ألمانيا أوروبيًا وعُمان خليجيًا كنماذج: كيف تعيد الأزمة الحالية تعريف دور منطقتنا اقتصاديًا؟

ألمانيا أوروبيًا وعُمان خليجيًا كنماذج: كيف تعيد الأزمة الحالية تعريف دور منطقتنا اقتصاديًا؟
سلطنة عمان
خاص-أثير
تطرح التحولات الجيوسياسية الراهنة في منطقة الشرق الأوسط تساؤًلا جوهريًا يتجاوز منطق إدارة الصدمات نحو استشراف آليات الانتعاش الهيكلي ما بعد الأزمات الكبرى.
وتستدعي قراءة الاقتصاد الخليجي في ظل احتمالات النزاع المسلح تفكيك مفاهيم الاستقرار التقليدية وإعادة صياغة أدوار الدولة كفاعل سيادي في نظام عالمي لا يعترف إلا بالمرونة الإستراتيجية، ونسعى من خلال هذه المقالة إلى تفكيك بنية التعافي الاقتصادي الخليجي عبر ثلاثة محاور رئيسة؛ تبدأ بفلسفة الصناديق السيادية كأداة لفرض الاستقرار، مرورًا بإعادة صياغة العقد الاجتماعي، وصولًا إلى استشراف الأدوار الجيوسياسية الجديدة التي تحول المنطقة من ساحة للصراع إلى مركز ثقل لوجستي وقانوني في الاقتصاد العالمي.
1- الأزمة كدورة اقتصادية
الانتعاش بعد الأزمة؟ هذا سؤال يمسُ جوهر الحياة الإنسانية جمعاء. بعد الأزمة، لكن ما الذي تعنيه الأزمة اقتصاديًا، إنها تدهور حاد ومفاجئ أحيانًا في الوضع الاقتصادي، فالأزمة في مستواها الكلي (النسقي) تؤثر في النّظام بأكمله كما قد تشملُ بعض أجزائه أيضا، وحسب ميشال أكليطا (Michel Aglietta) فإن“الأزمة الاقتصادية هي اللحظة التي يحدث فيها انقلاب في دورة اقتصادية، ويدخل النظام الاقتصادي في مرحلة من التراجع والانكماش والخسائر“، يحيلنا هذا التعريف مباشرة إلى فهمِ الأزمة في حدودها الاقتصادية. كما يحيلنا إلى أنّ الأزمة بحد ذاتها هي دورة في منظومة اقتصادية، وبالتالي فإنّ الأزمة هي ذاتها جزء من الدورة (الطبيعية) لحياة الاقتصاد.
هذا في حالةِ التكوثر =(الدورة الاقتصادية) الاقتصادي العادي (Natural)، لكن ماذا إذا كانت الأزمة نتيجة الحرب، كيف ينتعش الاقتصاد؟
أظهرت تجارب مماثلة في منطقة الشرق الأوسط: حرب الخليج (1990) أنّ الحرب بحد ذاتها قد تؤدي إلى دورة حياة اقتصادية جديدة، وهو ما تؤكده اليوم المؤسسات المالية العالمية، فهي ما تزال تؤمن بشدة بالاقتصاد الخليجي وتستثمر فيه، ومن هنا تكون الأزمة الاقتصادية نتيجة الحرب جزءًا من إعادة هيكلة الاقتصاد وفقَ أعمدة اقتصادية واجتماعية وجيوسياسية جديدة.
أولا: الصناديق السيادية
تشكل الصناديق السيادية أهم عوامل ثبات الاستقرار الاقتصادي خلال الأزمات في دول الخليج، فهي تمكن الدول الخليجية من تحويل إدارة “الادخار” إلى إدراة “الاستقرار”، ضد تقلبات أسعار الطاقة الناتجة عن الحرب، عبر إعادة تدوير الفوائض في أصول تقنية وصناعية غير مرتبطة بالنفط (مثل الهيدروجين الأخضر والذكاء الاصطناعي).
أمّا المستوى الثاني فهو اقتصاد المنصات (Platform Economy)، أي الانتقال من الاعتماد على سلاسل التوريد العالمية الهشة إلى بناء سيادة لوجستية، تجعل من الموانئ والمطارات الخليجية نقاط ارتكاز لا يمكن للعالم الاستغناء عنها حتى في وقت الأزمات.
