أثير- د. محمد بن حمد العريمي
في مطلع عشرينيات القرن الماضي، وبينما كانت سلطنة عُمان ما تزال بعيدة عن مسارات السياحة العالمية ووسائل النقل الحديثة، وصل إلى مسقط رحّالة ياباني يُدعى جيوكو شيغا، في زيارة تُعد من الزيارات الآسيوية القليلة الموثّقة لعُمان في تلك الفترة، وقد دوّن شيغا مشاهداته وانطباعاته عن البلاد وأهلها، تاركًا شهادة تاريخية نادرة عن عُمان في عهد السلطان تيمور بن فيصل.
بطاقة يابانية تفتح أبواب القصر السلطاني
تكشف مذكرات شيغا شيجيتاكا عن مقدار الحماسة التي كانت تعتمل في نفسه خلال زيارته لمسقط؛ فبعد الموقف الطريف الذي وجد نفسه فيه وسط موكب الزفاف، والذي انتهى بقيامه بإنشاد النشيد الوطني الياباني “كيميغايو”، واصل طريقه نحو القصر السلطاني أملاً في تحقيق الهدف الأهم من رحلته، وهو لقاء السلطان تيمور بن فيصل.
ويصف شيغا القصر السلطاني بأنه مبنى مكوّن من ثلاثة طوابق شُيّد بمحاذاة البحر، بحيث تبدو أمواجه جزءًا من المشهد المحيط به. وعندما وصل إلى البوابة، استوقفه أحد الحراس وسأله عن هويته، فما كان منه إلا أن قدّم بطاقة تعريفه المكتوبة باللغة اليابانية.

ويذكر أن الحارس أخذ البطاقة ودخل بها إلى القصر، ثم خرج بعد قليل رجل يرتدي أحذية غربية ويتحدث الإنجليزية بصعوبة، وقد تبيّن لاحقًا أنه أحد كبار تجار بلوشستان المقيمين في مسقط، وكان على صلة بالقصر السلطاني.
شرح شيغا للرجل سبب زيارته قائلاً: " لقد جئت من اليابان البعيدة عن عُمان، وأرغب في نيل شرف مقابلة السلطان لبحث سبل تعزيز الصداقة بين البلدين، ولأنقل إلى أبناء بلادي صورة حقيقية عن السلطان وعُمان"، ولم تمض سوى دقائق قليلة حتى عاد الرجل حاملًا بشرى قبول الطلب، وأخبره بأن السلطان وافق على استقباله.
ويستوقفنا في هذه الرواية جانب مهم من العادات الاجتماعية السائدة في عُمان آنذاك؛ إذ لاحظ الرحالة الياباني أن جميع الموجودين داخل القصر كانوا حفاة الأقدام، بمن فيهم التاجر الذي كان جالسًا على الأرض، وقد أُبلغ بأن من التقاليد العربية المتبعة عدم ارتداء الأحذية عند مقابلة كبار السن وأصحاب المقام الرفيع.
ولما همّ شيغا بخلع حذائه احترامًا لهذه العادة، أسرع التاجر إليه قائلًا إن بإمكانه الدخول بحذائه باعتباره ضيفًا أجنبيًا، إلا أن الرحالة الياباني أصر على خلعه قبل الدخول، تعبيرًا عن احترامه للتقاليد المحلية وحرصه على الالتزام بالأعراف السائدة في المجتمع العُماني.
وتُظهر هذه الحادثة جانبًا من الاحترام المتبادل الذي طبع اللقاء منذ لحظاته الأولى؛ فبينما بادر القصر السلطاني إلى الترحيب بضيف جاء من أقصى شرق آسيا دون موعد مسبق، حرص الضيف بدوره على إظهار تقديره لعادات البلد وأهله، في مشهد يجسد واحدة من أقدم صور التواصل الإنساني والثقافي بين عُمان واليابان في العصر الحديث.
