الاقتصاد الأخضر؛ هل هو أخضر حقًا؟

الليثيوم والكوبالت والنحاس تعيد رسم موازين القوى الاقتصادية؛ الصين تسيطر على 70% من المعالجة، والكونغو تنتج 70% من الكوبالت، وعُمان تدخل السباق عبر مشاريع النحاس

عن الكاتب

محمد العريمي
محمد العريمي

محرر وكاتب صحفي

 الاقتصاد الأخضر؛ هل هو أخضر حقًا؟
الاقتصاد الأخضر
أثير - مـحـمـد الـعـريـمـي
تخيل سيارة كهربائية تسير بهدوء في شوارع مدينة ذكية، بلا ضجيج ولا انبعاثات. قد تبدو هذه الصورة عنوانًا لمستقبل أكثر نظافة، لكنها تخفي حقيقة مختلفة تمامًا؛ فلكي نصل إلى هذا المستقبل، يجب الحفر أعمق في باطن الأرض.
بطارية سيارة كهربائية واحدة تبدأ رحلتها من مناجم الليثيوم في صحراء أتاكاما في تشيلي، ومن مناجم الكوبالت في جمهورية الكونغو الديمقراطية، حيث تُستخرج المعادن التي تقوم عليها تقنيات الطاقة النظيفة.
ومن هنا يبرز سؤال بات يفرض نفسه على المستثمرين وصناع القرار: هل يمكن للعالم أن ينجز تحوله البيئي والتكنولوجي من دون الاعتماد على صناعة التعدين؟ ومن يملك اليوم هذه الثروات التي قد تعيد رسم موازين الاقتصاد العالمي؟

من اقتصاد الوقود إلى اقتصاد المعادن

قد يبدو الجمع بين الطاقة النظيفة والتعدين متناقضًا، لكنه في الواقع يعكس تحولًا عميقًا في الاقتصاد العالمي، فالعالم لم يعد يعتمد فقط على الوقود لتشغيل اقتصاده، بل أصبح يعتمد بصورة متزايدة على المعادن.
وتشير الوكالة الدولية للطاقة (IEA) إلى أن أنظمة الطاقة الجديدة أكثر استهلاكًا للمواد الخام من الأنظمة التقليدية، فمحطات الطاقة الشمسية وتوربينات الرياح والسيارات الكهربائية تحتاج إلى كميات كبيرة من النحاس والسيليكا والعناصر الأرضية النادرة، تفوق بأضعاف ما تتطلبه محطات الطاقة العاملة بالغاز.
لهذا لم يعد الاستثمار في التعدين مرتبطًا بالذهب أو الفحم فقط، بل أصبح يدور حول معادن مثل الليثيوم والكوبالت والنيكل والنحاس، التي توصف اليوم بـ ”المعادن الحرجة“ لأنها تمثل الأساس لصناعة البطاريات والإلكترونيات وتقنيات الطاقة النظيفة.
ومع تسارع الطلب عليها، حذّر البنك الدولي في تقريره ”المعادن من أجل العمل المناخي“ من أن إنتاج بعض هذه المعادن، وعلى رأسها الليثيوم والكوبالت، يحتاج إلى الارتفاع بأكثر من 500% بحلول عام 2050 لتلبية الطلب المتوقع.