ثانيا: اجتماعيًا
يرتبط الانتعاش الاقتصادي ارتباطًا وثيقا بالاستقرار الاجتماعي، بل هو جزء أساس في دورة تعافي الاقتصاد بعدَ الأزمة، وهو ما ينبغي المراهنة عليه بعدَ توقف الحرب، أي الانتقال إلى مجتمع منتج لمواجهة تبعات الحرب، من خلال دمج المواطن في دورة الإنتاج الحقيقي؛ ما يقلل من حساسية المجتمع تجاه تقلبات المعونات الحكومية، ويوجِد طبقة وسطى تقنية قادرة على إدارة اقتصاد الأزمات.
وفي مستوى تالٍ، التوجه نحوَ الاستثمار المكثف في التعليم خصوصا التقني منه والأمن الغذائي والمائي محليًا، وهو ما يمثل الحصن الاجتماعي، ضد أي حصار أو اضطراب في خطوط الملاحة.
ثالثا: جيوسياسيًا
في منطقة الشرق الأوسط، خصوصا دول الخليج تمارس التواترات الإقليمية أو الدولية تأثيرا كبيرا على الدينامية الاقتصادية والاجتماعية لهاته البلدان. لاسيما وأنّ التواترات مثل الحروب تعيد –بطريقة أو أخرى- محاولة رسم الخريطة الجيوسياسية؛ ما يجعل هذا التحول ضروريا في بناء علاقات إستراتيجية تكاملية مع دول مؤثرة في المنطقة مثل الصين، والهند، والاتحاد الأوروبي، وهو ما يعني تحول الدول الخليجية إلى مركز ثقل لإعادة الإعمار في المنطقة؛ فبدلًا من أن تكون ساحة للصراع، تصبح المحرك المالي والتقني لترميم اقتصادات الجوار المتضررة، وهو ما يحول التهديد الأمني إلى فرصة للهيمنة الاقتصادية الناعمة.
وتترابط هذه الأعمدة في إعادة تشكيل اقتصاد منتج، في سياق التعافي وإعادة بناء منطق التحلفات وتوطين منطق الاستقرار الاجتماعي، لبناء تحول شامل ومواكب للأزمات.
2- إعادة تعريف الدور الخليجي
يشير التقرير الصادر عن مجلس الشرق الأوسط للشؤون الدولية إلى أن الدول الخليجية في حالة ما لم تعيد النظر في أدوارها التقليدية في المنطقة، فإنها ستظل عرضة لصدمات الطاقة القادمة من منطقة يعتمد ازدهارها الاقتصادي على استقرارها، وبالتالي فإنّ هذا المعطى يضعنا أمام مفارقة بنيوية في الاقتصاد الخليجي؛ تتبين معالمها في كون الدول الخليجية من أحد أكثر الاقتصاديات استقرارًا في العالم، لكنها في الوقت نفسه تقع في قلب واحدة من أكثر المناطق تقلبًا على المستوى الجيوسياسي.
وهذه المفارقة ليست وليدة صدفة بل هي خيار سياسي واقتصادي، وبما أنّها كذلك يمكن أن تتحول الأدوار التقليدية لدول الخليج كلية. بمعنى آخر استبدال الرهانات الجيوسياسية والتتحلل من ربقةِ الممرات المائية المهددة مثل مضيق هرمز، وإيجاد مسارات بديلة لخطوط أنابيب عابرة للحدود، وشبكات ربط كهربائي إقليمية، وممرات لوجستية برية.
ويأتي الانتعاش الحقيقي لدورة اقتصادية متكاملة من تسريع التحول الطاقي المحلي؛ إذ كلما قلّ استهلاك النفط والغاز محليًا لإنتاج الكهرباء والتحلية، زادت قدرة دول الخليج على المناورة المالية وتوجيه الفوائض نحو صناعات المستقبل النانو تكنولوجي، والصناعات الفضائية، والاعتماد على الرقمنة الشاملة والذكاء الاصطناعي؛ ما يقلل من حساسية الميزانية العامة تجاه أخبار الجبهات العسكرية.
وهناك خطوة أخرى لتجاوز الأدوار التقليدية تكمن في تحول الخليج ذاتها من دولة تنعم بالاستقرار نحو “تصدير الاستقرار” ذاته، من خلال الاستثمار في البنى الأساسية للدول المجاورة، فعندما ترتبط مصالح القوى الإقليمية (إيران، وتركيا، والعراق) بمصالح استثمارية خليجية ضخمة، تصبح كلفة الحرب اقتصاديا أعلى من مكاسبها السياسية، وهو ما يؤدي إلى “انتعاش تلقائي” ناتج عن توازن المصالح.
