فتوى تحسم الجدل: من يدير الدائرة عند الغياب؛ المدير المساعد أم “التكليف”؟

فتوى تحسم الجدل: من يدير الدائرة عند الغياب؛ المدير المساعد أم “التكليف”؟
فتوى تحسم الجدل
رصد - أثير
في إطار تنظيم المشرّع العُماني للوظيفة العامة، وما يرتبط بها من ضمانات لاستمرارية العمل الإداري وحسن سير المرافق العامة بانتظام، يبرز التساؤل حول حدود مشروعية تكليف بعض شاغلي الوظائف التنفيذية أو الإشرافية الدنيا بمهام وظائف إشرافية أعلى، في ظل وجود بدائل تنظيمية مقررة قانونًا، وعلى وجه الخصوص عند وجود شاغل وظيفة مدير مساعد داخل الوحدة الإدارية.
فهل يجوز قانونًا تجاوز آليات شغل الوظيفة العامة المقررة في القانون، وإسناد مهام مدير دائرة إلى شاغلي وظائف باحث أو أخصائي أو رئيس قسم، رغم وجود مدير مساعد على رأس العمل؟
”أثير“ اطلعت على الفتوى القانونية الرسمية رقم (232789640)، الصادرة عن وزارة العدل والشؤون القانونية في شأن تنظيم طرق شغل الوظيفة العامة، وتحديد الإطار القانوني لآليات الندب والحلول والتكليف، ومدى جواز تجاوز التدرج القانوني في هذه الآليات عند شغل الوظائف الإشرافية بصفة مؤقتة.
ما طرق شغل الوظيفة العامة وفق المشرّع؟
حدّد المشرّع العُماني طرق شغل الوظيفة العامة في أربع وسائل حصرية هي: التعيين، الترقية، النقل، والندب، مع تنظيم دقيق لآليات العمل المؤقت بما يضمن عدم تعطيل المرافق العامة.
وقد أجاز المشرّع الندب بصفة مؤقتة لشغل وظيفة أخرى من ذات درجة الموظف أو أعلى مباشرة، بشرط توافر مصلحة العمل في الوظيفة الأصلية.
كما قرر كأصل عام حظر الجمع بين وظيفتين في الجهاز الإداري للدولة، مع إجازة استثنائية للجمع في حالات محددة تقتضيها المصلحة العامة، وبشروط صارمة أهمها أن يكون التكليف مؤقتًا وألا يخل بالوظيفة الأصلية، وبمكافأة لا تتجاوز (٥٠٪) من الراتب الأساسي.
كيف عالج القانون حالات شغل الوظائف عند الشغور أو الغياب؟
أخذ المشرّع العُماني بنظام يقوم على ضمان استمرار العمل دون انقطاع، من خلال 3 آليات رئيسية:
* الحلول: وهو واجب على جهة الإدارة.
* الندب: وهو جوازي وأصيل لشغل الوظيفة مؤقتًا.
* التكليف: وهو جوازي واستثنائي.
ويقوم هذا النظام على مبدأ أساسي مفاده أن شغل الوظيفة العامة المؤقت يجب أن يتم وفق تدرج قانوني ملزم يبدأ بالحلول، ثم الندب، ثم التكليف، ولا يجوز تجاوز هذا التسلسل إلا عند انتفاء مقتضى الآلية السابقة.
ما طبيعة الإشكال القانوني محل الفتوى؟
تتلخص وقائع الموضوع في طلب الإفادة حول مدى جواز تكليف شاغلي وظائف باحث/أخصائي أو رؤساء أقسام بالقيام بمهام وظيفة مدير دائرة، في ظل وجود مدير مساعد قائم على رأس العمل.
وقد انبنى الرأي محل التساؤل على أن شغل المدير المساعد للمنصب يفترض أن تكون الوظيفة شاغرة، وأن تكليف موظف آخر بمهامها قد ينفي صفة الشغور، ومن ثم يمنع إسنادها للمدير المساعد.
في المقابل، رأت بعض الجهات أن التكليف قد يُنهِي وصف الشغور، بما يتيح إعادة شغل المنصب بأداة تكليف جديدة وفقًا للائحة التنفيذية.