في حضرة السلطان
يصف شيغا في مذكراته تفاصيل لقائه بالسلطان تيمور بن فيصل حيث يذكر: “عندما دخلتُ الغرفة، كان يجلس بهدوء على أريكة رجلٌ أنيق في نحو الأربعين من عمره، بدا لي شبيهًا بالفيلسوف والإستراتيجي الصيني الشهير تشوغه ليانغ (181-234م)، كان يجلس في زاوية بعيدة من الغرفة بالقرب من شرفة تُطل على البحر. وقد بدا لون بشرته أكثر بياضًا من معظم العرب الذين رأيتهم، وكان يحتفظ بشاربٍ مهذّب، ويضع على رأسه عمامة بيضاء ناصعة من الحرير الكشميري.
وفي تلك اللحظة همس أحد الحاضرين بصوت خافت: “جلالة السلطان”، فعلمت أن هذا الرجل هو سلطان عُمان، وتملكني شيء من الحيرة؛ إذ لم أكن أدري هل أخاطبه بعبارة “صاحب السمو” أم “صاحب الجلالة”، فقد كنت أعلم أن الحكومة البريطانية أقرت للسلطان تحيةً رسمية بإطلاق إحدى وعشرين طلقة مدفع، كما هو معمول به مع الحكام ذوي السيادة، بينما جرت العادة في المخاطبات الرسمية على استخدام لقب “صاحب السمو”.

وبعد ترددٍ قصير، اخترت أن أخاطبه بعبارة “صاحب الجلالة” باعتبارها الأقرب إلى ما رأيته من مكانة وهيبة، وما إن وقفت لأؤدي التحية حتى أشار إليّ السلطان مبتسمًا ابتسامة لطيفة، وقال: “تفضل بالجلوس”، فجلستُ إلى جواره."
وخلال اللقاء دار حوار لافت بين السلطان تيمور بن فيصل والرحالة الياباني شيغا شيجيتاكا، يكشف عن نظرة السلطان المبكرة لأهمية التعاون الآسيوي والعلاقات مع اليابان.
فقد رحب السلطان بضيفه قائلاً: “أهلًا وسهلًا بك في عُمان. أليست الجزيرة العربية واليابان جزءًا من آسيا؟ الأوروبيون يتولون شؤون أوروبا، أما نحن فعلينا أن نهتم بشؤوننا الآسيوية بأنفسنا. لماذا لا يأتي اليابانيون إلى الجزيرة العربية في أقرب فرصة؟ فإذا تمكنتم من تعزيز الصداقة بيننا، وأسهمتم في تنشيط التجارة وتطوير الصناعة هنا، فإن شعبينا قادران على تحقيق إنجازات كبيرة”.
وقد أبدى شيغا إعجابه بهذا الطرح، وردّ على السلطان قائلًا إن هذه الأفكار هي ذاتها التي كان يتمنى نقلها إلى العرب باسم اليابان، متعهدًا بإيصال رغبات السلطان وتطلعاته إلى أبناء بلاده.
ولم يقتصر الحديث على التجارة والعلاقات الاقتصادية، بل امتد إلى الجوانب الثقافية والتاريخية؛ إذ طلب السلطان من ضيفه أن يرسل إليه ما سيكتبه عن عُمان بعد عودته إلى اليابان. كما أبدى استعداده لتزويده بالصور والمواد المرجعية إذا ما قرر الكتابة عن تاريخ العرب.
وقد تأثر الرحالة الياباني بما لقيه من حفاوة وتقدير، فعبّر عن امتنانه للسلطان قائلًا إن مجرد حصوله على هذا اللقاء يفوق ما كان يحلم به قبل وصوله إلى مسقط، ثم قدّم له هدية متواضعة تمثلت في مروحة حريرية يابانية كان قد حصل عليها خلال رحلته، فقبلها السلطان مبتسمًا وقال: “بلادنا حارة، والمروحة وسيلة للتبريد، ولذلك يسعدني أن أقبلها”.
