قبل 850 عامًا: كيف وصف الصينيون مدن عُمان وحياة أهلها؟

سجّل جغرافيون ورحالة صينيون بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر أوصافًا لمدن عُمان وسكانها، شملت مساكن مرباط وعادات أهل ظفار وتجارتهم البحرية.

عن الكاتب

ريما الشيخ
ريما الشيخ

محرر وكاتب صحفي

قبل 850 عامًا:  كيف وصف الصينيون مدن عُمان وحياة أهلها؟
كيف وصف الصينيون مدن عُمان وحياة أهلها؟
أثير - ريما الشيخ
لم تكن سلطنة عُمان غائبة عن مؤلفات الصينيين قبل مئات السنين؛ فقد وصلت أخبار مدنها وسكانها إلى كتّاب وجغرافيين سجّلوا تفاصيل قد لا تخطر على البال اليوم، أحدهم تحدث عن بيوت ترتفع خمسة طوابق في مرباط، وآخر وصف طعام أهلها، فيما نقل ثالث مشاهد من ظفار، حيث يتعطر الناس قبل صلاة الجمعة، وتبقى روائح البخور في الطرقات بعد مرورهم.
وتكشف هذه الروايات جانبًا من الحياة في سلطنة عُمان بين القرنين الثاني عشر والخامس عشر الميلاديين، عبر مؤلفات لم تقتصر على أخبار الموانئ والسفن، بل امتدت إلى عادات السكان وملابسهم ومساكنهم، وما عرفه الصينيون عن المدن العُمانية في ذلك الزمن.
مرباط قبل نحو 850 عامًا.. كيف بدت مبانيها؟
في عام 1178م، وضع الجغرافي الصيني تشو تشيوفي (Zhou Qufei) كتابه “لينغواي دايدا” (Lingwai Daida)، الذي جمع فيه معلومات عن البلدان الواقعة خارج الصين، ووفقًا لدراسة تاريخية نشرها مركز السلطان قابوس العالي للثقافة والعلوم، وصف تشو تشيوفي مرباط بأنها مدينة تضم بيوتًا تتكون من خمسة طوابق، وترسو في مينائها السفن الكبيرة، ويقصدها التجار الأثرياء.
ويعيد هذا الوصف رسم صورة لمدينة ساحلية ذات مبانٍ مرتفعة وحركة بحرية نشطة، في وقت كانت فيه مرباط معروفة بصلاتها بالموانئ الواقعة على طرق المحيط الهندي.
غير أن تشو تشيوفي لم يثبت أنه زار مرباط بنفسه، إذ اعتمد في مؤلفه على أخبار البلدان التي نقلها التجار والبحارة، ولذلك يمثل وصفه ما وصل إلى الصين من معلومات عن المدينة في تلك الفترة.
ماذا كان يأكل أهل عُمان قبل 800 عام؟
بعد نحو نصف قرن، تناول المسؤول والجغرافي الصيني تشاو روغوا (Zhao Rugua) أحوال عدد من المدن العُمانية في كتابه “تشو فان تشي” (Zhu Fan Zhi)، الذي ألّفه نحو عام 1225م، ومن التفاصيل التي أوردها عن السكان تناولهم خبز التنور ولحوم الأغنام والأسماك والخضروات، إلى جانب شرب الحليب.
وجمع تشاو روغوا معلوماته من التجار والبحارة الذين وصلوا إلى الموانئ الصينية، ولم يكن شاهدًا مباشرًا على الحياة في عُمان.
وقد تُرجم كتابه إلى الإنجليزية عام 1911م على يد فريدريش هيرث وويليام روكهيل، وأصبح من المراجع المستخدمة في دراسة أخبار البلدان العربية في المصادر الصينية القديمة.
كيف وصف ما هوان يوم الجمعة في ظفار؟
في القرن الخامس عشر الميلادي، قدّم الكاتب والمترجم الصيني ما هوان (Ma Huan) وصفًا أكثر تفصيلًا للحياة في ظفار، ضمن كتابه “ينغيا شنغلان” (Yingya Shenglan)، الذي يعود إلى عام 1433م.
وكان ما هوان من المشاركين في الرحلات البحرية التي قادها البحّار الصيني تشنغ خه، وقد تضمّن كتابه معلومات عن البلدان التي وصل إليها الأسطول.
ومن أبرز ما سجله عن ظفار استعداد السكان لصلاة الجمعة، إذ ذكر أن حركة البيع والشراء كانت تتوقف قبل الظهر، ويتجه الناس إلى الاغتسال وارتداء الملابس النظيفة، ثم استخدام ماء الورد ودهن العود لتعطير أجسادهم وملابسهم.
وتحدث عن استخدام العود والصندل والعنبر في التبخير، مشيرًا إلى أن روائح العطور كانت تبقى في أزقة الأسواق بعد مرور الناس في طريقهم إلى الصلاة، كما أشار إلى التزام السكان بالتقاليد الإسلامية في الزواج والدفن، وهو ما يقدم جانبًا من الحياة الاجتماعية والدينية في المنطقة آنذاك.
ملابس أهل ظفار وموكب الحاكم
امتدت أوصاف ما هوان إلى مظهر السكان، فذكر أن الرجال كانوا يغطون رؤوسهم بالأقمشة، ويرتدون الملابس الطويلة والأحذية الجلدية، أما الحاكم، فوصفه بارتداء عمامة بيضاء وثياب مطرزة بالحرير وخيوط الذهب، وتحدث عن خروجه في موكب يرافقه فرسان ومشاة يحملون السيوف والدروع.
وأشار إلى أن الحاكم كان يتنقل على ظهر حصان أو في محفة، تصاحبه أصوات الآلات المستخدمة في المواكب الرسمية.
اللبان والمنتجات التي عرفها الصينيون في ظفار
لم يغفل ما هوان الموارد الطبيعية التي اشتهرت بها المنطقة، وفي مقدمتها اللبان، حيث وصف طريقة استخراجه بإحداث شقوق في لحاء الأشجار وجمع المادة الراتنجية بعد خروجها، كما أشار إلى معلومات عن المنتجات المتوافرة في ظفار، ومنها الأرز والقمح والدخن وبعض الخضروات، إلى جانب الحيوانات مثل الإبل والخيول والأغنام والأبقار.
وتحدث عن تبادل اللبان والمر والمواد العطرية مع المنتجات التي حملتها السفن الصينية، ومنها الحرير والأواني، وسجل كذلك معلومات عن النقود المتداولة، ومنها عملة ذهبية أطلق عليها اسم “تانكا”، إلى جانب عملات نحاسية أصغر حجمًا.
من أين استقى الصينيون معلوماتهم عن عُمان؟
تختلف طبيعة هذه المدونات باختلاف أصحابها، فتشو تشيوفي وتشاو روغوا لم تثبت زيارتهما إلى عُمان، وإنما اعتمدا على روايات التجار والبحارة والمصادر الجغرافية المتداولة.
أما ما هوان فشارك في الرحلات البحرية الصينية خلال القرن الخامس عشر، ودون معلومات عن ظفار ضمن وصفه للبلدان التي وصل إليها الأسطول، وإن لم تكن جميع التفاصيل الواردة في كتابه بالضرورة مشاهدات شخصية.
وتمنح هذه المؤلفات الباحثين اليوم مصادر تاريخية لفهم صورة سلطنة عُمان في المعرفة الصينية القديمة، بما تضمنته من أوصاف تتعلق بالمدن والسكان والعادات والموارد الطبيعية.

شارك هذا الخبر