أثير - مازن المقبالي
منذ عقود تعتمد موائدنا في الخليج على شحنات تعبر البحار قبل أن تصل إلى الأسواق المحلية، إذ قطعت أطنان من الأرز والقمح والخضار آلاف الكيلومترات لتصل إلينا، في منطقة تستورد الجزء الأكبر من غذائها، في وقت تواجه تحديات عدة مثل الجفاف وارتفاع درجات الحرارة. وكشفت أحداث عالمية كيف يمكن لسلاسل الإمداد أن تتعطل بين ليلة وضحاها، فمن جائحة كورونا (كوفيد 10) إلى الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وما تبعها من أحداث. فهل يمكن لتقنيات حديثة، أن تقلل من هذا الاعتماد على الخارج؟
مسقط نقطة انطلاق نحو معالجة المشكلة
جمعت حلقة عمل استضافتها مسقط في يونيو 2026م ممثلين من دول الخليج والمركز الدولي للبحوث الزراعية في المناطق الجافة “إيكاردا”، وخرجت بما يشبه بخارطة طريق تبدأ بتقييم جاهزية القطاع الزراعي الخليجي للتحول الرقمي أولا، ثم اختيار التقنيات الأنسب لبيئة المنطقة، وتنفيذ تجارب ميدانية، وصولا إلى سياسات تدعم التوسع في الحلول التي تثبت جدواها.
حين يتحول الماء إلى معادلة اقتصادية
قبل الحديث عن زيادة الإنتاج، هنالك تساؤل يدور حول مصدر المياه ... من أين ستأتي؟ فالقطاع الزراعي هو أكبر مستهلك للموارد المائية في الخليج، وعندما تراجعت المخزونات الجوفية ارتفعت معدلات الملوحة، مما يُسهم بدوره في تحديد تكلفة الغذاء وقدرة المزارع المحلي على الصمود أمام المنتجات المستوردة.
هنا يأتي دور أنظمة الري الذكي والمستشعرات الرقمية وتحليل البيانات الزراعية، ليس كرفاهية تقنية، بل كأداة توصل المياه إلى النبات بحسب حاجته الفعلية بدلا من الهدر التقليدي، والنتيجة المرجوة تأتي مزدوجة، وتأثيراتها تظهر في خفض تكاليف الإنتاج على المزارع من جهة، وإطالة عمر مخزون مائي محدود من جهة أخرى، وهو ما ينعكس، في نهاية المطاف، على استقرار أسعار الغذاء وقدرة الاقتصاد المحلي على تحمل الصدمات الخارجية.
كما يبرز مشروع منهل نماء للمياه المجددة كمصدر يُعظم القيمة الاقتصادية لكل مكعب من المياه، إذ تعتمد نماء لخدمات المياه على منظومة معالجة متكاملة باستخدام أحدث التقنيات، تُسهم في تنقية المياه وتعزيز خصائصها التشغيلية، بما يرفع جودتها إلى مستويات مناسبة لمختلف الاستخدامات، من الزراعة والصناعة إلى ري المساحات الخضراء.
بين الشجرة والانبعاث
تتقاطع هذه الجهود في سلطنة عمان مع مسار آخر توليه الدولة اهتماما متزايدا وهو خفض الانبعاثات الكربونية بحسب الرؤية التي وضعتها عُمان 2050 والتي سوف تتجه فيه إلى الحياد الصفري الكربوني. فوزارة الزراعة والثروة السمكية وموارد المياه لا تكتفي بالحديث عن الري والتسميد الذكيين والتوسع في الزراعة المائية العمودية، بل تربط هذه الأدوات بهدف أوسع تحدده تقديرات المركز الوطني للحياد الصفري، والتي تشير إلى أن الانبعاثات المرتبطة بالقطاع الزراعي والحيواني والاستزراع السمكي بلغت نحو 1.8 مليون طن من مكافئ ثاني أكسيد الكربون حتى عام 2024.