3- التحول الاقتصادي والأدوار الجديدة
لكن، هل يمكن لدول الخليج أن تعيد تعريف دورها في النظام الإقليمي والدولي؟
ليست المسألة مرتبطة بخطوة اقتصادية بقدر ما هي خطوة جيوسياسية، أي مسألة تغيير قواعد اللعب؛ ما يعني أن تجاوز الأزمات الكبرى لا يتم بإعادة تشغيل الدورة الاقتصادية، بل بإعادة صياغة موقع في الاقتصاد العالمي، فالأزمات الكبرى كثيرًا ما تتحول إلى لحظة مفصلية تعيد فيها الدول ترتيب نموذجها التنموي وأدوارها الاقتصادية.
ألمانيا .. الاختيار الصعب:
بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت ألمانيا من اقتصاد مُدمر إلى إحدى أكبر القوى الصناعية في العالم فيما عُرف بـ“المعجزة الاقتصادية الألمانية“، وتشير بيانات بيانات البنك العالمي، إلى أن الناتج الصناعي الألماني ارتفع بأكثر من 250% بين عامي 1950 و1960، مدفوعًا بإعادة هيكلة الاقتصاد والاستثمار المكثف في الصناعة والتقنية، إضافة إلى تدفقات الاستثمار المرتبطة بـ مشروع مارشال (Marshall Plan) الذي ضخ نحو 13 مليار دولار في أوروبا الغربية آنذاك ما يعادل أكثر من 150 مليار دولار بالقيمة الحالية.
ولم تكن القيمة المضافة في تجربة إعادة الإعمار الألماني في ضخ الأموال فحسب، بل في إيجاد تشابك المصالح، جعل من استقرار ألمانيا ضرورة أمنية لأوروبا، وبالإسقاط على الواقع الخليجي، فإنّ التحول نحو مركز الاستقرار يعني أن استثمارات الخليج في الطاقة المتجددة والربط الكهربائي مع دول مثل العراق والأردن ومصر، تحول هذه الدول إلى حلفاء طبيعيين لاستقرار الاقتصاد الخليجي، حيث تصبح تكلفة أي اضطراب أمني في الخليج هي أزمة اقتصادية عابرة للحدود.
التجربة العمانية.. التحول الهادئ
على الضفة الأخرى، وفي منطقة الخليج ذاتها، يبرز النموذج العُماني الذي يسير بخطى ثابتة لتجاوز الدور التقليدي لدول الخليج، نحو بناء سياسة اقتصادية تسعى إلى بناء نموذج قائم على تشابك المصالح المشتركة، فالأرقام دالة بعمق عن تطور حجم الاستثمار الأجنبي المباشر الذي تجاوزَ حاجز 32.5 مليار ريال عماني (حوالي 84.4 مليار دولار)، إن هذا التدفق الرأسمالي لم يكن مجرد نمو أو مؤشرات وإحصائيات ترتفع وتعود للنزول في الأسواق المالية الاقتصادية، بل هي مؤشرات عن عمق التجربة التي تسعى إلى إعادة تموضع جيوسياسي بالمنطقة.
ومن أجل فهم هذه التحولات والمؤشرات، يكفي قراءة الميزانية السيادية للسلطنة، التي تكشف أن التوجه العماني يسير نحو مراكمة الاستثمار بهدوء، يمثل خطة سيادية بالغة الدلالة في المنطقة ككل، إذ يمثل جهاز الاستثمار العماني (OIA) الأداة التنفيذية لإستراتيجية التحوط السيادي، حيث تجاوزت أصوله الـ 22 مليار ريال عماني (57 مليار دولار)،وباعتماده نموذجًا يحاكي إستراتيجيات التعافي المؤسساتي العميقة (مثل إعادة هيكلة الاقتصاد الألماني)، ونجح الجهاز في توزيع استثماراته جغرافيًا على أكثر من 50 دولة.
ويفسر هذا التوسع/التوجه الناعم، كيف تحقق السلطنة ما يمكن تسميته بـالحصانة المالية العابرة للحدود؛ فمن خلال الاستثمار في قطاعات التقنية المتقدمة، وشركات الفضاء مثل (SpaceX)، وتقنيات أشباه الموصلات، يضمن الجهاز استمرارية التدفقات النقدية والسيولة حتى في حالات الشلل اللوجستي التي قد تفرضها الحروب الإقليمية على الممرات المائية المحلية؛ ما يجعل الانتعاش المالي عملية سيادية مستقلة لا ترتهن للجغرافيا السياسية المباشرة.
