إعداد: سعيد بن خالد العمري
عُرفت ظفار بعدة أسماء عبر التاريخ مثل سأكلن في القرن الثالث قبل الميلاد إلى القرن السادس الميلادي، وبلاد الشحر أو شحر عمان في القرن السابع الميلادي إلى القرن الثالث عشر الميلادي، ثم عرفت باسم ظفار - أو ظفار الحبوضي - منذ تلك الفترة إلى يومنا هذا.
ونسلط الضوء هنا على اسم بلاد الشحر “شحر عمان” الذي عرفت به ظفار في المصادر العربية القديمة التي ظلت تطلق عليها هذا الاسم من فترة ما قبل الإسلام إلى القرن السابع الهجري/ الثالث عشر الميلادي، وذكرت ظفار ومرباط وريسوت مدن في بلاد الشحر.
والشحر في لسان العرب تعني: “الشط الضيق” وفي تاج العروس: “الشحر بطن الوادي ومجرى الماء”، وفي صفة جزيرة العرب للهمداني: “اﻟﺸﺤﺮ ﻣﺄﺧﻮﺫ ﻣﻦ ﺷﺤﺮ اﻷﺭﺽ ﻭﻫﻮ ﺳﺒﺦ اﻷﺭﺽ ﻭﻣﻨﺎﺑﺖ اﻟﺤﻤﻮﺽ”.
و“شَحِر" في اللغة الشحرية المنطقة الجبلية ذات الغطاء النباتي، و“مشحرت” تعني الطريق الجبلي الضيق.
وجاء في المصادر تحديد بلاد الشحر بالإقليم الواقع بين عمان وعدن، وحدد ابن حوقل طول ساحل بلاد الشحر بـ ٤٠٠ فرسخ (٢٠٠٠كم) - من رأس مدركة إلى رأس المكلا - ونجد أن بعض الرحالة والجغرافيين الأوائل قسم الشحر إلى عدة أشحار: شحر عمان وشحر مهرة وشحر اليمن، بينما نجده عند البعض شحراً واحداً هو “شحر عمان”.
وهنا نرصد ما ورد عن شحر عمان في المصادر التاريخية على النحو الآتي:
أولاً: في كتب اللغة والأدب:
- ذكر الجوهري (ت ٣٩٣ه) في الصحاح: “يقال شِحر عمان وشَحر عمان، وهو ساحل البحر بين عمان وعدن”.
- وذكر نشوان الحميري (ت ٥٧٣ه) في شمس العلوم: “الشحر: لغةٌ في الشحر، يقال: شَحْرُ عُمان، وشِحْرُ عُمان، والكسر أفصح”.
- وفي أساس البلاغة للزمخشري (ت ٥٣٨ه): “العنبر الشحري: منسوب إلى شحر عمان وهو ساحله”، أي أن شحر عمان ساحل بلاد عمان.
- وفي الأمالي العمانية يحدد الربعي (ت ٤٨٠ه) طول جزيرة العرب “ما بين شحر عمان وأطرار الشام”.
- ويذكر البيهقي (ت ٣٢٠ه) في المحاسن والمساوئ متحدثاً عن النبي صلى الله عليه وسلم قائلاً: “ﻣﻠﻚ ﻣﻦ ﺃﻗﺼﻰ اﻟﻴﻤﻦ ﺇﻟﻰ ﺷﺤﺮ ﻋﻤﺎﻥ ﺇﻟﻰ ﺃﻗﺼﻰ اﻟﺤﺠﺎﺯ ﺇﻟﻰ ﻋﺬاﺭ اﻟﻌﺮاﻕ”.
