مسقط-أثير
إعداد/ سارة بنت ناصر الجعفرية، باحثة في التاريخ العماني
تمثّل المراسلات الفقهية التاريخية مصدرًا مهمًا لفهم المجتمع العماني وتحولاته؛ فهي لا تقتصر على نقل الفتاوى والأحكام، بل تكشف طبيعة العلاقة بين القيادة السياسية والمرجعية العلمية، وتوضح أثر الحوار بينهما في معالجة قضايا المجتمع وتنظيم شؤونه.
دارت هذه المراسلة بين العالم الفقيه خلفان بن جميّل السيابي، والشيخ العالِم الفقيه عيسى بن صالح الحارثي، أمير الحرث، وهو بالإضافة إلى زعامته السياسية؛ عالِمٌ جليل عُرِف بغزارة علمه وسعة معرفته، ولا غرو في ذلك فوالده هو الأمير المحتسب صالح بن علي، وقد تلقى العلم على يد عددٍ من العلماء الكبار في عصره ومن أبرزهم العلّامة نور الدين السالمي، وقد كُتبت في مدينة سمائل في السابع عشر من جمادى الأولى سنة ١٣٨٣هـ، الموافق ٥ أكتوبر ١٩٦٣م.
كُتبت الوثيقة بالخط العماني التقليدي الدارج، واستُخدم فيها المداد الأسود لكتابة المتن، والمداد الأحمر لتمييز بعض ألفاظ الحوار بين الطرفين، مثل: “قال، فقلت، والجواب”، وانتهت الوثيقة بذكر ناسخيها: الشيخ رشيد بن راشد بن عزيّز الخصيبي، وحميد بن عبدالله بن حميد بن سرور العماني السمائلي.

تستوقف القارئ في مستهل الوثيقة لغة الألقاب، إذ لم ترد بكثرة بسبب طابعها الفقهي، غير أن حضورها يكشف جانبًا من التراتبية العلمية والاجتماعية في سياق المراسلة، فقد افتتحت الوثيقة بقول الناسخ: " بسم الله الرحمن الرحيم.. قال شيخنا العلامة الجليل خلفان بن جميّل السيابي في كتاب لي من الشيخ عيسى“. وبما أن النص جُمِع من عدة مراسلات بين الطرفين، وكُتب بأيدي تلاميذ الشيخ خلفان بن جميّل، فإن تكرار ألفاظ مثل " شيخنا" و“الشيخ” يعكس موقع الكاتب من العالِم، ويشير في الوقت نفسه إلى مراسم المراسلات الفقهية والسياسية في تلك الفترة.
أما مضمون الوثيقة فيتمثل في استفتاءات تعالج قضايا اجتماعية وفقهية عاشها المجتمع العماني في منتصف القرن العشرين، ومن أبرزها: نفقة الأقارب، وحكم بيع الأصول لتوفير النفقة، ومسألة بيع المصاحف وكتب العلم عند الحاجة، وحكم ردّ الزوجة المطلقة من بلد الغربة إلى وطنها، ثم مسألة الاجتهاد وموقف المقلد في القضايا التي تحتمل النظر.

ومن خلال هذه الاستفتاءات يمكن تلخيص موضوع المراسلات في قضيتين أساسيتين تكشفان جانبًا من أحوال المجتمع العماني في تلك الفترة:
- نفقة الأقارب وبيع الأصول: أرسل الشيخ عيسى الحارثي إلى الشيخ خلفان يسأله عن وجوب نفقة الأقارب من خلال بيع الأصول، فأجابه الشيخ خلفان بما ورد عن علماء الإباضية في عُمان والمغرب، مستدلًا بنصوص من الكتاب والسنة، ومنها قوله تعالى: “يسألونك ماذا ينفقون قل العفو”.
- حق المطلقة: تناولت الوثيقة مسألة مؤونة المرأة المطلقة إذا كانت في بلد غربة، وعرض الشيخ خلفان الآراء الفقهية المتصلة بها، مؤكدًا أن الاعتبارات الأخلاقية تؤثر في ترجيح بعض الآراء عند تنزيل الحكم على الواقع.

كما وردت في المراسلات مصطلحات فقهية منها “الأصول”، ويقصد بها هنا العقارات والمزارع، ومنها “العفو”، وهو الفضل والباقي من المال. كما تكشف لغة الخطاب عن تواضع الطرفين على الرغم من مكانتهما العلمية، ومن ذلك قول الشيخ خلفان: “فإنك أكثر مني علمًا وفهمًا واطلاعًا وأطول يدًا في جميع العلوم”.
وأظهرت المراسلات سمات بارزة في الفكر الفقهي العماني؛ كالدعوة إلى الاجتهاد ورفض التقليد الأعمى، والرجوع إلى المصادر الفقهية مثل كتاب النيل وشرحه. كما كشفت مرونة النقاش في المسائل الفقهية بعيدًا عن التشدد، ومن خلال ذلك يبرز موقف الشيخ خلفان السيابي بوصفه انعكاسا على تطور الفكر القضائي والاجتماعي في العصر الحديث.

وأخيرا فإن المادة الوثائقية الراهنة تمثّل المرآة العاكسة لحياة المجتمع العماني منتصف القرن العشرين الميلادي وتبين طبيعة الارتباط بين الفقه والحياة اليومية، إذ تكشف كيف تحولت الأسئلة الاجتماعية والاقتصادية إلى مسائل فقهية تستدعي النظر والاجتهاد، كما تبرز حضور العلماء بوصفهم مرجعاً في ضبط العلاقات الأسرية والمالية داخل المجتمع العماني وخارجه.

المرجع
- المسعودي، خلفان بن صالح، تساؤلات وأجوبة بين الشيخين شيخنا العلامة عيسى بن صالح بن علي الحارثي والشيخ العلامة خلفان بن جميّل السيابي، وزارة التراث القومي، سلطنة عمان، الرقم العام: ١٢٢٤، الرقم الخاص: ٥٧٨ فقه.





