أثير- عبدالله العريمي
تمر الثقافة العربية المعاصرة بانسلاخ وجودي فرضته هيمنة العالم الرقمي، ليتجه رهان الوجود إلى جوهر اللغة نفسه؛ حيث نستشفُّ قدرة الكلمة على البقاء كوعاء حقيقي للفكر والجمال.
وفي ظل عصر السرعة المفرطة والتلقي الخاطف، تتعرض اللغة العربية لعملية تكليس مفاصل، مما يعيق حركتها الطبيعية، عملية تحولت معها المفردات إلى أدوات وظيفية مسطحة تفتقر إلى البعد الجمالي والعمق الفكري.
ويبرز الشِّعر في قلب هذه المواجهة ليشكّل خط الدفاع الأخير عن رصانة المعنى، متصديا لما أفرزته الثقافة الرقمية من نمط بارد من الاستهلاك الفوري؛ إذ تحبذ الشاشات النصوص المبتذلة والسهلة لما تحققه من انتشار لحظي، مهملة شرط التأمل وإعمال الذهن.
إن هذا النمط ينسحب تدريجيا على هندسة الخيال نفسها، فيحدث ضمورًا في قدرة المتلقي على استيعاب النصوص المركبة. وتتجلى الخطورة الكبرى في تسرب السطحية إلى الوعي الجمعي، فاللغة هي المادة الخام التي يصاغ بها الفكر ويترجم عبرها نزف الوجود الإنساني.
ولعل التجلي الأبرز لهذه الأزمة يكمن في تصاعد النصوص الميتة التي تتولى الخوارزميات توليدها، سواء جاءت في قوالب شعرية أو نصوص سردية. إن هذه النصوص، رغم انضباطها الظاهري وبلاغتها الشكلية، تظل كائنات بلا أرواح؛ مجرد تجميع آلي وتطابق لمفردات جُردت من الإحساس البشري وتوْق التجربة الحية. فالخوارزمية لا تكابد ألم الفقد، ولا تتأمل اتساع الصحراء أو زرقة البحر، ولا تشعر بجمر الألم وضوء الأمل؛ وإنما تعيد تدوير الذاكرة الإنسانية في منتج بارد.
إن التعاطي مع هذه النصوص بوصفها أدبًا يُهدد بجعل الذائقة الجمعية تتربى على الهياكل العظمية للغة، وجعلها شكلاً بلا مضمون، ومعمارًا مفرغًا من دفقة الشعور، والإدراك الإنساني. لذلك فإن مواجهة هذا الزيف تفرض علينا الانحياز مجددا إلى التمهل والاشتغال المعرفي العميق، حيث يُكتب النص بعيدا عن الاستعراض، فعندما يصاغ الشعر بتمهل، فإنه ينقذ اللفظ من الابتذال، ويستعيد الألق الغائب للمجاز والرمز، كاسرا روتين التصفح السريع.
يظل النص الشعري هو المعمار العالي للغة، فهو يصون طاقاتها التعبيرية من التشويه، ويرشُّ عليها ماء الحياة، ويمنع الكلمة من التحول إلى أداة جافة.
بناء على ذلك، فإن الرهان المصيري اليوم يعتمد على قدرة الشاعر والمفكر على استعادة قداسة الكلمة بعيدًا عن إرضاء الخوارزميات العمياء؛ فالنصوص الحقيقية تتغذى من أصول اللغة، وتأملات الواقع، وحكمة التراكم الحضاري، ليظل النص الشعري الأصيل هو الترياق الممكن ضد التفاهة.
إن الشِّعر يذكّرنا دوما بأن الإنسان كائن حالم ومفكر، وتعد حراسته صيانة جادة للهوية والضمير الجمعي، ورفضًا صريحًا لاختزال الإنسانية في مشهدية استهلاكية تقتل روح النص.





