروع قانون التبغ والسجائر الإلكترونية مولّدة آلياً، فيما يُعتقد أنها أول محاولة منسّقة لتوظيف الذكاء الاصطناعي في إخراج عملية صنع السياسات الصحية في المملكة المتحدة عن مسارها.
وبعد نحو ثلاث سنوات على انعقاد المشاورة، نشرت مجلة “توباكو كونترول” يوم الثلاثاء دراسة تسلّط الضوء على هذه المحاولة الرامية إلى التلاعب بنتيجتها، أعدّها خبيرا السياسات الصحية، الدكتور ناسون ماني من جامعة إدنبرة والبروفيسورة آنا غيلمور من جامعة باث.
سؤال واحد و90 ألف رد آلي
استخدمت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية البريطانية أساليب لرصد الروبوتات الإلكترونية، فتبيّن لها أن 90,835 رداً من أصل 118,756 تلقّتها، أي ما نسبته 76%، صدرت عن روبوتات.
وباستثناء ردّين فقط، أجابت الردود الآلية الـ90,835 جميعها عن سؤال واحد بعينه في مشاورة “جيل خالٍ من التدخين”، عارضت فيه خطة حكومة المحافظين برئاسة ريشي سوناك لحظر السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام.
وأوضحت الوزارة أن هذه الردود “كثيراً ما كانت مكرّرة مرات عديدة، وتُرسَل بوتيرة عالية من عدد محدود من عناوين IP”.
سابقة أولى.. وخطر قادم
قال الباحثان إن هذا الوابل من الردود “يبدو أنه أول حالة موثّقة لتدخّل آلي واسع النطاق في مشاورة رسمية بشأن سياسات الصحة العامة”.
وأضاف ماني أنه رغم كشف هذه المحاولة، فإن الخطر يكمن في أن تغدو الحملات المقبلة أصعب رصداً، وما لا نستطيع رصده لا نعلم عنه شيئاً. وتشكّل مثل هذه الحملات تهديداً لأنها تفتح الباب أمام احتمال أن تظهر حفنة من أصحاب المصالح النافذين بمظهر حركة جماهيرية.
وفي المحصلة، استبعدت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية الردود الآلية الـ90,835 من عملية صنع القرار. ثم ورثت حكومة العمال برئاسة كير ستارمر مشروع قانون التبغ والسجائر الإلكترونية عام 2024، وأقرّته ليغدو قانوناً نافذاً، بما في ذلك حظر قيام المنشآت التجارية ببيع السجائر الإلكترونية أحادية الاستخدام أو توريدها.
قلق على نزاهة المشاورات
قالت كارولين سيرني، نائبة الرئيس التنفيذي لمنظمة “العمل بشأن التدخين والصحة”: “إن الأدلة على استخدام روبوتات الذكاء الاصطناعي لإغراق مشاورة لوزارة الصحة تبعث على قلق بالغ.
وأشارت إلى أنه بالنظر إلى تاريخ صناعة التبغ في السعي إلى تقويض الأطر التنظيمية للصحة العامة، يتعيّن علينا أن نتنبّه إلى خطر توظيف التطورات التكنولوجية لخدمة مصالح تجارية فيما يتصل بالسياسات الصحية، وأن نضع الضمانات اللازمة.
وأضافت إن القرارات التي تمسّ الصحة العامة يجب أن تُبنى على أدلة رصينة وخبرة متخصصة، لا على أعداد ردود جرى التلاعب بها.
أما أزورا مورز، المديرة المشاركة لشؤون منظومات المعلومات في مركز الأبحاث (Demos)، فقد وصفت محاولة عرقلة الحظر بأنها “مقلقة إلى حدّ بعيد”.
وقالت: “تُعدّ المشاورات العامة إحدى الوسائل الرئيسية التي تفتح بها الحكومة عملية صنع قرارها أمام الجمهور، ومن ثمّ فإن أي تدخّل فيها يمثّل مصدر قلق جدّي”. وأضافت إن هذه النتائج مقلقة إلى حدّ بعيد؛ فإذا كان بالإمكان إغراق مشاورة ما على هذا النحو، فإنها تكفّ عن إطلاع صانعي السياسات على ما يفكّر فيه الجمهور فعلاً، وتقوّض الثقة في العملية ذاتها.
واعتبرت إنها مشكلة لا حلول سهلة لها، فكل حاجز يصدّ الروبوتات يُصعّب في الوقت ذاته مشاركة الأشخاص الحقيقيين، فضلاً عن أن الذكاء الاصطناعي يجعل رصد الردود المزيّفة أصعب بكثير. كما يمكن لأساليب التدخل أن تتكيّف بسرعة تفوق قدرة الوزارات على تحديث آليات التحقق لديها. وسيُسهم تحسين آليات الفرز وزيادة الشفافية في معالجتها، بيد أنه ما من حلّ واحد كفيل بحسمها.
الوزارة: ضوابطنا أدّت عملها
من جانبها، قالت وزارة الصحة والرعاية الاجتماعية إن “ضوابطها المحكمة” رصدت محاولة التأثير في المشاورة.
وقال متحدث باسم الوزارة: “لدينا دائماً ضوابط مُحكمة لمنع التلاعب بمشاوراتنا العامة، وقد أدّت هذه الضوابط عملها بفعالية في هذه الحالة”.
وأضاف: “نتيجة لذلك، أُزيلت الردود المزيّفة، وأسهمت المشاورة في بلورة الخطوة التاريخية التي نتخذها لإنشاء جيل خالٍ من التدخين”.
وتابع: “سنظل متيقّظين لأي تدخل من هذا القبيل في عمليات التشاور المستقبلية، ولن نُثنى عن القيام بما يلزم لتعزيز أنماط حياة أكثر صحة”.





