د.مجدي العفيفي يكتب عن معالي السيد بدر البوسعيدي الذي دفن “خرافة الاحتواء” الأمريكية والغربية

معالي السيد بدر بن حمد البوسعيدي يعلن وفاة عقيدة الاحتواء الأمريكية منذ 1979، ويطالب بنظام أمني خليجي يضم الدول الثمانية المطلة على الساحل

د.مجدي العفيفي يكتب عن معالي السيد بدر البوسعيدي الذي دفن “خرافة الاحتواء” الأمريكية والغربية
د.مجدي العفيفي يكتب عن معالي السيد بدر البوسعيدي الذي دفن “خرافة الاحتواء” الأمريكية والغربية
أثير - د.مجدي العفيفي
(1)

بعيدا عن لغة المداراة الدبلوماسية:

لم تكن سردية وزير الخارجية العماني، معالي السيد بدر البوسعيدي، المنشورة في صحيفة “لوموند” الفرنسية، مجرد تعليق دبلوماسي عابر على جولة مواجهة عسكرية وضعت المنطقة على حافة الهاوية، بل جاء بمثابة وثيقة مراجعة تاريخية جريئة تخترق المسلّمات التي حكمت المعادلات الإستراتيجية للمنطقة، أو الهندسة السياسية للشرق الأوسط على مدى خمسة عقود.
باختياره لصحيفة فرنسية عريقة ومستقلة نسبيًا عن التجاذبات الأنجلو-أمريكية، أرسل الوزير إشارة مبكرة إلى رغبة مسقط في مخاطبة النخب العالمية بلغة الحقيقة الجغرافية، متجاوزًا لغة المداراة الدبلوماسية المعتادة.
هذا التوقيت الذي يأتي في أعقاب صراع مباشر واجهت فيه الولايات المتحدة وإسرائيل إيران، يحمل دلالة واضحة بأن سلطنة عمان قررت مغادرة منطقة “الوسيط الصامت خلف الكواليس” لتتصدى لدور “المستشرف ومصمّم المبادرات فوق الطاولة”، واضعة الجميع أمام مسؤولياتهم التاريخية في لحظة استثنائية لم تعد تحتمل تكرار أخطاء الماضي القريب.
(2)

سقوط عقيدة “الاحتواء” وتهاوي أوهام خمسين عامًا:

إن الدلالة الأعمق والأكثر راديكالية في الأطروحة العمانية تكمن في إعلان الوفاة الرسمية لعقيدة “الاحتواء” التي تشكلت منذ عام 1979.
لقد شخّص البوسعيدي هذه العقيدة القائمة على عزل إيران وإقصائها بصفتها “أوهامًا مكلفة” تسببت في هدر مئات المليارات على الإنفاق العسكري العبثي وبناء القواعد الأجنبية، دون أن تنتج أمنًا حقيقيًا أو تمنع الصدام.
الرسالة السياسية هنا واضحة ومباشرة للغرب والولايات المتحدة: “لقد فشلت مقاربتكم الأمنية القائمة على الإقصاء وشيطنة الجار، والمنطقة لم تعد مستعدة لدفع فواتير عقائد أمنية مستوردة أثبتت التجربة عقمها”.
يطالب البوسعيدي ببديل فكري جذري ينقل المنطقة من ثنائية “التحالف العسكري لمواجهة التهديد” إلى صيغة “الدمج والشمولية”؛ حيث يصبح أمن الخليج مسؤولية تشاركية تُبنى بالتعاون لا بالاستبعاد.
(3)

إعادة تعريف مصدر التهديد من طهران إلى تل أبيب:

في خطوة جريئة وغير مسبوقة في الخطاب الدبلوماسي الخليجي الرسمي، أعاد الوزير العماني تحديد مصدر الخطر الوجودي على استقرار المنطقة.
فبالنسبة لمسقط، لم تعد إيران هي المهدد الرئيسي للأمن القومي الإقليمي، بل إن الحرب الأخيرة أثبتت بلا يدع مجالًا للشك أن الخطر الحقيقي والداهم ينبع من قرارات طائشة تُتخذ خارج حدود الخليج، وتحديداً من تل أبيب.
هذه الصياغة تحمل رسالة سياسية مزدوجة؛ الأولى موجهة لشركاء عُمان في مجلس التعاون لدول الخليج العربية تدعوهم فيها لامتلاك الشجاعة السياسية لتسمية الأشياء بمسمياتها، والاعتراف بأن الانجرار وراء المغامرات الإسرائيلية أو مشاريع التطبيع الأمنية ضد إيران هو الخطر الأكبر الذي يهدد استقرار عواصمهم.
والرسالة الثانية موجهة للمجتمع الدولي والولايات المتحدة للجم التهور الإسرائيلي الذي يستسهل حرق المنطقة لتحقيق مكاسب سياسية ضيقة، مؤكداً أن الخليج لن يكون ساحة مجانية لتصفية الحسابات الإسرائيلية.
(4)