- وأنشد الثعالبي (ت ٤٥٨ه) في ثمار القلوب من شعر كعب بن مالك:
فلو أن أم عمروٍ أضحت مقيمةٌ... بمصر ودوني الشحر شحر عمانِ
إذن لرجوت الله يجمع بيننا ... وأنَّا على ما كان ملتقيانِ
ثانيًا: في كتب الجغرافيا والبلدان:
- ذكر الإصطخري (ت ٣٤٦ه) في المسالك والممالك أن “بلاد مهرة قصبتها تسمى الشحر، ﻭﻫﻰ ﺑﻼﺩ ﻗﻔﺮﺓ أﻟﺴﻨﺘﻬﻢ ﻣﺴﺘﻌﺠﻤﺔ ﺟﺪا، ﻭاﻟﻠﺒﺎﻥ اﻟﺬﻯ ﻳﺤﻤﻞ إﻟﻰ اﻵﻓﺎﻕ ﻣﻦ ﻫﻨﺎﻙ ﻭﺩﻳﺎﺭﻫﻢ ﻣﻔﺘﺮﺷﺔ به، ﻭﺑﻼﺩﻫﻢ ﺑﻮاﺩٕ ﻧﺎﺋﻴﺔ ﻭﻳﻘﺎﻝ أﻧﻬﺎ ﻣﻦ ﻋﻤﺎﻥ“.
- وذكر البكري (ت ٤٨٧ه) في المسالك والممالك الأسعاء - مدينة الشحر حالياً - وعدَّها من “مدائن بلاد الشحر حد عمان”.
- وذكر ياقوت الحموي (ت ٦٢٦ه) في معجم البلدان: “ضمير” و “دغوث” بلدتين “ بنواحي الشحر من أرض عمان“.
- وفي كتاب الروض المعطار في خبر الأقطار للحميري (ت ٩٠٠ه) جاء ذكر “ريسوت جبل الأحقاف في عمان”.
ويذكر الحميري أيضاً برهوت قائلاً: “ﺑﺮﻫﻮﺕ ﻓﻲ ﻧﺤﺮ ﺑﻼﺩ ﺣﻀﺮﻣﻮﺕ ﻣﻦ ﺑﻼﺩ اﻟﺸﺤﺮ ﻓﻲ ﺟﻬﺔ اﻟﻴﻤﻦ ﺑﺒﻼﺩ ﻋﻤﺎﻥ”.
- وفي النسبة إلى مواضع البلدان يقول الطيب بامخرمة (ت ٩٧٤ه) متحدثاً عن حيريج بندر المشقاص: “بلدة مشهورة على ساحل بحر ظفار”.
- وذكر ابن البيطار (ت ٦٤٦ه) في كتاب الجامع لمفردات الأدوية والأغذية: “قال أبو حنيفة: أخبرني أعرابي من أهل عُمان أنه قال: اللبان لا يكون إلا بالشحر شحر عمان”.
- ويقول الدمشقي (ت ٥٨٠ه) في كتاب الإشارة إلى محاسن التجارة متحدثاً عن اللبان: " اللبان صمغ شجر لا يوجد إلا بشحر عمان“.
- ويذكر ابن خلدون (ت ٨٠٨ه): “مدينة قلهات ﻭﻫﻲ ﺳﺎﺣﻞ اﻟﺸﺤﺮ ﺛﻢ ﺗﺤﺘﻬﺎ ﻋﻠﻰ ﺳﺎﺣﻠﻪ ﺑﻼﺩ ﻋﻤﺎﻥ”.
- والجدير بالذكر أن أقدم خريطة تاريخية ذكرت فيها ظفار بهذا الاسم وهي خريطة الملك المؤيد الرسولي سنة ٧٢١ه/ ١٣٢١م ورد باسم " ظفار عمان“، والأرجح أنه مأخوذ من الاسم القديم للإقليم “شحر عمان”.

إذًا مما سبق نجد أن ظفار كانت تعرف قديماً ببلاد الشحر وأطلقت عليها المصادر “شحر عمان” نسبة إلى عمان، ورأينا كيف أن الجغرافيين القدماء جعلوا الأسعاء - مدينة الشحر حالياً - آخر حد عمان، وهذا ينطبق مع ما عرضناه مسبقاً من قياس ابن حوقل.
