أثير- د. محمد بن حمد العريمي
أدلى السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – بحديثٍ صحفي إلى الأستاذ فاروق البربير رئيس تحرير جريدة “السياسة” اللبنانية الأسبوعية بالسيب في تمام الساعة الثانية عشرة والنصف من صباح يوم الثلاثاء 11 يناير ونشرته جريدة (عمان) في 26 يناير 1974م، وتناول الحديث جملةً من القضايا والموضوعات السياسية والفكرية المرتبطة بالشأن العُماني والعربي في تلك المرحلة المفصلية من تاريخ البلاد.
وقد استهلّ الصحفي حديثه بوصفٍ إنساني مباشر لشخصية جلالة السلطان، إذ قال عنه:" شابٌ عربيّ أسمر اللون يعتمر عمامة جميلة اللــون“، في إشارةٍ لافتة إلى بساطة المظهر ووضوح السمات العربية التي عكست شخصية القائد الشاب آنذاك.
كما أشار الصحفي إلى أحد المواقف العابرة خلال اللقاء، حيث ذكر أن جلالته – طيّب الله ثراه – تضايق من كثرة التقاط الصور أثناء الحديث، فأومأ بيده إلى المصوّر طالبًا منه الخروج، في مشهدٍ يعكس حرصه على الجدية والتركيز في الحوار، وابتعاده عن المظاهر الإعلامية الزائدة.
السلطان يقطع صمت البدايات
أشار الصحفي فاروق البربير إلى أن السلطان قابوس بن سعيد قطع صمت البدايات الذي خيّم على اللقاء لبضع ثوانٍ، قبل أن يبادر جلالته بالسؤال بلطف: “هل هذه هي المرة الأولى التي تزور فيها عُمان؟”. وعندما أجابه الصحفي بأنها زيارته الأولى، علّق جلالته مبتسمًا: “نرجو أن تتكرر في المستقبل”.
وتعكس هذه المبادرة العفوية بساطة السلطان قابوس وقربه الإنساني. كما تكشف عن حرصه المبكر على تعزيز جسور التواصل مع الإعلام العربي، وإيصال رسالة ضمنية مفادها أن عُمان كانت – وما تزال – بلدًا مفتوحًا للزيارة والمعرفة والتعارف، في لحظة تاريخية كانت فيها تخطو بثبات نحو الحضور العربي والدولي.
فحوى المقابلة
تناولت المقابلة، التي استغرقت أكثر من ساعة ونصف، عددًا من القضايا والموضوعات الجوهرية، واستُهلّت بالحديث عن أحلام المستقبل، ومدى رضا السلطان عمّا تحقق خلال السنوات الأربع الأولى من عمر النهضة، وفي هذا السياق، قال السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه –: " عندما نبدأ ببناء بلد كما بدأنا هنا في عُمان، لا بد من وجود طموح. إن العزلة التي كان يعيشها الشعب هنا كانت قاسية ومريرة… إنني أطمح لتحقيق الكثير“، ويكشف هذا التصريح بوضوح عن إدراك عميق لحجم التحديات المتراكمة، وعن وعيٍ مبكر بأن ما تحقق، على أهميته، لا يُعد سوى بداية لمسار طويل من البناء.

وفي موضعٍ آخر من الحديث، أكّد السلطان أن الرضا المطلق ليس هدفًا بحد ذاته، فقال: " ولذلك مهما فعلت ومهما حققت فلن أكون راضيًا، ولكنني مرتاح“، وهي عبارة ذات دلالة عميقة، تعكس فلسفة قيادية قائمة على الطموح الدائم، والمراجعة المستمرة، وعدم الاكتفاء بما أُنجز، مع شعور بالاطمئنان إلى سلامة الاتجاه العام.
كما شدّد جلالته على معيارٍ أساسي في تقييم التجربة العُمانية، مؤكدًا أن الحكم الحقيقي لا يُقاس بانطباعات الخارج بقدر ما يُقاس بصحة المسار الداخلي، إذ قال: " ليس المهم ما يقوله العالم عنا، ولكن المهم أننا سائرون على الطريق الصحيح والسليم“.
وأوضح السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – أن معيار نجاح أي مشروع نهضوي لا يكتمل إلا إذا شعر المواطن بثماره ولمس أثره في حياته اليومية، مشيرًا إلى أن المواطن في عُمان قد بدأ بالفعل يشعر بالتقدم ويلمس نتائج المشروعات التي نُفّذت، الأمر الذي ولّد شعورًا عامًا بالارتياح والثقة في مسار التغيير.
وأكد السلطان في هذا السياق أن: “نجاحنا متوقف على مساهمة أكبر عدد ممكن من المواطنين في عملية التغيير”.
أبواب عمان مفتوحة للجميع
في بعدٍ آخر من أبعاد النهضة، أشار السلطان إلى إعلانه المبكر أن أبواب عُمان مفتوحة للجميع دون استثناء، وهو إعلان لم يبقَ في إطار الخطاب، بل تُرجم إلى واقع عملي؛ إذ عاد المئات من المواطنين الذين كانوا في الخارج، وشرعوا في الانخراط في مسيرة البناء، وأسهموا إسهامًا بارزًا في دفع عجلة النهضة كلٌّ في مجاله.
