المناصب وسوء شغلها: عندما لا ”يوافق شنٌّ طبقه“

يناقش المقال كيف يؤدي حصر النجاح في الشهادات والمناصب الإدارية إلى إضعاف الكفاءة والإنتاجية، ويدعو إلى مسارات مهنية متنوعة تناسب قدرات الأفراد وميولهم.

عن الكاتب

المناصب وسوء شغلها: عندما لا ”يوافق شنٌّ طبقه“
المناصب وسوء شغلها: عندما لا ”يوافق شنٌّ طبقه“
أثير - ناصر الحارثي
تركز عدد من المقالات والكتب النهضوية في العالم العربي على أهمية الاستثمار في الإنسان وتحويله إلى عنصر منتج معرفيًا وتقنيًا، بما يمكنه من مواكبة العصر ويرفع كفاءة الأفراد وتنافسية المؤسسات والدول، ومع تكرار هذا الخطاب على مختلف المستويات، فإن الواقع لا يزال دون الطموح، فقد سلكت الدول العربية مسارين مختلفين؛ الأول تراجع وضعها الاقتصادي والسياسي، والثاني دول حاولت أن تواكب التقدم شكليًا أكثر من كونه تحولًا حقيقيًا.
أتذكر قول أحدهم إن من ينضم إلى نادي قراءة يصبح، بعد فترة وجيزة، أكثر ما يشغله أن الناس لا تقرأ، وأن هناك نقصًا في الوعي بأهمية القراءة، ويمكن إسقاط الفكرة نفسها على مجالات أخرى، مثل ركوب الدراجات، وزراعة الورود، والخطاب الديني، وغيرها، ولو نظرنا إلى هذه الظاهرة من زاوية أوسع، لوجدنا أننا نكررها في معظم المجالات؛ إذ أصبحت مسارات النجاح المهني محصورة في الشهادات الأكاديمية والمناصب الإدارية، فأدخلنا شريحة واسعة من المجتمع في منافسة على تخصصات لا تنتمي إلى ميولها، ولا تتوافق مع بنيتها المعرفية واهتماماتها الشخصية.
يتمتع هؤلاء الذين يطلق عليهم البعض ”العامة“ بذكاء اجتماعي وعاطفي مرتفع، في مقابل امتلاكهم مهارات تقنية أو تخصصية بدرجات أقل، وعندما لم تتوافر لهم فرص حقيقية للتنافس في المجالات التي يبرعون فيها، كالفنون والأنشطة المجتمعية والخدمات والترفيه، وهي مجالات لا تزال تحظى بتقدير مهني واجتماعي ومالي أقل، اتجه كثير منهم إلى التنافس على الوظائف المؤسسية، مستندين إلى مهاراتهم الاجتماعية، ومع مرور الوقت، بدأت القدرات التسويقية والحضور الاجتماعي يطغيان على الكفاءة الفنية والإجراءات المؤسسية، فأصبحنا نسمع جعجعة في بعض المؤسسات الأكاديمية والإدارية والبحثية، بل وحتى الصناعية، ولا نرى طحينًا؛ لأن كثيرين منشغلون بالظهور، بينما ينشغل عدد أقل بصناعة قيمة إنتاجية مستدامة تُبنى عليها الإنجازات.
ليست الإشكالية الحقيقية فيما يسمى بـ”الهبد”. فمن حق الناس أن يعبروا عن آرائهم، سواء كانت عميقة أم سطحية، ومن حق الواعظ أن يقدم رؤيته للواقع الديني، وأن يفخر الرسام بلوحته البسيطة، وأن يجد كل منهم جمهوره الخاص، وإنما تكمن المشكلة عندما يُوضع هؤلاء في مؤسسات أو مراكز متخصصة لا تتوافق مع خبراتهم، لأن ذلك يضعف البناء المعرفي، ويؤثر في الإنتاجية، ويحد من قدرة المؤسسات على استقطاب الكفاءات وصناعة التميز.
إن هندسة خيارات الناس ورغباتهم ليست بالمهمة السهلة، وقد حاولت الأنظمة الشيوعية، بدرجات متفاوتة، إدخال جميع أفراد المجتمع في مسار إنتاجي واحد، لكن التجربة انتهت إلى الفشل، لأن البشر يختلفون في قدراتهم وميولهم؛ فمن يكون خبيرًا في مجال ما، قد يكون عاميًا في مجالات أخرى، وإذا أردنا بناء مؤسسات أكثر إنتاجية، فلا يكفي رفع حجم المكافآت، بل ينبغي توفير مسارات مهنية كريمة ومتقاربة في المكانة الاجتماعية والاقتصادية، عندها لن يختار الأكاديمي البحث العلمي بدافع الراتب وحده، ولن يختار الطبيب مهنته لأجل العائد المالي فقط، بل لأن هذه المسارات تنسجم مع قدراته واهتماماته، كما ينبغي ألا تكون الفجوة بين هذه المهن وغيرها، مثل النجارة أو الطهي، شاسعة إلى هذا الحد، حتى تتوزع الكفاءات بصورة أكثر توازنًا، ويجد كل فرد المجال الذي يستطيع أن يبدع فيه، بدلًا من تزاحم الجميع على تخصصات لا تناسبهم.
قد يعتقد البعض أن هناك هدر مالي عندما ندعم الخيارات الفنية والترفيهية والرياضية، ولكن في الحقيقة هي تكلفة محدودة، وتحفظ الاستقرار المجتمعي، ولا تذكر أمام الهدر المتحقق عندما ندخل الجميع في دوامة خيارات لا تتناسب مع معرفتهم وكفاءتهم الإنتاجية، لذلك أصبح واقعنا ما أكثر المدراء وحاملي شهادة الدكاترة وخريجي تقنية المعلومات وما أقل الإنتاجية والدراسات الرصينة والتوثيق الرقمي.
لقد انعكس هذا الخلل على أداء المؤسسات نفسها، فمن الطبيعي اليوم أن تنشئ الوزارات والهيئات والمدارس والمراكز الصحية حسابات على منصات التواصل الاجتماعي لاستعراض فعالياتها، بينما يعجز الباحث عن العثور على معلومات كافية في مواقعها الإلكترونية الرسمية، وأصبح من المعتاد أيضًا أن يتصدر بعض المشاهير مهمة التعريف بخدمة عامة أو تفسير نظام أو قانون، لأن المؤسسة نفسها لا توفر محتوى كافيًا يمكن الرجوع إليه وتحليله والاستناد إليه، والمؤسف أن يصبح المصدر الثانوي هو المرجع الأول، بينما يغيب المصدر الأصلي عن أداء دوره المعرفي.

شارك هذا الخبر