وهذه النسبة لا تعني الكثير للمزارع أو المستهلك، لكنه يترجم إلى 11 مشروعا ومبادرة نفذت حتى الربع الأول من عام 2026، ومن أبرز هذه المبادرات:
- مبادرة “أوكيو الخضراء”، بالشراكة بين شركة “أوكيو” ووزارة الثروة الزراعية والسمكية وموارد المياه، والتي تستهدف زراعة ربع مليون شجرة فاكهة مثمرة، بما يسهم في امتصاص نحو 8 آلاف طن من ثاني أكسيد الكربون سنويًا، إلى جانب تعزيز المعروض من الفاكهة في السوق المحلية.
- مشروع شجرة الميس (الشيشم)، بالتعاون مع شركة تنمية نفط عُمان، لتقييم قدرة هذه الشجرة على عزل الكربون، حيث تمتص الشجرة المكتملة النمو نحو 22 كيلوجرامًا من الكربون سنويًا.
- مشروعات شركة تنمية زراعة عُمان، التي تشمل زراعة 30 ألف شجرة ليمون عُماني في مزرعة “رحب”، بما يستهدف زيادة الإنتاج بنسبة 38%، إضافة إلى مبادرة “ريما” بمحافظة الوسطى لزراعة 150 ألف شجرة جوجوبا، التي تتميز بتحمل الملوحة، وانخفاض احتياجاتها المائية، وقدرتها على الحد من التصحر.
كيف تسهم الزراعة البينية في مواجهة ندرة المياه وتحسين الإنتاجية؟
لا تقتصر الزراعة الذكية على أجهزة الاستشعار والبيانات الرقمية، فبعض أهم الابتكارات التي طرحها مركز “إيكاردا” جاءت من إعادة التفكير في الممارسة الزراعية نفسها. فنظام الزراعة البينية بالتناوب الذكي يقوم على زراعة محصولين متتاليين خلال الموسم نفسه، كالعدس والحمص أو الكينوا، بما يستثمر الاختلاف في أعماق جذور النباتات ويستفيد بشكل أفضل من مياه الأمطار.
والتجارب الميدانية أظهرت أن هذا النظام رفع إنتاجية المياه بنسبة 25%، وحسن خصوبة التربة بنسبة 30%، وزاد إنتاج البروتين بين 30 و50%. ويعني هذا أن المزارع نفسه، وبالموارد المتاحة له، يمكن أن يحصل على عائد اقتصادي أفضل دون الحاجة إلى مساحة إضافية أو ضخ مزيد من المياه، وهو بالضبط نوع الحل الذي تحتاجه بيئة خليجية تعاني من ندرة الأرض والماء وتملح التربة معا.
هل تتحول التجربة إلى قاعدة؟
إن تعدد المبادرات والمشروعات لا يعني بالضرورة أن التحول قد اكتمل، فنجاح الزراعة الذكية في الخليج لن يقاس بعدد الورش أو التجارب النموذجية، بل بقدرتها على الوصول إلى آلاف المزارعين الذين لا يزالون خارج دائرة هذه التقنيات، وبمدى تحول هذه المبادرات من مشروعات محدودة بدعم مؤسسي إلى ممارسة يومية يتبناها المزارع بمفرده، دون الحاجة إلى شراكة أو تمويل خارجي في كل مرة.
وهذا بدوره يعيد صياغة السؤال الذي انطلقنا منه ”هل تستطيع الزراعة الذكية أن تقلل من هشاشة الغذاء في الخليج؟“ الإجابة، مشروطة بقدرة الحكومات على تحويل الأدوات التقنية إلى سياسات تصل إلى المزارع الفعلي. فالمياه التي توفرها هذه التقنيات اليوم، والانبعاثات التي تُخفض، والآفات التي تُكافح مبكرًا، كلها خطوات في الاتجاه الصحيح، لكنها تبقى غير كافية ما لم تتحول إلى قاعدة عامة لا استثناء محدود، في منطقة لا تملك ترف الانتظار طويلًا لتحسم خيارها بين الاستمرار في استيراد غذائها أو إنتاجه بذكاء أكبر وموارد أقل.
المصادر:
- ICARDA