ونجد في المصادر الكلاسيكية اليونانية والرومانية إشارات تقترب مع ذلك، ففي كتاب “الطواف حول البحر الأريتري” لمؤلف يوناني في القرن الأول الميلادي، يطلق على البر الذي يقع مباشرةً بعد رأس سياجروس (فرتك) “بر أومانا (عمان)” ويليه خليج أومانا (عمان) - خليج جبل القمر حالياً - ثم موشكا الميناء الرئيسي لتصدير اللبان في أرض سكاليتس (ظفار).
ويذكر المؤرخ إيسيدور الخاراكسي في القرن الأول قبل الميلاد “الملك جواسوس ملك العمانيين في بلاد اللبان والبخور، الذي عاش مائة وخمسة عشر سنة ومات من المرض”، ومن المرجح أنه كان ملكاً عمانياً من عشيرة الأزد في نهاية الألف الأول قبل الميلاد.
وقد حددت خريطة بطليموس في القرن الثاني الميلادي موقع المركز التجاري العماني (Omanum emporium) ومركز العمانيين (Omantia) من المنطقة الممتدة من رأس سياجروس (فرتك) إلى رأس مسندم (Asbon prom).

ولقد ذكرت المصادر العربية قيام مملكة الأزد في بلاد الشحر “شحر عمان” في فترات زمنية قديمة، ففي تاريخ العرب قبل الإسلام يذكر الأصمعي (ت ٢١٦ه) أن نصر بن الأزد ملك بلاد عمان والشحر (ظفار) ومن عقبه مالك بن فهم وبنو الجلندى ملوك عمان.
وقد ذكر الهمداني (ت ٣٣٤ه) في صفة جزيرة العرب أن بني نصر بن الأزد لحقوا بنواحي الشحر وريسوت بعد انهيار سد مأرب، وفي عصر الهمداني - القرن الثالث الهجري - كان بني جُديد الأزديين في ريسوت وخرجوا من إلى حاسك ومرباط، وقد ذكر ياقوت في معجم البلدان أن كسرى أردشير بن بابك جعل الأزد ملاحين بشحر عمان (ظفار) قبل الإسلام بستمائة سنة.
ونجد في المصادر النقشية ما يعضد هذه الروايات، فقد جاء في نقش عثر عليه في موقع سمهرم الاثري ذكر “ثعد إل” من قبيلة “دوسم” (دوس) كان نائب الملك بأرض سأكلن (ظفار) قام ببناء بعض التحصينات والبوابات لمدينة سمهرم.
ونجد في مصادر التاريخ العماني ما يؤيد هذا النص، فقد ذكر العوتبي الصحاري (ت ٥١٢ه) في الأنساب أن مالك بن فهم من قبيلة دوس بن نصر بن الأزد خرج من السراة إلى الشحر ثم إلى عمان وتخلفت عنه مهرة بالشحر، ويذكر أيضاً أن جيفر ملك عمان بعث إلى مهرة والشحر (ظفار) ونواحيها يدعوهم إلى الإسلام فأسلموا معه بعد وصول عمرو بن العاص برسالة النبي صلى الله عليه وسلم.
ويظهر أن بلاد الشحر كان متعلقة بعمان أيضاً في القرن الثالث الهجري، فقد ذكر الكندي (ت ٥٠٨ه) في بيان الشرع رسالة زياد بن عمر الشحري إلى الإمام عبد الملك بن حميد العلوي (ت ٢٢٦ه) يبلغه فيها عن وقوع تمرد في بلاد الشحر تزعمه رجل يدعى يحيى، ويطلب من الإمام السماح له بحبس الطعام والسفن عنه، ويظهر أن زياداً كان والي الإمام في بلاد الشحر.
ولعل أن هذه الحادثة وقعت سنة ٢١٠ه حيث يذكر السالمي في تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان أن الإمام عبد الملك بن حميد في هذا العام دخل في قتال ومواجهات مع المهرة حتى أذعنوا له، كما ذكر السالمي أن عمال وولاة الإمام مهنا بن جيفر (ت ٢٣٧ه) كانوا يقبضون الزكاة من المهرة، وكانوا يحضرون إبلهم إلى نزوى كل سنة.