خريطة النفوذ: أين تتركز الثروة؟

تتجاوز قيمة سوق التعدين العالمي تريليوني دولار، وتنتشر عملياته عبر أكثر من مئة ألف منجم حول العالم، لكن إنتاج المعادن الحرجة يتركز في عدد محدود من الدول، وهو ما يمنحها ثقلًا اقتصاديًا وجيوسياسيًا متزايدًا، -وفق السلسلة السنوية لملخصات السلع المعدنية الصادرة عن هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية.
ففي إفريقيا، تنتج جمهورية الكونغو الديمقراطية نحو 70% من الكوبالت العالمي، وفي أمريكا اللاتينية، تتصدر تشيلي والبيرو إنتاج النحاس، بينما يضم ”مثلث الليثيوم“ الذي يشمل الأرجنتين وبوليفيا وتشيلي أكثر من نصف احتياطيات العالم من الليثيوم.
أما الصين، فلا تقتصر قوتها على امتلاك المناجم، بل تمتد إلى السيطرة على عمليات التكرير والمعالجة، إذ تؤكد بيانات الوكالة الدولية للطاقة أنها تستحوذ على ما بين 60 و70% من قدرات معالجة الليثيوم والكوبالت عالمياً.
هذا التركز منح شركات التعدين الكبرى، مثل BHP وRio Tinto، أرباحًا ضخمة، حتى إن هوامشها الربحية تجاوزت في بعض الفترات هوامش شركات التكنولوجيا، وفق تقرير ”Mine“ الصادر عن PwC الذي يحلل الأداء المالي لأكبر 40 شركة تعدين عالمية

سباق لإعادة التموضع

وسط المخاوف المتزايدة من اضطراب سلاسل الإمداد، بدأت دول عديدة إعادة النظر في إستراتيجياتها الاقتصادية، والسعي إلى حجز موقع لها في سوق المعادن.
وتبرز سلطنة عُمان ضمن هذه الدول، إذ اتجهت إلى تنمية قطاع التعدين بالتوازي مع قطاع النفط، مستفيدة من احتياطياتها من النحاس والكروم والسيليكا، بما ينسجم مع مستهدفات ”رؤية عُمان 2040“ لتنويع الاقتصاد.
ومن خلال شركة تنمية معادن عمان (MDO)، طُرحت مربعات تعدينية جديدة للاستثمار، وأُعيد تشغيل مشاريع للنحاس، من بينها مشروع مزون، في خطوة تستهدف إدماج سلطنة عمان في سلاسل الإمداد العالمية المرتبطة بالاقتصاد الأخضر، مع الاستفادة من بيئة استثمارية مستقرة تشريعياً.

كيف يستثمر العالم في التعدين؟

لم يقتصر التحول على الحكومات، بل امتد إلى الشركات والأسواق المالية. فقد اتجهت شركات سيارات كهربائية كبرى إلى شراء حصص مباشرة في مناجم الليثيوم لضمان تأمين احتياجاتها المستقبلية، وهو ما وثقته تقارير بلومبرغ ورويترز.
وتتنوع أدوات الاستثمار في هذا القطاع بين ثلاثة مسارات رئيسية؛ أولها الاستثمار المباشر في أسهم شركات التعدين، سواء الشركات الكبرى ذات العوائد المستقرة، أو الشركات الاستكشافية الصغيرة التي تحمل مخاطر مرتفعة، لكنها قد تحقق مكاسب كبيرة عند اكتشاف رواسب جديدة.
أما المسار الثاني فهو صناديق المؤشرات المتداولة (ETFs)، التي تمنح المستثمرين تعرضًا لعدد كبير من شركات التعدين في آن واحد، بما يحد من المخاطر المرتبطة بدولة أو مشروع واحد.
ويبقى المسار الثالث هو العقود الآجلة للمعادن، التي تستخدمها المؤسسات المالية للتحوط من تقلبات الأسعار والتضخم.

هل يمكن بناء مستقبل أخضر من دون التعدين؟

التحول إلى الطاقة النظيفة لا يقلل الحاجة إلى المناجم، بل يجعلها أكثر أهمية من أي وقت مضى. فكل سيارة كهربائية، وكل محطة للطاقة المتجددة، وكل بطارية، تبدأ من معدن استُخرج من باطن الأرض.
لهذا لم تعد المناجم تمثل بقايا عصر صناعي قديم، بل أصبحت إحدى الركائز التي يقوم عليها الاقتصاد العالمي الجديد. ومن يملك هذه المعادن اليوم، يملك جزءًا كبيرًا من مفاتيح الاقتصاد في العقود المقبلة.

شارك هذا الخبر