واستغل شيغا المناسبة ليطلب من السلطان توقيعًا تذكاريًا، فلبّى السلطان طلبه بنفسه، وأحضر ورقة سميكة تحمل ختمه الذهبي، ثم دوّن عليها عبارة تفيد بأن شيغا زار مسقط يوم 28 فبراير 1924م الموافق لشهر رجب سنة 1342هـ، ووقّعها باسمه: “تيمور”.
وعند انتهاء اللقاء، أذن السلطان لضيفه بالتجول في أرجاء القصر وما حوله، وعرض عليه توفير من يرافقه في جولته، وعندما طلب شيغا زيارة الحديقة، أخبره السلطان بأنها الحديقة التي كان يعتني بها والده السلطان الراحل، وأنها لم تحظَ مؤخرًا بالعناية الكافية، لكنه مرحب به لزيارتها متى شاء.
وقد رافق الحراس الرحالة الياباني في جولة داخل الحديقة التي وصفها بأنها صغيرة المساحة، لكنها تضم أشجارًا خضراء غنّاء ونافورة مياه وسط بيئة صحراوية قاحلة، ويذكر أن مشهد المياه المتدفقة وسط الصحراء ترك أثرًا بالغًا في نفسه، حتى دفعه إلى نظم قصيدة استلهمها من تلك اللحظة.
وتكشف هذه الشهادة عن جانب مهم من شخصية السلطان تيمور بن فيصل؛ إذ يظهر من حديثه إدراك مبكر لأهمية التعاون الاقتصادي بين شعوب آسيا، ورغبته في الاستفادة من التجربة اليابانية الصاعدة آنذاك. كما تعكس روح الانفتاح الثقافي التي اتسم بها اللقاء، وتُعد من أقدم النصوص التي تشير إلى تطلع عُماني نحو بناء جسور تعاون مع اليابان قبل عقود طويلة من قيام العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين البلدين.
عندما اكتشف أن قصص عُمان لم تكن صحيحة
يبدو أن شيغا شيجيتاكا وصل إلى عُمان وهو يحمل في ذهنه صورةً تشكلت من روايات الرحالة والمؤرخين القدامى، وبعضها لم يخلُ من المبالغة والغرابة، ومن بين أكثر الروايات التي أثرت في تصوراته وصفٌ منسوب إلى الرحالة الفارسي كمال الدين عبد الرزاق السمرقندي في القرن الخامس عشر، صوّر فيه حرارة عُمان بصورة تكاد تلامس الخيال.
فقد ذكر عبد الرزاق أن حرارة البلاد تبلغ حدًا يجعل الشمس “تحرق نخاع العظام”، وأن السيوف تذوب داخل أغمادها كالشمع، وأن الأحجار الكريمة المثبتة في مقابض الخناجر تتحول إلى رماد، بل وأضاف أن الغزلان تُشوى فوق السهول بفعل حرارة الشمس وحدها.

وبالرغم من الطابع المبالغ فيه لهذه الرواية، يبدو أنها تركت أثرًا واضحًا في نفس الرحالة الياباني، وربما كان ذلك نتيجة قلة المعلومات المتاحة عن الجزيرة العربية في اليابان آنذاك، أو بسبب المكانة التي حظيت بها كتابات الرحالة القدامى في الأدبيات الجغرافية.
ولذلك اتخذ شيغا احتياطات استثنائية قبل وصوله إلى مسقط؛ فأنفق أموالًا على ملابس خاصة للوقاية من الحرارة، واشترى قبعة ونظارات ومعدات ظن أنها ستكون ضرورية للبقاء في هذا المناخ الذي تخيله شديد القسوة.
غير أن المفاجأة الكبرى كانت في انتظاره عند وصوله إلى عُمان في فبراير 1924م، فبدلًا من الحرّ اللاهب الذي رسمته الروايات القديمة، وجد طقسًا معتدلًا ومريحًا على نحو فاق توقعاته، وقد سجّل ذلك بدهشة واضحة، معترفًا بأن الأموال التي أنفقها على الملابس الواقية والقبعات والنظارات ذهبت هباءً، لأنها لم تكن ضرورية على الإطلاق في الأجواء التي وجدها في مسقط.