ويقول الغشري مادحاً الإمام الصلت بن مالك الخروصي (ت ٢٧٥ه):
صلت بن مالك الإمام المرتضى ... دانت له أمصارها وظفار
سادوا عمان بمعروف ومعرفة ... كذا ظفار تولاها إلى اليمنِ
ويدل ذلك على أن بلاد الشحر كانت تابعة لحكم أئمة عمان في تلك الفترة.
ويذكر السيرافي (ت ٣٦٨ه) أن حاكم عمان سنة ٣١٧ه - يوسف بن وجيه - كان يأخذ العشور على السفن في شحر لبان ما فيمته ٦٠٠ ألف دينار.
ونجد كذلك في المصادر العمانية أن ظفار كانت الحد الجنوبي لعمان، فعلى سبيل المثال يقول حسين بن شوال شاعر دولة النباهنة في عمان في القرن العاشر الهجري:
وأما حدود عمان جلفار حدها ... وحد ظفار منتهاه السواحل
ويذكر درويش بن جمعة المحروقي (ت ١٠٨٦ه) في جامع البيان أن ظفار هي حد عمان، الجدير بالذكر أن المحروقي كان من ولاة اليعاربة في ظفار في القرن الحادي عشر الهجري.
وفي القرن السادس الهجري ظهرت دولة المنجويين في ظفار واستقلوا بحكمها وكانت عاصمتها مرباط، وانتهت الدولة المنجوية على يد الحبوضيين في القرن السابع الهجري الذين قاموا بتأسيس عاصمة جديدة أطلقوا عليها “ظفار الحبوضي” وعمَّ اسمها على الإقليم وانحسر اسم الشحر على مدينة الأسعاء - مدينة الشحر حالياً - منذ تلك الفترة.
ويمكننا القول بأن إقليم الشحر العماني يمتد من رأس مدركة إلى رأس فرتك، فقد حدد ابن خرداذبه (ت ٢٨٠ه) بداية الشحر بعد صحار بمائتي فرسخ - عند رأس مدركة تقريباً - وكما رأينا أن المصادر الكلاسيكية رأس فرتك (سياجروس) بداية بر عمان، وكذلك حدد أحمد بن ماجد (ت ٩٠٦ه) رأس فرتك الحد الفاصل بين ظفار واليمن، وهذا هو الشحر المذكور باسم شحر عمان في المصادر العربية القديمة.
المصادر والمراجع:
- الطواف حول البحر الأريتري، مؤلف يوناني من القرن الأول، pdf
- ابن خرداذبه، المسالك والممالك، المكتبة الشاملة، pdf
- السيرافي، الصحيح من أخبار البحار وعجائبها، تحقيق يوسف الهادي، دار إقرأ، ٢٠٠٦م.
- الهمداني، صفة جزيرة العرب، المكتبة الشاملة، جوجل
- السالمي، تحفة الأعيان بسيرة أهل عمان، نسخة إلكترونية.
- د. اسمهان الجرو، عمان والعمانيين في الأدبيات والخرائط اليونانية والرومانية، pdf
- ارتفاع الدولة المؤيدية ، تحقيق محمد عبدالرحيم جازم، المعهد الفرنسي للآثار والعلوم، صنعاء، ٢٠٠٨م.
- ناصر بن سيف السعدي، ظفار من خلال بعض المدونات العمانية، مجلة الذاكرة، ٢٠٢٠م.
- سعيد بن خالد العمري، ظفار مسمياتها التاريخية وحركة الاستيطان البشري القديم حسب المصادر التاريخية ونتائج التنقيب الأثري، ندوة ظفار في ذاكرة التاريخ، ٢٠٢٥م.
- سالم بن أحمد الكثيري، الشحر محطات تاريخية في المسميات والجغرافيا، دار الأسعاء للدراسات والنشر، ٢٠٢٣م.