ماذا قررت النصوص القانونية المنظمة؟
استندت الفتوى إلى مجموعة من النصوص القانونية، أبرزها:
* تعريف الوظيفة بأنها مجموعة من الواجبات والمسؤوليات المحددة نظامًا.
* أن شغل الوظائف يتم عبر التعيين أو الترقية أو النقل أو الندب.
* إجازة الندب وفق شروط محددة تتعلق بدرجة الوظيفة واحتياجات العمل.
* حظر الجمع بين وظيفتين إلا وفق ضوابط المصلحة العامة.
* تنظيم آلية التكليف بقرار إداري مؤقت لا يخل بالوظيفة الأصلية.
* إلزام جهة الإدارة بوضع نظام للحلول عند الغياب أو المانع.
ما الأساس الذي اعتمدت عليه الفتوى في التكييف القانوني؟
أكدت الفتوى أن النظام الوظيفي في سلطنة عُمان يقوم على النظام الموضوعي لترتيب الوظائف، حيث يكون محور التنظيم هو الوظيفة ذاتها وليس شاغلها.
وبناءً عليه، فإن المشرّع وضع آليات محددة لضمان عدم شغور الوظيفة، مع ترتيب إلزامي لهذه الآليات:
* الحلول (وجوبي)
* الندب (جوازي وأصيل)
* التكليف (جوازي واستثنائي)
وأوضحت الفتوى أن تجاوز هذا الترتيب يُعد مخالفة قانونية، لأنه يؤدي إلى الإخلال ببنية النظام الوظيفي القائم على التدرج والاختصاص.
لماذا يُعد تكليف الوظائف الأدنى بمهام مدير دائرة مخالفًا للقانون؟
خلصت الفتوى إلى أن إسناد مهام مدير دائرة إلى باحث أو أخصائي أو رئيس قسم، في ظل وجود مدير مساعد، يؤدي إلى عدة إشكالات قانونية، أبرزها:
* تولي وظائف تنفيذية أو إشرافية أدنى لمهام إشرافية أعلى.
* الإخلال بالترتيب الوظيفي في النظام الإداري للدولة.
* تجاوز آلية الحلول الواجبة قانونًا.
* إفراغ دور المدير المساعد من مضمونه الوظيفي.
كما أكدت أن وظيفة مدير دائرة ومدير مساعد تنتميان إلى ذات الفئة الإشرافية، ما يجعل الحلول بينهما جائزًا قانونًا، بخلاف إسناد المهام إلى وظائف تنفيذية أدنى لا تتناسب مع طبيعة الوظيفة.
هل يمكن للمدير المساعد شغل المنصب بدلًا من غيره؟
أوضحت الفتوى أن المدير المساعد هو الأقرب قانونًا لتولي مهام مدير الدائرة عند غيابه أو وجود مانع، وفق نظام الحلول الذي يجب على جهة الإدارة تنظيمه وتفعيله.
أما اللجوء إلى التكليف بغيره رغم وجود المدير المساعد، فإنه يُعد خروجًا عن القواعد القانونية المنظمة.
خلاصة الفتوى
تكليف شاغلي وظائف باحث/أخصائي أو رؤساء أقسام بمهام وظيفة مدير دائرة في ظل وجود مدير مساعد على رأس العمل، يُعد غير قانوني، لمخالفته ترتيب آليات شغل الوظيفة العامة، واصطدامه بالنظام الموضوعي لتصنيف وترتيب الوظائف.
وأكدت أن الواجب قانونًا هو تفعيل نظام الحلول بحيث يحل المدير المساعد محل مدير الدائرة عند غيابه أو وجود مانع، وفقًا للقرارات التنظيمية الواجب إصدارها من جهة الإدارة.
يُذكر أن قانون الوظيفة العامة نُوقش في جلسة مناقشة بيان وزارة العمل في يناير من العام الجاري، ضمن موضوعات عدة، ومرئيات الوزارة في الأثر الإيجابي المؤمل على تطوير بيئات العمل في القطاع العام ومجالات تمكين الموارد البشرية العاملة بوحدات الجهاز الإداري للدولة.

شارك هذا الخبر