أهمية التعليم
كما أكّد السلطان تركيزه الخاص على قطاع التعليم، باعتباره الركيزة الأساسية لأي مشروع وطني طويل المدى، فقال: " إننا نركز بشكل خاص على التعليم، وهذه ظاهرة أصبحت ملموسة هنا؛ فبدون ثقافة، وبالتالي بدون وعي وطني، لا نستطيع أن نحقق شيئًا“.
وأشار فاروق البربير إلى أنه عندما سأل السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – عن الوسيلة الكفيلة بوضع حدٍّ للنزاع القائم آنذاك بين أبناء الوطن الواحد، والذي كان يستنزف قسمًا كبيرًا من موارد السلطنة، أوضح جلالته أن رؤيته تقوم على مبدأ شامل ومفتوح، قائلًا: “أن نكون على حسن جوار مع الجميع دون استثناء، بابنا مفتوح للجميع… ونؤمن بأسلوب الإقناع”.
وتعكس هذه العبارة توجّهًا واضحًا نحو المعالجة السلمية للنزاعات الداخلية، وتقديم الحوار والتفاهم على الحلول القسرية، في مرحلة كانت الدولة فيها بأمسّ الحاجة إلى ترسيخ الوحدة الوطنية والاستقرار.
أهم المبادئ
وفي سياقٍ متصل، وعند سؤاله عن المبادئ التي يرتكز عليها في الحكم، أكّد جلالته – طيّب الله ثراه – أن التعليم، والثقافة، والوعي تمثّل حجر الأساس لأي تجربة حكم ناجحة، موضحًا أن المهمة الأولى تتمثل في بناء المدارس، وتثقيف المواطنين، وفتح النوافذ أمام الحضارة.
وأضاف السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – مؤكدًا أن العدالة الاجتماعية تمثّل أحد المرتكزات الأساسية في توجهه للحكم، فقال: " نحن نتمسك بالعدالة الاجتماعية كطريق لنا، وإذا أردت أن تقول اشتراكية عربية أو إسلامية فليكن… ونحن نسعى إلى المشاركة الحقيقية لجميع العُمانيين دون استثناء“.
وتعكس هذه العبارة رؤية مرنة وغير أيديولوجية جامدة، تقوم على جوهر العدالة والمشاركة أكثر من التمسك بالمصطلحات، مع تأكيد واضح على إشراك مختلف فئات المجتمع في عملية البناء الوطني.
اهتمام بالزراعة
كما أشار جلالته إلى اهتمامه بالزراعة بوصفها قطاعًا إستراتيجيًا، على الرغم من وجود النفط، موضحًا أنه جرى توزيع مساحات شاسعة من الأراضي على المواطنين، في إطار دعم الاستقرار المعيشي وتعزيز الإنتاج المحلي، وعدم الارتهان الكامل لمورد واحد.
الجيش ودوره في حماية الوطن
وفي الوقت ذاته، بيّن السلطان حرصه على رفع مستوى التدريب والقوة القتالية للجيش العُماني، والسعي إلى إدخال المزيد من العُمانيين إلى صفوفه، بما يضمن بناء مؤسسة وطنية قادرة على حماية البلاد وترسيخ سيادتها، وبما ينسجم مع مشروع بناء الدولة الحديثة.
النفط.. ثروة مهمة
وتناول الحوار كذلك الدور الذي لعبه النفط في عُمان، حيث أكّد السلطان أن النفط أسهم بدورٍ محوري في تمويل مشروعات التنمية، وكان المورد الأساسي لانطلاقتها، غير أنه أشار في المقابل إلى وجود تحديات حقيقية، من أبرزها الحاجة إلى إيجاد جهاز بشري عُماني قادر على استيعاب هذه الثروة الجديدة وإدارتها بكفاءة.
سياسة خارجية متوازنة
وحول علاقات حسن الجوار، أكّد السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – أن هذا المبدأ يُعد ركيزة ثابتة في توجهات السياسة العُمانية، فقال: " نسعى باستمرار إلى إقامة علاقات حسن جوار مع الجميع دون استثناء. نحن ضد الأحلاف أو التكتلات مهما كان نوعها، ولكننا لسنا ضد المساعدات؛ إن معظم دول العالم تتلقى مساعدات مختلفة“.
ويُبرز هذا التصريح موقفًا واضحًا يقوم على الاستقلالية السياسية ورفض الانخراط في المحاور، مع الإقرار بشرعية الاستفادة من المساعدات الدولية في إطار يخدم التنمية الوطنية ولا ينتقص من السيادة.
وأضاف جلالته موضحًا طبيعة العلاقات العربية لعُمان في تلك المرحلة، بقوله: “علاقتنا بجميع الدول العربية حسنة، ما عدا الدول التي تساعد الثوار”.