حتمية الجغرافيا.. وصيغة “الثمانية الكبار”:

يطرح الوزير معادلة واقعية شديدة الوضوح: جغرافيا الخليج ثابتة ولا يمكن تغييرها، والاضطرار للتعايش وصياغة أمن مشترك هو الخيار العقلاني الوحيد.
من هنا، يرفض البوسعيدي أي صيغة أمنية تستثني إيران أو العراق، وينادي بصيغة “الدول الثمانية” المطلة على الساحل الخليجي (دول مجلس التعاون الست + العراق + إيران) ككتلة أمنية واحدة مترابطة المصالح والمصير.
الرسالة السياسية الموجهة لطهران من خلال هذا الطرح هي عرض شراكة ندية ومسؤولة؛ فمسقط تقول لإيران: “نحن نعترف بوزنكم الإقليمي ونرفض إقصاءكم، ولكن في المقابل، يترتب عليكم الالتزام الكامل بالقانون الدولي وصون حرية الملاحة واحترام سيادة الجيران”.
وبذات الوقت، يوجه الوزير رسالة للعواصم الخليجية مفادها أن الاستقرار الدائم لن يتحقق بالاعتماد على حماية أمريكية “افتراضية” تتبخر عند أول اختبار حقيقي، بل عبر بناء نظام أمني إقليمي ذاتي يضم الجميع ويتقاسم فيه الجميع المسؤولية والأعباء.
مراجعة الشراكة مع واشنطن: نعم للتحالف.. لا للتبعية: لم يغفل المقال حساسية العلاقات الخليجية - الأمريكية، لكنه طرحها بمقاربة نقدية رزينة. فالوزير لا يدعو إلى قطيعة مع الولايات المتحدة أو التشكيك في التحالفات التاريخية، بل يطالب بـ “إعادة توازن” شجاعة وصريحة.
(5)

عهد «الصكوك البيضاء».. ولّى!

الرسالة السياسية لواشنطن هي أن عهد “الصكوك البيضاء” والتبعية الأمنية المطلقة قد ولى.
سلطنة عُمان تطلب من الولايات المتحدة إعادة تقييم دورها في المنطقة ليكون مسهماً حقيقياً في البناء الأمني المشترك، وليس محفزاً للاستقطاب والتسلح الإقليمي.
كما يبعث المقال برسالة غير مباشرة مفادها أن القواعد العسكرية الأمريكية والمظلة الأمنية الغربية لم تعد صمام أمان، بل قد تتحول إلى نقاط ضعف ومواطن هشاشة تجر دول المنطقة إلى صراعات لا ناقة لها فيها ولا جمل.
(6)

مضيق هرمز والبحث عن “موازن” أوروبي عاقل

في لفتة ذكية ومقصودة، أشاد البوسعيدي بالدور البناء لفرنسا في المناقشات المعقدة الجارية لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز، معيدًا إلى الأذهان الموقف الفرنسي التاريخي الحكيم عام 2003 برفض المشاركة في غزو العراق.
هذه الإشادة تحمل رسالة سياسية لأوروبا، وفرنسا على وجه الخصوص، بأن مسقط ترحب وتدعم دوراً أوروبياً فاعلاً يكون بمثابة “كبح” للاندفاع العسكري الأمريكي الأعمى، و“وسيط عاقل” يسهم في تيسير الحوار الإقليمي وبناء الأطر القانونية والتشغيلية لحماية الممرات البحرية الحيوية، من مضيق هرمز وصولاً إلى شمال غرب المحيط الهندي وباب المندب.
(7)

“مانيفستو” الدبلوماسية العمانية الجديدة

في نهاية المطاف، يمثل هذا المقال الإعلان الرسمي عن عقيدة دبلوماسية عمانية جديدة تتجاوز دور “الإطفائي” الذي يتدخل فقط لتهدئة الحرائق، لتلعب دور “المهندس الاستراتيجي” الذي يضع المخططات لبناء مستقبل إقليمي جديد.
الرسالة النهائية والأهم التي أراد معالي السيد بدر البوسعيدي إيصالها للعالم هي: “إن الحرب الكارثية الأخيرة، رغم فداحتها، قد منحتنا فرصة تاريخية لدفن أساطير نصف القرن الماضي؛ والبديل الوحيد المستدام هو نظام أمني خليجي ذاتي، تشاركي، متوازن، يُدار بعقول وإرادة أهل المنطقة، لا بإملاءات عواصم القرار وراء البحار”.

شارك هذا الخبر