أثير - أحمد بن عبدالله الشبيبي
خبير الاستشارات الاسرية
يعيش الزوجان سنوات طويلة تحت سقف واحد ويتقاسمان المسؤوليات والالتزامات والتفاصيل اليومية، ومع ذلك قد يكتشف أحدهما في لحظة حوار صادق أنه لا يعرف كثيرًا مما يدور في عالم شريكه. فالقرب المكاني لا يعني بالضرورة قربًا نفسيًا، وطول سنوات الزواج لا يضمن استمرار المعرفة، لأن الإنسان تتغير احتياجاته واهتماماته ومخاوفه وأحلامه مع مرور الوقت.
تكشف الخبرة الإرشادية أن نسبة كبيرة من المشكلات الزوجية لا تنشأ بسبب غياب المحبة، وإنما بسبب ضعف معرفة كل طرف بطبيعة الآخر. فقد يظن الزوج أنه يعرف ما يسعد زوجته بينما يكون احتياجها الحقيقي مختلفًا، وقد تعتقد الزوجة أنها تفهم أسباب صمت زوجها، ثم يتبين أن تفسيرها بعيد عما يشعر به. ومن هنا تأتي أهمية «مقياس اكتشاف الزوج والزوجة» بوصفه وسيلة عملية لفتح أبواب الحوار وإعادة التعارف بين شريكي الحياة.
نحن نقرأ عن أي مشروع نريد الدخول فيه ونبحث في جدواه ومتطلباته ومخاطره، فكيف بمشروع الحياة الزوجية الذي يرتبط باستقرار الإنسان النفسي والأسري ومستقبل أبنائه؟ الزواج لا ينجح بالمحبة وحدها، بل يحتاج إلى معرفة متجددة ومهارة في التواصل واستعداد دائم لاكتشاف الآخر بعيدًا عن الافتراضات الجاهزة.
يتكون المقياس من عشرين سؤالًا تغطي مساحات متنوعة من شخصية شريك الحياة وعالمه الداخلي. تبدأ الأسئلة بالتعرف إلى طبيعته وما يحبه من الطعام والثياب والعادات والعلاقات، ثم تنتقل إلى ما يثير غضبه وما يفرحه وما يجعله قلقًا أو حزينًا أو خائفًا. كما تستكشف الأشخاص المهمين في حياته وأجمل ذكرياته وأصعبها وأمنياته وأحلامه والصورة التي يتمناها لشريك حياته.
ولا يقف المقياس عند التفضيلات الظاهرة بل يتعمق في معرفة المميزات والعيوب والمشكلات الصحية والأشياء التي يفتقدها الشريك والتجارب التي أثرت فيه إيجابًا أو سلبًا والعوائق التي تحد من تطوره. ويتناول كذلك المواقف التي أسعدته أو أزعجته من الطرف الآخر والأسباب التي قد تدفعه إلى التهور أو التفكير في الطلاق ومدى ارتباطه بالدين وكيفية تعزيز هذه العلاقة. وبذلك ينتقل الزوجان من معرفة التفاصيل السطحية إلى فهم الاحتياجات النفسية والتجارب المؤثرة والتطلعات المستقبلية.
أما تطبيق المقياس فيحتاج إلى أجواء هادئة وآمنة. تُطبع نسختان واحدة للزوج وأخرى للزوجة ويجيب كل طرف منفردًا عن جميع الأسئلة بناءً على معرفته بالطرف الآخر لا عن نفسه. ومن المهم ألا يتشاورا أثناء الإجابة وألا يبحث أحدهما عن الإجابة المثالية فالمطلوب تسجيل ما يعرفه فعلًا لا ما يظن أنه ينبغي أن يعرفه.
بعد الانتهاء يتبادل الزوجان النسختين. يقرأ كل طرف ما كتبه شريكه عنه، ثم يوضح ما كان صحيحًا ويصحح ما لم يكن دقيقًا ويكشف ما لم يتمكن الشريك من معرفته. وينبغي أن يجري الحوار بلا سخرية أو لوم أو دفاع وألا تتحول الإجابات الخاطئة إلى دليل على انعدام الحب. يمكن لكل طرف أن يقول: «كنت أعتقد أن هذا ما يسعدك لكنني اكتشفت اليوم أنك تحتاج إلى شيء مختلف». هذه اللغة تحول الاختلاف إلى فرصة للتعلم بدلًا من تحويله إلى مواجهة.
هذا المقياس ليس اختبارًا نفسيًا تشخيصيًا ولا يقدم حكمًا رقميًا بنجاح العلاقة أو فشلها. ولا توجد في نسخته الحالية درجات محددة للتصحيح ولذلك تُقرأ نتائجه قراءة نوعية. فإذا جاءت معظم الإجابات متوافقة مع حقيقة الشريك دل ذلك على مستوى جيد من الاكتشاف. وإذا ظهرت معرفة عامة مع اختلافات في الجوانب العاطفية والأحلام والمخاوف فالاكتشاف جزئي ويحتاج إلى تعميق. أما كثرة الإجابات المجهولة أو غير الدقيقة فتشير إلى مساحة واسعة لإعادة التعارف لا إلى نهاية العلاقة.
وتكمن أهمية المقياس في أنه يكشف الفجوة بين ما نعرفه عن الشريك وما نظن أننا نعرفه. كما يساعد على اكتشاف الاحتياجات غير المعلنة وتصحيح التفسيرات الخاطئة واستعادة الفضول الإيجابي الذي يضعف أحيانًا مع الاعتياد. ويمكن أن يقود الزوجين إلى خطوات عملية مثل تخصيص حوار أسبوعي أو الاهتمام بحلم مؤجل أو تجنب موقف مؤذٍ أو تقديم الدعم بالطريقة التي يحتاج إليها الطرف الآخر فعلًا.
غير أن بعض الأسئلة ولا سيما المتعلقة بالصحة والذكريات المؤلمة والطلاق تحتاج إلى حساسية وخصوصية. فإذا تحولت المناقشة إلى توتر شديد فالأفضل التوقف واستكمالها لاحقًا أو الاستعانة بمرشد أسري متخصص.
إن معرفة شريك الحياة ليست محطة نصل إليها مرة واحدة بل رحلة تتجدد لأن الإنسان الذي تزوجناه بالأمس يتأثر اليوم بتجاربه ومسؤولياته وطموحاته. والسؤال الذي يستحق أن يرافق كل زواج ليس: كم مضى على زواجنا؟ بل: كم مرة جلسنا لنكتشف بعضنا من جديد؟