ومما يعزز هذا التوجه هو أنّ التجربة العمانية أصبحت مختبرًا عالميًا للحلول الطاقية، حيث تمضي قدما في تنفيذ اتفاقيات استثمارية تتجاوز قيمتها الإجمالية 35 مليار دولار عبر شركة “هيدروم” لإعادة رسم خريطة الطاقة المتجددة عالميا، وهو ما يضع سلطنة عُمان في قلب سلاسل التوريد الخضراء العالمية.
وتفسر لنا التجربة العمانية، أنّ التعافي الاقتصادي ليس وليد لحظة بل هو مراكمة في فك الارتباط البنيوي للميزانية العامة بتقلبات أسعار النفط الناجمة عن الأزمات الجيوسياسية؛ ذلك أن إنشاء ممرات خضراء، للشحن بالتعاون مع موانئ عالمية مثل روتردام (Rotterdam) وأمستردام (Amsterdam)، تتحول فيه السلطنة من مصدّر للوقود الأحفوري إلى شريك إستراتيجي ومزوّد رئيس، لأمن الطاقة المستدام في أوروبا وآسيا، فالارتباط الأخضر، يمنح الدولة وزنا ديبلوماسيا واقتصاديا نوعيا، حيث يصبح استقرار عُمان شرطا أساسًا لتحقيق أهداف الحياد الكربوني العالمية.
وتتجلى أهمية النموذج العماني في تحويل الحدود من مناطق تماس أمني إلى منصات انتعاش اقتصادي مشترك. ومن خلال المناطق الاقتصادية والحرة (مثل الدقم، وصحار، وصلالة، والمنطقة الاقتصادية بالظاهرة)، استطاعت معها عُمان جذب استثمارات إقليمية ضخمة؛ إذ تشير أحداث المؤشرات (2026) إلى أن الاستثمارات الخليجية البينية في هذه المناطق قد نمت بنسبة %15سنوياً.
لقد تُرجمت هذه الرؤية إستراتيجيا عبر مشروعات بنيوية عابرة للحدود، وفي مقدمتها مشروع الربط السككي مع دولة الإمارات العربية المتحدة، والمنطقة الاقتصادية المشتركة مع السعودية، وهي خطوات تؤشر بوضوح على انتقال التجربة العُمانية نحو تصدير الاستقرار الاقليمي؛ فعندما ترتبط اقتصاديات دول الجوار عضويا بالموانئ واللوجستيات العمانية، يصبح خيار الحرب مكلفا للجميع× وبذلك، تنجح عُمان في إيجاد نموذج الأمن المشترك عبر الازدهار المتبادل، وهو ما يمثل النسخة الخليجية من تكامل المصالح الذي منع اندلاع الحروب في أوروبا ما بعد عام 1945.
وتكشف التجارب الماضية أن التحول الاقتصادي الحقيقي لا يحدث فقط بفضل توفر الموارد المالية، بل نتيجة إعادة تعريف الدور الاقتصادي للدولة داخل النظام الإقليمي والدولي، وبالنسبة لدول الخليج، قد يعني ذلك الانتقال من موقع مصدّر الطاقة إلى مركز الاستقرار الاقتصادي واللوجستي في منطقة الشرق الأوسط.
خاتمة
تكمن المراهنة التاريخية اليوم في قدرة دول الخليج على الانتقال من دور الممول إلى دور المحرك، فالانتعاش الاقتصادي الخليجي سيتحقق لحظةَ تحوله إلى عصب حيوي لا يمكن للنظام الدولي المقامرة باستقراره، ليصبح السلام في المنطقة ليس مجرد خيار دبلوماسي، بل ضرورة اقتصادية كونية تفرضها لغة الأرقام والمصالح المتبادلة.
كما أن أداء الأدور الجديدة يعني إعادة صياغة لـعقد الاستقرار الإقليم؛ حيث تتحول دول الخليج من دور مخزن الطاقة إلى مختبر الحلول وإنتاج دبلوماسية السلام، ومن جغرافيا هشة أمام الممرات المائية إلى فضاء سيادي يقود التحول الرقمي والطاقي العالمي، وبذلك، تصبح الأزمة هي المختبر التاريخي الذي تخرج منه دول الخليج بنموذج تنموي قوي وصلب في بنيانه، نموذج يؤكد أن القوة في القرن الحادي والعشرين لا تُقاس بوفرة الموارد فحسب، بل بالقدرة على تحويل حتمية الأزمة إلى صناعة المستقبل.

شارك هذا الخبر