أثير- الركابي حسن يعقوب
تُعد تصريحات جي دي فانس نائب الرئيس الأمريكي التي أدلى بها للصحفيين أمس الأربعاء ونقلتها عنه وكالة رويترز استثنائية، ولم تكن لغواََ نمر به كراماََ كحال كثير من تصريحات الرئيس ترامب التي تجد فيها المضحك والمبكي معاََ وكثير منها يتبدد كما تتبدد الفقاعات في الهواء.
طوّف نائب الرئيس الأمريكي على موضوعات عديدة، كان محورها ومركزها قضية الساعة وهي الحرب الأمريكية على إيران وفي قلبها أزمة مضيق هرمز. واللافت في تصريحات فانس أنها تبدو في معناها ومبناها مخالفة لتصريحات رئيسه ترامب وفي توازٍ معها، فمن حيث المبنى يلاحظ أنها رفيعة في مفرداتها وخالية من النتوءات والحواف الحادة والتي ”تميزت“ بها لغة الرئيس ترامب، ومن حيث المعنى نجد أنها تحمل معانٍ عميقة تغوص في أعماق القضايا ولا تقتصر على الطفو فوق السطح كما يفعل ترامب.
هي تصريحات تعكس نمطاََ مختلفاََ وترى فيها سمت وصفة رجل الدولة، الذي يزن الأمور بميزان العقل ويضع كل شيء في نصابه ويبني على حقائق واقعية ثابتة بعيداََ عن الانفعال والسباب والخيال الجامح والمبالغة في تقدير الذات والتقليل المبالغ فيه من شأن الخصوم.
لذلك يمكن القول إن ثمة هوّة فكرية وثقافية وأخلاقية تفصل بين الرجلين، رغم أنهما من حزب واحد وتم انتخابهما في بطاقة اقتراع واحدة باعتبارهما وجهان لعملة واحدة. وفي الآونة الأخيرة بدأت هذه الهوة تتسع بوتيرة أسرع مما كانت عليه بادي الأمر وعند مستهل الولاية الرئاسية الثانية للرئيس ترامب.
تصريحات فانس بدت أكثر واقعية وأكثر عملية وأكثر عقلانية، وتزداد أهميتها وهي بهذه الصفات بالظرف الزماني الذي قيلت فيه والتوقيت المهم الذي يمر به الصراع الأمريكي الإيراني، وتطورات المواجهة العنيفة بين خصمين شرسين بينهما عقود من العداوة والبغضاء هي الآن في ذروتها.
ما شد انتباهي في حديث فانس ثلاث تصريحات أدلى بها في ثلاث قضايا مهمة، يعطي تحليلها نتيجة واحدة وهي أن فانس يستدرك على سياسات الرئيس ترامب التي كانت المحور الأساسي الذي دارت حوله الولايات المتحدة كلها منذ بداية عهد ترامب، ولم تجنِ من هذا الدوران أية فائدة غير الشعور بالدوار وفقدان الاتزان وهو أمر مسيء بالنسبة للدولة العظمى بكل المقاييس.
التصريح الأول هو الذي تناول قضية التدخلات العسكرية الأمريكية في الدول حول العالم، وفي هذا الصدد قال فانس أن بلاده لم تعد تتبنى سياسة التدخلات العسكرية الهادفة إلى تغيير الأنظمة وأن الجيش الأمريكي لن يكون بديلاََ عن الشعوب في تقرير مصيرها!
وبهذا التصريح يكون فانس قد هز أحد أركان وركائز بناء السياسة الخارجية الأمريكية على مر التاريخ، التي قامت أساساََ على مبدأ التدخل في الشؤون الداخلية للدول وتغيير الأنظمة السياسية فيها باعتبار أن السياسة الخارجية الأمريكية كونية ويجب على كل دول العالم الدوران في فلكها طوعاََ أو كرهاََ، ويبرز سؤال مهم هنا بهذه المناسبة هل سنشهد تغيراََ جوهرياََ في هذه السياسة ومراجعتها وتصحيحها أم أن الأمر مجرد خاطرة أو أمنية طافت بعقل نائب أكثر الرؤساء الأمريكيين إثارة للجدل؟
التصريح الثاني لفانس كان ردًا على مراكز القوى داخل الحزب الجمهوري ممن يسمون بالصقور وهم المناهضين لمبدأ التفاوض مع إيران، الداعين إلى حسم الصراع بالقوة العسكرية، مضافاََ إليهم بعض الديمقراطيين الذين يرون في التفاوض مع إيران مظهرا من مظاهر الضعف والهوان، إذ قال فانس عن هؤلاء أنهم لا يقدمون بدائل عملية وأن خيارهم يقتصر فقط على الاستمرار في القصف وهو ”نهج أثبت عدم جدواه“!!
وهذا أخطر تصريح حول الخيار العسكري يصدر من الرجل الثاني في البيت الأبيض الأمريكي، حيث يعتبر هذا التصريح نعياََ صريحاََ للخيار العسكري في خضم حرب تشنها بلاده ونارها ما تزال مستعرة ورئيسها يفتأ يعلن خططه الحربية وآخرها حديثه عن بحثه مع مستشاريه إمكانية نشر قوات برية للسيطرة على جزيرة خارك الإيرانية!!
وفي تقديري أن هذا المشهد المتناقض يمثل أبشع صور الاضطراب التي يمكن أن يمر بها نظام سياسي وهو يواجه تحدياََ أمنياََ ويخوض حرباََ في الخارج، وهي حالة لا تجد لها مثيل إلا في دول العالم الثالث حيث غياب المؤسسية والقانون.
والتصريح الثالث والأخير لنائب الرئيس الأمريكي يتعلق بأزمة مضيق هرمز، حيث قال فانس إن إبقاء المضيق مفتوحاََ وضمان التدفق الحر لإمدادات النفط والغاز يمثلان أولوية استراتيجية للولايات المتحدة، لكنه استدرك قائلاََ إن حماية الملاحة البحرية لا يمكن أن تعتمد على الوسائل العسكرية وحدها، وأن استمرار التفاوض يمثل الخيار الأكثر واقعية مقارنة بالدعوات للاستمرار في القصف!!
وبهذا يكون فانس قد نقض - من حيث أراد أم لم يرد - غزْل ترامب من بعد قوة أنكاثاََ، فالنهج الترامبي يقوم على الاعتماد على القوة العسكرية المحضة والعنف اللفظي على ما سواهما من عناصر القوة الأخرى التي قصدها نائبه فانس.
وقد يقول قائل إن هذا من قبيل توزيع الأدوار بين الرئيس ونائبه، بمعنى أن يد ترامب تجرح، لتأتي يد فانس لتداوي. لكن هذا الزعم تفنده الوقائع والنتائج على الأرض، فتوزيع الأدوار يكون القصد منه إحكام دائرة الأهداف وتكون النتيجة إيجابية داعمة للهدف الرئيسي وهو ما ليس متحققاََ في حالة ترامب وفانس فكل منهما يغرد في سرب آخر.
وواضح أن رؤى الرجلين متباعدة، ويرجح أن يزداد هذا التباعد مع نهج التصعيد الذي ينتهجه الرئيس ترامب وخطواته المتسارعة نحو الاعتماد على القوة العسكرية، لكن لا يمكن التنبؤ بدقة بما سوف يؤول إليه هذا التباعد، لكن صورة المشهد الأمريكي الماثل الآن يمكن تشبيهها بمركب في عرض البحر وسط أمواج وعواصف هائجة ويقود المركب رُبّانَين اثنين ، كل منهما يريد قيادة المركب في اتجاه مختلف.