وفي هذا السياق، شدّد جلالته على تطلّع عُمان إلى تعزيز قوتها الداخلية وترسيخ التضامن العربي، مؤكدًا أن الانفتاح العربي والدولي كان خيارًا استراتيجيًا واعيًا، فقال: " بالطبع نحن نسعى لمزيد من القوة ولمزيد من التضامن العربي. لقد دخلنا الجامعة العربية، وأصبحنا عضوًا في هيئة الأمم، وليس من شك بأن عُمان بساحلها وداخلها دولة واحدة“.
بعد استشرافي
وفي بعدٍ استشرافي لافت، تنبّأ جلالة السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – بإمكانية قيام إطارٍ تكاملي يجمع دول الخليج العربي، حين قال: " سنسعى إلى المزيد من التضامن والاتحاد بيننا وبين إخواننا العرب على ساحل الخليج، لأننا نعتبر أنفسنا وحدةً كاملة… المستقبل كفيل بوضع اللمسات الأخيرة لأي نوع من الوحدة والاتحاد“.
وتكتسب هذه العبارة أهمية استثنائية إذا ما قُرئت في سياقها الزمني في عام 1974م؛ إذ سبقت قيام مجلس التعاون لدول الخليج العربية بسبع سنوات (1981م)، وتعكس وعيًا مبكرًا بضرورة التكامل الخليجي لمواجهة التحديات المشتركة، وإدراكًا لأهمية الهوية الجغرافية والسياسية الواحدة لدول ساحل الخليج.
أبرز محاور الحوار مع جريدة “السياسة” اللبنانية:
تعكس المقابلة الصحفية التي أدلى بها السلطان قابوس بن سعيد بن تيمور – طيّب الله ثراه – في عام 1974م رؤية فكرية وسياسية متكاملة لبدايات النهضة العُمانية، حيث أكّد أن الطموح الدائم هو أساس بناء الدول، وأن الرضا الحقيقي لا يكون بما تحقق بقدر ما يكون بالاطمئنان إلى سلامة المسار، مشددًا على أن نجاح النهضة يُقاس بمدى إحساس المواطن بالتقدم ولمسه لآثاره، وأن المشاركة الواسعة للمواطنين، والتعليم والثقافة والوعي الوطني، تمثّل حجر الأساس لأي تغيير حقيقي، كما أوضح أن معالجة النزاعات تقوم على الحوار والإقناع لا القوة، وأن العدالة الاجتماعية والمشاركة الشاملة نهج عملي للحكم.
وفي الجانب الاقتصادي دعا إلى عدم الارتهان للنفط وحده مع الاهتمام بالزراعة وبناء الكفاءات الوطنية القادرة على إدارة الثروة، إلى جانب تطوير القوات المسلحة، بينما أكّد في السياسة الخارجية مبدأ حسن الجوار، ورفض الأحلاف والتكتلات، والانفتاح المتوازن على العالم، والانتماء العربي لعُمان ووحدة أرضها، واختتم برؤية استشرافية دعت إلى التضامن والاتحاد بين دول الخليج، في طرحٍ سبق قيام مجلس التعاون الخليجي بسنوات، مما يجعل هذه المقابلة وثيقة مبكرة كاشفة لملامح فكر النهضة العُمانية ومساراتها الكبرى.
أهمية الحوار:
يُعد الحوار مرجعًا لفهم رؤية السلطان قابوس في تلك الفترة المبكرة من النهضة العمانية. كما عكس رؤيته الحكيمة للعمل المتدرج، والتركيز على بناء القدرات الداخلية قبل الانفتاح الكامل، مع الالتزام بالقضايا العربية، وأظهر التزامه بمبادئ العدالة وحقوق الشعب والتوجه نحو بناء دولة حديثة قوية، ويعد هذا الحوار من أوائل الحوارات التي قدّمت السلطان قابوس إلى القارئ العربي بوصفه قائد دولة ناهضة، كما يُعد مصدرًا مهمًا للباحثين في تاريخ الخطاب السياسي العُماني في السبعينيات.
الصحفي فاروق البربير
يعد فاروق البربير أحد الصحفيين والكتّاب اللبنانيين البارزين، شغل منصب رئيس تحرير جريدة “السياسة” اللبنانية الأسبوعية. كما كان رفيقًا للرئيس الراحل عبد الله اليافي في تحريرها، وأدّت الصحيفة دورًا تاريخيًا في الحياة السياسية اللبنانية.
وبالإضافة لعمله الصحفي، شغل البربير منصب وزير التعليم المهني والتقني في لبنان. كما أصدر مجلة شهرية علمية جامعة تحمل اسم “تاريخ العرب والعالم” ورأس تحريرها، وقد أجرى البربير مقابلات صحفية مهمة، وتوفي الصحفي والكاتب والوزير فاروق البربير في سبتمبر 2021م.

المراجع
- العريمي، محمد بن حمد. 4 حوارات صحفية للسلطان قابوس في شهر يناير، منصة أثير ، 27 يناير 2020.
- جريدة عمان. عدد 26 يناير 1974