وتكشف هذه الحادثة عن الفجوة الكبيرة بين الصورة التي رسمتها بعض الكتابات القديمة عن عُمان والواقع الذي واجهه الزائر الياباني بنفسه. كما تُظهر كيف أسهمت رحلة شيغا في تصحيح عدد من المفاهيم الخاطئة التي كانت رائجة خارج المنطقة، مقدمةً للقارئ الياباني وصفًا أكثر واقعية وموضوعية عن البلاد وأهلها.
من مسقط إلى طوكيو.. رحلة انتهت بكتاب
بعد مغادرته عُمان، واصل شيغا شيجيتاكا رحلته عبر الخليج العربي والشرق الأوسط، فزار البحرين وجنوب إيران والكويت وبغداد، ثم عبر البادية السورية إلى دمشق وبيروت وعمّان، ومنها إلى قبرص، قبل أن يواصل رحلته عبر أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية عائدًا إلى اليابان في يوليو 1924م.
إلا أن عُمان ظلت واحدة من أبرز المحطات التي تركت أثرًا واضحًا في ذاكرته، فقد أوفى بالوعد الذي قطعه للسلطان تيمور بن فيصل أثناء لقائهما في مسقط، ودوّن مشاهداته وانطباعاته عن السلطنة في كتابه الشهير “بلدان غير معروفة لليابان” الذي صدر في عام 1926م، وجعل من زيارته لعُمان أحد فصوله المهمة.
وبفضل تلك الصفحات، أصبحت رحلة شيغا من أقدم الشهادات اليابانية المفصلة عن عُمان في العصر الحديث، إذ حفظت للأجيال اللاحقة وصفًا مباشرًا لمسقط وسكانها وسلطانها قبل أكثر من قرن من الزمان. كما وثقت واحدة من أقدم صور التواصل الثقافي بين البلدين.
ولم يمض وقت طويل على صدور الكتاب؛ إذ توفي شيغا شيجيتاكا في عام 1927م عن عمر ناهز الرابعة والستين، تاركًا خلفه إرثًا فكريًا وجغرافيًا كبيرًا، وما تزال ذكراه حاضرة في اليابان من خلال قبريه المقامين في معبدي سوغينجي بطوكيو وسيسونجي في محافظة آيتشي. كما ينتصب له تمثال تذكاري في متنزه الشرق بمدينة أوكازاكي، مسقط رأسه.
واليوم، وبعد مرور أكثر من مئة عام على زيارته لمسقط، تبدو رحلة شيغا شيجيتاكا أكثر من مجرد مغامرة فردية لرحالة ياباني فضولي؛ فقد تحولت إلى محطة تاريخية مبكرة أسهمت في تعريف اليابانيين بعُمان، ومهدت -ولو على المستوى الثقافي والمعرفي- لجسور التواصل التي ستتطور لاحقًا إلى علاقات صداقة وشراكة متينة بين البلدين.
ومن بين ما تركه شيغا من ذكريات، يظل لقاؤه بالسلطان تيمور بن فيصل، وانبهاره بجبال مسقط وحصونها، وموقفه الطريف حين أنشد النشيد الوطني الياباني أمام موكب زفاف عُماني، من أكثر المشاهد التي تعكس دهشة أول ياباني بارز جاء إلى عُمان ليسجلها بعين الرحالة وقلم المؤرخ.
المراجع
- إندو، هارو. عمان واليابان تبادل ثقافي مجهول بين البلدين، ترجمة د. مجدي حاج إبراهيم، ذاكرة عمان، مسقط، 2018.
- عبد العزيز، محمد غلام محي الدين. رحلتي في ظل سلاطين الحكمة، مطبعة جامعة السلطان قابوس، مسقط، 2025
- Haruo Endo، Oman and Japan Unknown Cultural Exchange between the two countries، 2012





